هامشٌ على نصّ سيّدتي القصيدة .. لَهَا.. بقلم الشاعر ميشال سعادة من لبنان.

L’image contient peut-être : Michel Saadeh, fleur et plein air

١-

على الدَّربِ مَحَطَّاتٌ
لا بُدَّ أن يتوقَّفَ القِطارُ
لا بدَّ أن يَتَرَجَّلَ
بعضُ المَسَافِرِينَ
لكنْ _
لَنْ يَنْتَهِيَ الطَّرِيق ..

إنْ تَمَّ ما جَاءَ في الكِتَابِ
لَنْ يَنْتَهِيَ السَّفَرُ
نَظُنُّ وَصَلنَا
لكنْ _
لَا وُصُولَ يَصِلُ ..

هَذِي الأَرْضُ مَحَارٌ وَمَدَارٌ
والحُبُّ كالبَحرِ واحِدٌ
سَعَةُ الدُّنيَا
نَغْرَقُ فِيهِ جَمِيعُنَا ..

٢-

في هَذَا الوَاحِدِ جِزْئِيَّاتٌ
في اللَّانِهَايَةِ لَانِهَايَاتٌ
نظنُّ نِهَايةً تَنْتَهِي
لكنْ لا انْتِهَاءَ
هِيَ الْحَيَاةُ مُجَرَّدُ بِدَايَةٍ
زَمَنٌ مَفْتُوحٌ
على الإحْتِمَالَاتِ
حَقِيقَةٌ مَرْسُومَةٌ كالنَّجْمِ
وَالقَوسُ
أبَدًا _
سَهْمٌ مَشدُودٌ نَحوَ الضَّوءِ
يَكْشِفُ القِنَاعَ

_ والحياةُ ؟
مُجَرَّدُ أَيْقُونَةٍ
فِي إِطَارِ سَرَابْ !

٣-

ثَمَّةَ فِي الحَيَاةِ أَخطَاءٌ كَثِيرَةٌ
كَبوَةٌ كَبَوَاتٌ
وَنُهُوضٌ خَجُولٌ
يَضَعُ بَعْضُنَا القِنَاعَ
بَعضُنَا الإسْتِدْرَاكَ
لكنْ _
لا خَلَاصَ دُونَ هَاوِيةٍ
لا جَدْوَى مِنْ فَرَاغٍ
أوِ امْتِلَاءٍ
نَسقُطُ نظُنُّنَا فِي صُعُودٍ
نَصْعَدُ كأنَّنا في هُبُوطٍ
هِيَ الأرضُ لا تَتَوَقَّفُ
ثَمّةَ حَرَكَةٌ
حَرَكَاتٌ دَائِرِيَّةٌ
لَولَبِيَّةٌ عَامُودِيَّةٌ
سَيَلَانٌ
أوْ خَبْطَ عَشْوَاءْ !

_ والإنسانُ ؟
سَهْمُ قَوْسٍ مَشدُودٌ
وَتَرٌ بَينَ أرْضٍ وَسَمَاءٍ
لَهُ في الهَاوِيةِ غِوًى
وَلَا قَرَارْ !

رِيْشَةٌ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ
حَيَاةٌ أُرْجُوحَةٌ تَتَرَجَّحُ
بَينَ المَهدِ واللَّحدِ
حُبٌّ
وَجَعٌ
ضَيَاعْ

زَمَنُ اللَذَّةِ يَقْصُرُ
زَمَنُ اللَّعنَةِ يَطُولُ
دَوَرَانٌ عَبَثِيٌّ
سَدِيمٌ .. خَوَاءٌ
أسْكُنُ جَسَدَ المَوتِ
وَأُحِبُّ الحَيَاةْ
أشُدُّ رَوَابِطِي رَاكبًا غَيمَةً بَيضَاءَ
في سَمَاءٍ صَافِيَةٍ
أنشُدُ الحُبَّ في جُعبَتِي
خَوفٌ وَرَجَاءٌ !

٤-

ما أضْيَقَ الحَيَاةَ دُونَ حُبٍّ !
ما أطيَبَ الحَيَاةَ حِينَمَا آخَرُ
لا يُشْبِهُنِي
يَسْتَعْجِلُ الخَطْوَ في اتِّجَاهِي
حِينَمَا مِلْحٌ يُؤاخِي حَلَاوَةَ الأيَّامْ
حِينَمَا الأنْغَامُ حِوَارٌ
بينَ مِجوزٍ وقِيثَارْ
بينَ نَايٍ وَكَمَانْ !

ما أطْيَبَ الحَيَاةَ
حِينَمَا طَقْسٌ جَنَائِزِيٌّ
وَاحتِفَاليٌّ فِي آنْ !

