مَنْ أَنَا وَمِنْ أَنْتِ ؟ مُحَاوَلَة ‏ 32 بقلم الشاعر ميشال سعادة من لبنان.

L’image contient peut-être : Michel Saadeh, fleur et plein air

دَرْدَشَةٌ مَسَائِيَّةٌ
‏عَلَى ضَجِيجِ ” نُوْرمَا “

هذَا المَسَاء
‏فِكْرَةٌ حَاصَرَتْنِي فيما العاصِفَةُ
‏” نورما ” كالعاطِفِةِ تَقُضُّ مَضجَعِي
‏وأعْرِفُ أنَّ كُتُبًا كثيرةً تَنتَظِرُنِي
‏في مَكتَبَتِي
‏أُحاوِلُ أنْ أسْتَمِرَّ قَليلًا في الحَيَاةِ
‏لأُنْجِزَ قِرَاءَتَهَا
‏ومِنْ ثَمَّ أمُوتُ مُطْمَئِنًّا

نَسِيتُ أنْ أقُولَ لكِ _
‏حُبُّكِ يُشَجِّعُنِي أيضًا على الحَيَاةِ
‏لكِنَّ آلامَ الحُبِّ التي أُعانِيها
منْ زمَنٍ
‏سَبَبُها اجتِماعُ ثاناتوسَ بإيروسَ ..

ستَنْدَالُ _
الفوضُوي بِطَبِيعَتِهِ خَفَّفَ عليَّ جِزءًا
‏يسيرًا من هذهِ المُعاناةِ معتبِرًا
أنَّ الحُبَّ يَضَعُنَا
في موقفِ لامبالاةٍ تجاهَ الموتِ .
‏ألحُبُّ الحَقِيقِيُّ بِرأيِهِ
يجعلُ فكرةَ الموتِ مألوفَةً .

لَستُ أدري ما الذي يَعتَرينِي
‏هذا المَسَاء _
أَأَبْحُثُ عنِ المَوْتِ كخَلاصٍ مُمْكِنٍ
‏من عذاباتِ الحُبِّ غيرِ المُحْتَمَلَةِ ؟
‏ لِماذَا أذهَبُ كَغَيري مَذْهَبَ الذين
‏انتَحَرُوا نَتِيجَةَ عَذَابَاتٍ عَانُوهَا في
‏حُبِّهِم ؟

هُنَا سَألْتُ إيرُوسَ _
‏ لماذا تَرْمِي بِنَفْسِكَ وَبِقُوَّةٍ غَيرِ
‏مُنتَظِرَةٍ في أحْضَانِ ثاناتٍوسَ ؟.
‏ أَأَنتَ تَبْغِي ذَوَبانًا فيهِ ؟

‏ لَنْ أنتَظِرَ أيَّةَ إِجَابَةٍ …

أرَانِيَ أرَى أنَّ الحُبَّ مَوتٌ
‏والمَوتَ حُبٌّ تَمامًا كما عَبَّرَ
نُوفَاليس عن حَالةِ الإنْتِشَاءِ
في ” أناشيدِ اللَّيلِ ” مُوجِّهًا
قصائدَهُ المَرِحَةَ الى المَوتِ .
ولستُ بِبَعيدٍ عن قَصَائِدِ بودلير
” أزهارِ الشرِّ “
حَيْثُ ‏انتَشرَتْ رَائِحَةُ
جُثُثِ المُصَِابينَ بأمراضٍ جِنْسِيَّةٍ
وهو القائلُ _
‏ ” إنَّهُ يَتَنَفَّسُ الجُثَثَ وكأنَّها
‏ عِطرُ أفرُودِيت “
‏ ( أناتول فرانس )

ثَمَّةَ في قَرارةِ نَفْسِي شَيءٌ
‏يُداعِبُنِي ويُوَسوِسُ لي _
ماذا لو مجَّدْتَ الحياةَ
الأكثَرَ امتِلاءً بالعذابِ ؟
‏سَيكُونُ لكَ مِيتَةٌ جَميلَةٌ
‏وَأشَدُّ إثارةً للَّذَةِ

ثَمَّةَ فِكْرَةٌ أُخْرَى وتَسَاؤُلٌ _
لماذا لا أنتحِرُ كانتِحارِ ” فِرْتِرْ “
الذي ضَحَّى بِنفسِهِ من أجلِ
حَبيبتِهِ لأنَّ الحياةَ معها مُحَرَّمَة ؟

أأنتَحِرُ وأسْبَقُها الى العالمِ الآخَرِ
حيث أنتظرُ قُدُومَها عملًا
بما كتب ” فِرْتِرْ ” لها :
‏ ” أطِيرُ للقائكِ وأُمسِكُ بكِ
‏ وأبقى معكِ في عناقٍ أبديٍّ
‏ في مواجَهَةِ اللَّانِهائيِّ “

