تداعيات الأزمة الليبية الحارقة..على الدول المغاربية بقلم الكاتب الناقد محمد المحسن من تونس.

قد لا أجانب الصواب إذا قلت أن المشروع التركي بإرسال قوات عسكرية دعماً لحكومة الوفاق،لن يؤدي إلى تداعيات داخل الأراضي الليبية وحدها، فشمال إفريقيا بأكمله معني بشكل أو بآخر بهذه التطورات، ومن ذلك المغرب والجزائر وتونس، التي تبتعد منذ مدة عما يأمله خليفة حفتر وداعميه العرب والغربيين،وتقترب نوعاً ما من دعم حكومة الوفاق، وبالتالي قد تتقاطع مصالحها مع خطط رجب طيب أردوغان وفايز السراج.إلّا أن الدول المغاربية التي يجمعها ماضِ من عدم التنسيق حكم على “اتحاد المغرب العربي” بالفشل،لم تستطع الوصول إلى موقف موحد واضح بخصوص ما يجري،كما أن سياساتها الخارجية التي تتأثر بعوامل إقليمية متعددة، قد تكون حجرة عثرة أمام مطامح أردوغان. لكن تحوّل ليبيا إلى “سوريا جديدة” سيخلق لبلدان الجوار مشاكل أمنية خطيرة، فهل سيضطرها ذلك إلى التحالف فيما بينها؟وبما-أني تونسي-ويهمني أمر بلادي فإني أذكّر بما قاله الرئيس التونسي،قيس سعيّد،في كلمة له بمناسبة السنة الجديدة،إن مرجع بلاده بشأن ما يجري في ليبيا هو “القانون وليس أزيز الطائرات”،وهنا-في تقديري-بدت الرسالة موجهة بالأساس إلى حفتر،وبعده إلى تأويلات بشأن وجود تحالف عسكري تونسي- تركي.!لكن في الآن ذاته،استدرك سعيّد القول إن “الشرعية الدولية هي المرجع،ولكن يجب الانتقال إلى شرعية ليبية-ليبية”،وكأنه (وهذا مجرد تقدير أيضا) يحاول التأكيد أن استقباله أردوغان لا يتناقض مع إعلانٍ دعا إليه غداة انتخابه يحمل اسم “إعلان تونس للسلام”، يركز على “شرعية ليبية ترتكز على مشروعية شعبية”،وهي رسائل تونسية للتأكيد أن الدعم الضمني للسراج لا يعني تجاهل نفوذ حفتر.في هذا السياق،يقول سعيد الصديقي،أستاذ العلاقات الدولية في جامعة سيدي بن عبد الله المغربية:”رغم أن التوجه العام للرئيس التونسي يبقى ليبرالياً يدافع عن القيم والمفاوضات،إلّا أن تونس ستكون مضطرة إلى التعامل البراغماتي والحذر الكبير. وبالتالي، يتابع الصديقي، فهي ستدعم السراج لكن دون الدخول في مواجهة مباشرة مع حفتر،لأن وضعها الأمني لا يزال هشًا ولديها مخاوف أمنية كبيرة من الحدود المشتركة مع ليبيا، وحالما يتبين لها أن الكفة رجحت فعلاً لصالح السراج،فحينئذ سيكون لها دور أكثر فعالية في دعم حكومة الوفاق.”وأنا أقول: لقد عبرت الرئاسة التونسية في بيان رسمي عن رفضها المطلق لسياسة الاصطفاف فيما يتعلق بالملف الليبي،لتنهي بذلك سجالا داخليا حول إمكانية دخولها في تحالف إقليمي لدعم طرف على حساب آخر في ليبيا.ويأتي هذا الموقف الرسمي بعد تصاعد حدة الاحتقان والتوجس الداخلي من تصعيد عسكري محتمل في ليبيا،ومخاوف من تحول تونس لمنصة عسكرية لقوى إقليمية متصارعة.وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد أكد وجود تعاون مشترك مع نظيره التونسي من أجل تقديم الدعم السياسي للحكومة الشرعية بليبيا،في أعقاب الزيارة غير المعلنة التي قام بها إلى تونس،وهو ما نفته مؤسسة الرئاسة التونسية.بدوره،أشار وزير الداخلية الليبي فتحي باشاغا-خلال مؤتمر صحفي بالعاصمة التونسية- إلى التوجه نحو تكوين حلف تركي تونسي جزائري لدعم الشرعية في ليبيا بهدف تحقيق الاستقرار الأمني.!وسارعت الرئاسة التونسية للتأكيد على أن ما صدر على لسان بعض الأطراف لا يلزم إلا أصحابه،وأنها “لن تقبل بأن تكون عضوا في أيّ تحالف أو اصطفاف على الإطلاق، ولن تقبل أبدا بأن يكون أيّ شبر من ترابها إلاّ تحت السيادة التونسية وحدها”.وهتا أضيف:لا يمكن للبلدان المغاربية تجاهل الموضوع الليبي،خاصة أن زيادة التوتر في ليبيا يهدّد هذه البلدان أمنياً،والدليل على ذلك أن أول جلسة للمجلس الوطني للأمن في عهد الرئيس الجزائري عبد العزيز تبون خُصصت لاتخاذ تدابير لحماية الحدود الشرقية، خاصة المشتركة مع ليبيا.كما أن تونس أعلنت بدورها زيادة تأمين الحدود مع ليبيا وبدأت الاستعداد لموجة نزوح من الأراضي الليبية،فالبلدان المغاربية تدرك أنها ستدفع ضريبة باهظة لموجات من اللاجئين.والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع:هل يكون مؤتمر برلين،فرصة للدول المغاربية،حتى وإن لم تحضر إليه،لإنهاء التوتر ورفع أسهم السراج..؟سؤال يحمل إجابات صعبة،فالمؤتمر مهدد بالفشل قبل أن يبدأ،بسبب تحديات متعددة منها تضارب وجهات نظر الدول الأوروبية،والصراع الأمريكي-الروسي على المصالح في ليبيا،ووجود عقبات أمام مشاركة فعالة للدول العربية المنقسمة حيال المشهد الليبي، وبالتالي قد لا يكون سوى سلسلة من إخفاقات متعددة لم تستطع وقف تهديدات حمام الدم في ليبيا..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*