٥-

حَيَاةٌ أضْيَقُ مِنَ الحُبِّ
أمَانٌ أرْحَبُ من الدَّرْبِ
ظُلمَةٌ أُدَلِّلُها
أُدَغْدِغَها احتِفَاءً بِطلَّةِ نُورْ

٦-

عَاشِقَيْنَ كُنَّا
ولا زِلْنَا نُوَاكِبُ النَّهّرَ يَجْرِي
نَتَمَنَّى لوِ الحُبُّ جَلِيدٌ
لَوْ نَصِيرُ حَالةَ اسْتِفْهَامٍ
دُونَ جَوَابْ

وَنَعْرِفُ أنَّ الصَّمْتَ أبْلَغُ الكِلَام !

٧-

يَقْصُرُ زَمَنُ اللَذَّةِ
زَمَنُ اللَّعنَةِ يَطُولُ
حِينَمَا شَاعِرٌ يَلعَنُ القَصِيدَةَ
بَيْتَها وما حَولَها
وَالفَضَاءْ !

شَاعِرٌ عاشِقٌ
مَلْعُونٌ خَائِنٌ
مُجْرِمٌ

… وَعَلَى فِرَاشِ المَدَارِ جَرَائِمُ
تُسَاكِنُ قَدَاسَةً طُوبَاوِيَّةً !

شَاعِرٌ يَدَّعِي البَرَاءَةَ
يَقتُلُ القَصِيدَةَ
عَن سَابِقِ قَصْدٍ وتَصَوُّرٍ
يُجَاهِرُ أنَّ الحُرُوفَ لم تَدَّعِ عَلَيْهِ
لم تُوكِلْ الى مَحَامٍ حَقَّها بالإدِّعَاءِ
أوِ المُرَافَعَةِ والمُدَافَعَة ..

لم تَذهَبْ الى مَحْكَمَةٍ
ولا الى قَاضٍ يَنْظُرُ بأمَرِ القَضِيَّة

قَصِيدَةٌ _
أسْقَطَها القَلَمُ فاسْتَرَاحَتْ
على الوَرَقِ
كالعُشبِ تَتَنَفَّسُ
كالمَاءِ يَضُخُّ الحَيَاة !

٨-

ما كُنْتُ أَعْلَمُ
أنّ القَصِيدَةَ مَعصُومَةٌ
وَهيَ مِنَّا بَرَاءٌ !


أيَّتُها القَصِيدَةُ !
اليومَ _
عَرَفْتُ أنَّكِ تَنْتَظِرِينَ حُكْمِي
ويَرُوقُ لكِ بَوحِي
يَرُوقُ لكِ ارْتِعاشِي
عِنْدَما تَخْطُرِينَ
وارْتِعَابي وارْتِبَاكِي
حِينَ تَحْجُمِينَ

يَرُوقُ لكِ أن أدَغدِغَ حُرُوفَكِ
والحَرَكَاتِ
وأَعْجَبُ كيفَ لِلحَرَكَاتِ
ضَمٌ كَسْرٌ فَتْحٌ وسُكُونٌ
تَستَبِدُّ جَمِيعُها بالمَعَانِي ؟

٩-

أذْكُرُ أَنِّي _
حين لامَسْتُ بَعْضَ الحُرُوفِ
لانَتْ
وحينَ لَمَسْتُها تَأوَّهَتْ
ثمّ التَوَتْ وانبَسَطَتْ وَتَجَمَّعَتْ
بِحَجمِ عَوَاطِفِي وَرُؤَايَ
وحينَ جَافَيتُها تَصَلَّبَتْ
وانتَصَبَتْ
بينَ مِيمٍ عَكُوفٍ
وراءٍ تَنحَدِرُ الى بُرْكَةِ اليَاءِ

لا أُخْفِي _
رَأيتُ حُرُوفي تَكَادُ تَتَلَاشَى
مِيمٌ يَنطَوِي على ذَاتِهِ
يَلعَنُ المِيمَ
ياءٌ تَقبَعُ تحتَ قُبَّعَتِها
شِينٌ تحتَ مِظَلَّتِها
وَلامٌ تَسَرْبَلَتْ بِرِدَائِها
تَغرُفُ بَعْضَ المَاءِ
مِن بِئرِ اليَاءِ

١٠-

رَأيْتُ الألفَ مُنتَصِبًا يَقِفُ
استعدادًا لثأرٍ مرتقَبٍ
ألِفٌ في وَجْهِ الألِفِ
والجَرِيمةُ دَمٌ في السَّاحِ ..
قِتَالٌ حِقدٌ مُراوَغَةٌ
كَرَاهِيَةٌ وَضَغِينَةٌ
لن تَنتَهِيَ المُجَابَهُةُ !

لا حُكمَ في المَدَى القَرِيبِ
مُجَرَّدُ تأجِيلٍ يَتَرَاكمُ
بانْتِظَارِ أنْ …

لا بَرَاءَةٌ ولا تَبرِئَةٌ
لا جَرِيمَةٌ ولا مُجْرمٌ
انا
الذي
على الكِتَابَةِ
اقْتَرَفْتُ جَرَائِمَ كَثِيرَةً

انا
الذي
بالحُرُوفِ بالألفَاظِ
مَارَستُ خِيَانَاتِي ..