لا أُخْفِي قَارِئِي أنَّ
لما كتبَهُ ” غوته “
في رباعياتهِ الخَمسِ
ألأثَرَ الكبيرَ على هذه الدَّرْدَشَةِ
المَسَائيَّة

يَقُول ” غوته ” _ ‏
” لا تُحَدِّثْ أحَدًا ، عَدَا الحُكَمَاء ،
‏ لأنَّ العامةَ سَتَهزَأُ بهِ فَورًا
‏ أنا أبغِي تَمْجِيدَ ما هو حيٌّ
‏ ويَتُوقُ الى لَهِيبِ المَوتِ .

*

في قشعريرةِ ليالي الحُبِّ
‏التي أنْجَبَتْكَ ، وستُنجِبُ أنتَ
فيها
‏يَغْمرُكَ شُعورٌ غَريبٌ ،
‏عندما تُضِيءُ الشَّمعَةَ الهَادئة

‏* ‏

لن تَبْقَى عِندَهَا مُحَاطًا
‏بظِلالِ الظَّلامِ
وَستَقُضُّ مَضْجَعَكَ شَهْوَةٌ
جَدِيدِةٌ
‏إلى جُمَاعٍ أسْمَى

*

لن يُعِيقَكَ بُعدُ المَسَافَةِ
‏سَتَأتِي طَائرًا ‏ومَفْتُونًا
‏ونَهَمُكَ الى الضَّوءِ أخِيرًا
‏سَيَحْرُقُكَ كما الفَرَاشَةُ

وما دُمْتَ لم تَسْتَوعِبْ بعد
‏مَقُوْلَةُ : مُتْ وَصِرْ
‏فسَتَبقَى ضَيْفًا بَاهِتًا
‏عَلَى هَذِهِ الأرْضِ القَاتِمَة “
( غوته )

*

أُورفِيُوس !
‏ بُورِكَ ما فعَلتَ
‏ لم تَقبَلِ المَوتَ فِي سَبِيلِ الحُبِّ
‏ دَخَلتَ عالمَ المَوتى
‏ طَالبتَ بإعَادةِ حَبِيبتِكَ المَيتَةِ
‏ الى الحَياةِ

بُورِكْتَ لأنكَ الأبُ الأوَّلُ للغِناءِ
‏ العَاطِفيِّ وَلِفَنِّ الكَلِمَاتِ والألْحَانِ
‏ غِنَاؤُكَ أفْتَنَ وَهَدَّأ البَشرَ وعالَمَيْ
‏ الحَيوانِ والنَّبَاتِ
وَحَتَّى الجَمَادَ
‏ جَعَلْتَ العَالمَ المُتَوحِّشَ
وَالعَنِيفَ
والمُتَقَلِّبَ مُتَحَضِّرًا وَلَو لِفَترَةٍ

‏بُوْرِكَتْ دِيَانتُكَ حَتَّى نِهَايةِ
العَالمِ القَدِيمِ ، الى أنْ تَفَوَّقَ
عليك السيِّدُ المَسِيحُ
الذي تَحَدَّى المَوتَ
تَغلَّبَ عليهِ بالنِّيَابةِ عَنَّا
بَعَثَ المَوتَى
أعَادَنَا الى السَّمَاءِ

لن أنْسَى صَرخَتَيْ مَريَم ومَرْتَا
في وجه السيِّدِ :
‏ ” لو أنكَ أبكَرتَ
‏ لما مَاتَ أخُونَا “
‏ما كان من السيِّدِ حتَّى اتَّجَهَ
‏الى القَبْرِ
‏أمَرَ برَفْعِ اللَّوْحِ الصَّخْرِيِّ
‏قال بِصَوتٍ عَالٍ _
‏ ” أزَارُوس أخْرُجْ “
َ خَرَجَ ومَشى نازعًا
عنهُ الأقْمِطَةَ

‏قال السيِّدُ للمَرْأةِ _
‏ ” ألم أقُلْ لكِ بأنَّكِ إنْ آمنتِ
‏ فَسَتَشْهَدِينَ عَظَمَةَ الربِّ ؟

*

نُورْمَا !
‏ إيمانُنَا كبيرٌ
‏ حُبُّنا أكبَرُ
‏ تَمَهَّلي بِعَوَاصِفِكِ وثُلُوجِكِ
‏ مَهْمَا عَصَفْتِ تَعْصَ عليكِ
‏ حَبِيبَةٌ آمَنَتْ
‏ أحَبَّتِ الحُبَّ والحَيَاة

Aucune description de photo disponible.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*