هل ينتهي الصراع الدموي في ليبيا في ظل مطامع ومطامح قوى خارجية..؟ بقلم الكاتب الناقد محمد المحسن من تونس.

قد لا أجانب الصواب إذا قلت أنّ ليبيا اليوم على صفيح ساخن،وإذا انفجر الوضع الملتهب أصلا فستآتي النيران على الأخضر واليابس ووقتئذ لا ينفع الندم..وصرير الأسنان..فما الذي يجري داخل الجوار الليبي..وهل غدت الساحة الليبية -مضمارا-للسباق بين قوى إقليمية ودولية..؟ما لاشك فيه أنّ الساحة الليبية تشهد تقلبات سياسية عنيفة أفضت بالضرورة إلى اتساع رقعة الصراعات المسلحة بما فيها الحرب على تنظيم الدولة.فما كادت ثورة 17 فيفري 2011 تؤتي ثمارها بعد الإطاحة بنظام معمر القذافي حتى تعثرت في منعطفات الخلافات المناطقية والحرب الأهلية؛فأصبحت ليبيا البلد الواحد بثلاث حكومات أفرزت صراعات في مؤسسات الدولة.وفي خضم هذه الصراعات تعددت الأذرع العسكرية بتعدد الكيانات السياسية،وبدا غالبية اللاعبين السياسيين وصنَّاع القرار إمَّا مرتبطين بمصالح مناطقية لمدنهم وقبائلهم،أو بتحالفات خارجية سمحت لأطراف إقليمية ودولية بالتدخل في الشؤون الليبية وإذكاء الصراعات الدائرة،وإعادة رسم خريطة التوازنات طبقًا لتقاطع المصالح.فباتت حكومة الوفاق-المنبثقة عن اتفاق الصخيرات والمعترَف بها دوليًّا-في مواجهة مأزقين:الأول:تعطُّل التصديق عليها تحت قبة البرلمان بسبب الخلافات بين أعضائه،والثاني:صعوبة قيامها-في ظل الظروف الراهنة- بتطبيق بنود اتفاق الصخيرات* الذي كان من المفترض أن يفضي إلى تحقيق توافق بين الفرقاء،وإنهاء الحرب وتفعيل المصالحة الوطنية.واليوم..غدت ليبيا اليوم واحدة من أكثر مناطق الصراع في العالم استقطاباً على كل المستويات،أطماع الأوروبيين،فرنسا وإيطاليا بشكل خاص،وخلافهم حول الانحياز باتجاه أحد طرفي النزاع لضمان الكعكة النفطية،والمصالح،من خلال ترقب تحول الأحداث على الأرض..وإذن؟إن ما يحدث في ليبيا إذا لم يعرفه بلد عربي من قبل،ليس لحساب أعداد الضحايا،وحجم الفوضى،بل لحالة السيولة السياسية،حتى بات من الصعب التمييز من ضد من؟حظر جوي وحالة طوارئ وميليشيات مناطقية موزعة على مدن حساسة،في مقابل محاولات انقلاب وانقلاب على الانقلاب،وأجواء من التطرف المسلح المجاني لصالح المزيد من الفوضى،التي من المرجح أن تزداد متى ما دخلت الأطراف الخارجية على الخط..نعيق المدافع..ونباح الرشاشات:تدفع طرابلس ثمن استمرار الحرب التي تنفث فيها القوى الأجنبية.وقد ذكرت منظمة الصحة العالمية أنه منذ أفريل 2019،قُتل ألف شخص على الأقل،مائة منهم من المدنيين،ونزح أكثر من 120 ألف مدني.في هذا السياق،يقول فتحي باشاغة،وزير داخلية حكومة الوفاق:”ندفن يوميا الشباب الذي يُفترض أن يكون جزءا من بناء ليبيا”.واتهم المجتمع الدولي بالإخفاق في دعم البلاد منذ عام 2011.”لم يستكملوا المشروع. أرادوا الإطاحة بالقذافي، لكن كان يجب عليهم دعمنا لإعادة إعمار البلاد وبناء الجيش. لكنهم تخلوا عنا”.وأضاف أن تنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة قد يستغلان الفراغ الناتج عن انشغال الحكومة بالدفاع عن طرابلس.”سيستغلون هذه الفرصة.يمكنهم التوسع الآن في الصحراء،ثم التحرك،ولن يتمكن أحد من إيقافهم”.وحذر من خطر آخر وهو وقوع ليبيا في براثن الحرب الأهلية في حال استمرار الصراع.