قراءة متعجلة في المشهد السياسي التونسي..بعد-سقوط-حكومة الجملي بقلم الكاتب محمد المحسن من تونس.

لم تحظ حكومة الحبيب الجملي بموافقة نواب مجلس الشعب مساء اليوم الجمعة 10 جانفي 2020 ، حيث صوت 72 نائبا مع مقابل 134 نائبا ضد واحتفاظ 3 .في هذا السياق،نشير إلى أنّ مؤشرات عديدة لا لبس فيها أكّدت أن حكومة الحبيب الجملي لديها فرصة ضئيلة في الحصول على ثقة نواب البرلمان مساء الجمعة 10 جانفي 2020،وحظوظ السقوط تتجاوز المرور.وأفادت مصادر متطابقة،أن آخر جلسات قلب تونس وتحيا تونس وحركة الشعب والتيار الديمقراطي وعدة نواب من مختلف الحساسيات السياسية تفيد بأنه سيتم منع مرور حكومة الجملي.وهذا ما تمّ عمليا..أغلب المراقبين لم يستبعدوا إمكانية عدم مرور الحكومة التونسية المقترحة من قبل رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي في جلسة منح الثقة بالبرلمان ،بسبب غياب حزام سياسي يدعمها من الكتل البرلمانية،فضلا عن الاعتراضات الموجهة ضد عدد من الوزراء.وزاد رفض حزب “قلب تونس”-بزعامة قطب الإعلام نبيل القروي- من المشاركة في الحكومة المقترحة،من مؤشر-السقوط المدوي-لحكومة الجملي المقتَرحة سيما بعد اجتماع القروي مؤخرا برئيس الحكومة المنصرف يوسف الشاهد الشكوك..هذا،وحسب محللين،وجدت حركة النهضة نفسها في موقف غير قوي،ليس فقط بسبب غياب دعم سياسي لحكومة الجملي،وإنما أيضا بسبب غياب موقف موحد داخلها لدعم الحكومة المقترحة،بسبب تحفظات جزء منها حول بعض الوزراء الذين تم اختيارهم.وقال القيادي بالحركة عماد الحمامي إن حزبه لديه تحفظات بشأن تركيبة الحكومة المقترحة،موضحا أن دعوة حزبه إلى انعقاد مجلس الشورى مساء الخميس الماضي تأتي في إطار تدارس آخر تطورات تشكيل الحكومة والبحث عن كل السيناريوهات بما فيها عدم تزكيتها.يشار إلى أنه سيتم الانتقال إلى مهلة دستورية جديدة لشهرين طبقا لأحكام الفصل 89 من الدستور، حيث يتكفل رئيس الجمهورية بتكليف رئيس حكومة في أجل 10 أيام من إسقاط الحكومة المقترحة للشروع في تشكيل حكومة جديدة.وبعد انقضاء شهرين من مشاورات تشكيل الحكومة دون حصولها على تزكية البرلمان، يصبح لرئيس الجمهورية الحق في حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة.ولكن..تونس اليوم،وجدت نفسها في منعرج حاسم من تاريخها فالبلاد والعباد يعيشان أزمات عديدة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية،وتهددهما مخاطر إقليمية حقيقية،وهي في أمسّ الحاجة لحكومة تتولى مواجهة كل هذه التحديات.وهنا،قد أجازف بالقول،إن كل ما يصدر عن الفاعلين في المشهد السياسي التونسي هو مجرد”شعارات”لا ترقى في مضامينها إلى مستوى التحديات التي تواجهها تونس في ظل-كما أسلفت-أزمات خانقة فاقمت هموم الشارع التونسي .وأقصد بهذا أن كل ما يطرح الآن من ملفات وما يناقش من قضايا لا يكشف عن توجه حقيقي لتنفيذه أو انجاز حلول عملية له و إنما هو مجرد جدل قد يعصف بالعملية الديمقراطية إذا استمر على هذه الشاكلة، فالحرب على الفساد مثلا لم تجاوز الشعارات منذ الإعلان عن انطلاقتها ولم تقدم الحكومة (حومة يوسف الشاهد المكلفة بتصريف الأعمال) حصيلة ايجابية مشجعة في هذا الإطار بل إن التقارير تؤكد استفحال الظاهرة مقارنة بما كانت عليه في سنوات منقضية بالنظر إلى تفتت الفساد وانتشاره وخروجه عن التمركز بيد رأس السلطة كما كان الشأن على عهد الرئيس المخلوع ،ويبدو أن الخطاب السياسي حول الظاهرة لدى كل الأحزاب بلا استثناء لم يجاوز الشعارات وإبراز صاحب الخطاب كمتصدر للحرب على الفساد ذلك أنه إلى حد اللحظة لم نر حزبا قدم مشروعا متكاملا وواقعيا لإنجاح الحرب على الفساد. كذلك كان شأن الاغتيالات السياسية التي انحصر فيها الخطاب السياسي بين الجبهة الشعبية التي لم تجاوز مستوى اتهام حركة النهضة بالمسؤولية على ذلك وبين هذه الأخيرة التي تعلن براءتها من هذه المسؤولية دون حصول أي تقدم في اتجاه نقطة التقاء وذلك بسبب غياب سلطة فعلية للقضاء وغياب مواقف جريئة من بقية الأحزاب المشاركة في المنتظم السياسي لوضح حد لهذا التجاذب الذي يمنع من كشف الحقيقة في قضية مصيرية تهم مستقبل الديمقراطية سواء حسمت بتأكيد الاتهام أو نفيه .هذا،ولا تخلو بقية الملفات من هذه الصبغة الشعارتية في التناول وعلى رأسها الملف الاجتماعي تحركات ومطلبيات وأزمة اقتصادية،غير أن المجال لا يسمح بالتوسع في تحليلها،لكنها تشير كلها إلى نتيجة واحدة هو صعوبة تغيير المشهد السياسي والبرلماني خصوصا بعد”سقوط”حكومة الحبيب الجملي برلمانيا..وبرغم ما يعرف عن مرونة الفاعل السياسي التونسي واستعداده لتجاوز الأزمة مهما بلغت حدتها وفي اللحظات الحاسمة أحيانا وهي صفة تؤكدها الأحداث وتاريخ التجربة السياسية في تونس إلا أن المثير للقلق في هذا الجانب الاطمئنان إلى هذه المرونة وعدم السعي إلى ايجاد حلول جذرية لقضايا مستفحلة فاستدامة الاحتراب الايديولوجي ينذر بتعطل المسار وتدميره إن لم ينتبه العاقلون الحكماء لذلك..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*