وأنا أقول:من المستحيل النظر في الأحداث في ليبيا من دون الأخذ في الاعتبار القوى الخارجية التي تساعد بشكل مباشر أو غير مباشر حكومة الوفاق الوطني،والمارشال المتقاعد حفتر،والحكومة “الشرقية” في طبرق،وتلعب دورا رئيسيا في الصراع.تساعد الدول الأجنبية الأطراف المتحاربة،بحيث لا تمتلك طرابلس ولا طبرق تفوقا حاسما.إن ما آلت إليه الأوضاع في ليبيا اليوم بعد مضي أشهر من الاقتتال حول العاصمة يدفع بقوة إلى البحث عن مخرج سريع للأزمة التي تشتد كل يوم،ومساهمة في حقن دماء الإخوة الأعداء يكون ملحا المطالبة بوقف فوري للقتال الجاري،لكن السؤال الذي يبرز دائما هو كيف يمكن تحقيق ذلك خاصة في هذه الظروف التي تعلو فيها لغة الرصاص على العقل والسلام..؟!ذلك طبعا-كما أشرت في مقال سابق-رهين بإرادة الأطراف المتصارعة أولا،وإرادة المجتمع الدولي ثانيا،ونعتقد أن عامة الليبيين يرغبون في ذلك ويتمنونه اليوم قبل الغد،بالإضافة إلى الإجماع الدولي واتفاق الدول المهتمة بالشأن الليبي حول ضرورة إيقاف القتال.ولكن..في ظل الظروف الراهنة قد يشكِّل الصراع على النفط بين الشرق والغرب ملامح المشهد القادم في حال فشلت المؤسسة الوطنية للنفط والأطراف الغربية المعنية بالنفط الليبي-كإيطاليا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة-في إيجاد آلية عادلة لتقسيم عوائد النفط الذي يوجَد قرابة ثلثيه في برقة.ولو استقرت المنطقة الغربية بعد هزيمة تنظيم الدولة في سرت ربما يضع ذلك الكرة في ملعب حفتر أمام المجتمع الدولي باعتباره صاحب قرار استمرار الحرب أو إيقافها.ولكن أيضا..ما يؤلمني هو أن ليبيا تحولت إلى ساحة لتجربة التكنولوجيا العسكرية الجديدة وكذلك الأسلحة القديمة،ومن هنا فإنّ استمرار الدعم الخارجي والسلاح المستورد الذي رافقه مقاتلون وطيارون وفنيون أجانب من شأنه أن يطيل أمد الحرب ويشرّد-حمائم السلام-وأرجو أن أكون..على خطإ جسيم..على سبيل الخاتمة:الحرب الملتهبة في ليبيا والتي شهدت تصعيدا خطيرا في السنوات الاخيرة، بسبب التدخلات ومشاركة بعض الدول بشكل مباشر من خلال دعم الاطراف المتصارعة،ماتزال محط اهتمام كبير،خصوصا وان هذه الحرب قد اسهمت بتدمير هذا البلد المهم والغني بالنفط وبمخزونات الغاز والذي يتاخم طرق تجارية هامة في البحر المتوسط، وهو ما جعله وبحسب بعض المصادر محط استهداف مباشر لبعض الدول التي تسعى الى تحقيق مصالحها الخاصة،ويرى بعض الخبرى ان هذه الحرب ربما ستشهد مستقبلاً مشاركة اطراف ودول اخرى، فبعد الربيع العربي ومقتل القذافي اشتعلت الحرب لبسط السيطرة في البلاد الواقعة في شمال أفريقيا. ونشأ معسكران قويان يحصلان على المساعدة العسكرية واللوجستية من الخارج:فمن جهة حكومة طرابلس المعترف بها دوليا تتلقى الدعم من الأمم المتحدة وقطر وتركيا.

*اتفاق الصخيرات (2015) أوالاتفاق السياسي الليبي هو اتفاق شمل أطراف الصراع في ليبيا وتم توقيعه تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة في مدينة الصخيرات في المغرب بتاريخ 17 ديسمبر 2015 بإشراف المبعوث الأممي مارتن كوبلر لإنهاء الحرب الأهلية الليبية الثانية المندلعة منذ 2014،وقد بدأ العمل به من معظم القوى الموافقة عليه في 6 أبريل 2016.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*