انا الذي وَقَفتُ على ضِفَّةِ نَهْرِ
القَصِيدَةِ صَيَّادًا
ألقيتُ بصَنَّارَتِي في مَائِها
أصْطَادُ
عكَّرتُ الماءَ وما حَولَ الماءِ
حتَّى القَعرِ

رميتُ شِباكي أمَارسُ هِوَايَاتي
إرضَاءً لنَزَوَاتي
إنتظَرتُ سَمكًا يَعلَقُ في الفَخِّ
لكنَّ مُفاجآتٍ وتسَاؤلاتٍ سيِّدةَ
المَوقِفِ
تَنتَظِرُ إجاباتٍ قد تَلوحُ ..

إِنْ علقَ السَمكُ في صنّارتي
استَوليتُ عَلَيْهِ وعدتُ الى بَيتي
على انشِرَاحٍ من أمري ..

١١-

لم تَنْتَهِ حكايتي
لن تنتهيَ أيّةُ حكايةٍ
كُلُّ الحَكايا رواياتٌ تتعاقبُ
تتكرَّرُ
تَدُورُ غَيْرَ آبهةٍ بكاتبها
أو بِرَاويها ..
وَإِنْ لم يعلقِ السَّمكُ رُبَّمَا أكسِرُ
قصبةَ صَيدي حقدًا
غضبًا
وانزعاجًا
عِندَهَا _
تذكّرتُ ذاكَ المثلَ الهنديَّ
[ إجلسْ على ضِفَّةَ النَّهر
وانتَظِر
فجثةُ عدوّكَ لن تتأخّرَ عن
مَوعِدِ العبورِ ]

لاحتْ تساؤلاتٌ وافتراضاتٌ
كالنهرِ تجري وتجري أمامي
قلتُ في نفسي _
ماذا سيحصلُ لو مرّتْ أمامي
جُثَّةٌ طافيةٌ على وجهِ الماءِ
يدفعُها التيّارُ في المدارِ ؟

لم أنسَ أَنِّي
كلّما قتلتُ القصيدةَ
قَتلَتنِي
وأنَّ شيئًا ينقصُ منّي
كي تكتملَ
غَيْرَ أنَّ مشهدَ الجثّةِ عاودني
حرَّكَ في خاطري أسئلةً _
هل أنتشلُ الجثّةَ بملءِ إرادتي ؟
ماذا لو تورَّطتُ
في قضيّةٍ مشبوهةٍ ؟

هل أتَظَاهَرُ بعدم رُؤيةِ الجُثَّةِ
كي أنجوَ بجلدي ؟

… وأنا أعرف أنّ الشُّبُهاتِ تحومُ
دائمًا _
حولَ الشَّاعرِ
وَأنَّ الجثّةَ نتيجةُ حقدٍ
دَفِين …

هل سأستشيطُ غضبًا
بحكم مزاجي
الغضوبِ وأعلنُ على المَلإ
كوني شاعرًا
وأنَّني لم أتمكنْ من تنفيذِ
مُخَطَّطِ انتقامي ؟

١٢-

كان يكفي ان أتخيّلَ ما حصلَ
لتجري حكايتي مع القصيدةِ
كما النهرُ جارٍ
واني أترقُّبُ انتظارًا مشبعًا
بالصبرِ والهدوءِ
وَلَكِنْ …


١٣-

ها انا في حالاتِ الذُّعرِ
والإرتجافِ والغَضَبِ
أعاني مسؤوليّةَ الكتابةِ
وأعودُ لأُلقيَ بالعَتَبِ على ذَاتِي
أقولُ _
أكان عليّ ان أبنيَ حبًّا حقيقيًّا
قبل ان تأخذَ كلماتي طريقَها
الى الورقِ؟

أكان عليّ ان تأتيَ كلماتي تلقائيًّا
لأنَّ عَالمَ الحُبِّ سَابِقٌ
على الإحَاطَةِ بالكَلِمَاتِ ؟

١٤-

كتبتُ وكتبتُ
وارتكبتُ جرائمي
وما زلتُ أسألُ _
هل جميعُ ما كتبتُهُ
‏ إنْتَشَلْتُهُ من بئرِ الحبِّ ؟

هل كتاباتي مجرّدُ جُثَثٍ مُلقَاةٍ
على الوَرَقِ ؟
مَنْ قَبْلَ مَنْ ؟
هذي الجثّةُ أم هذي الكلماتُ ؟

أكتبُ ..
وما زلتُ في حيرةٍ من أمري
أأكتبُ عن جثّةٍ خطرتْ أمامي ؟
وأعرفُ أَنِّي أنا تلك الجثّةُ
وانا الصيّادُ
وانا القتيلُ
وانا المحرِّضُ على قَتْلِ
القَصِيدَة !

١٥-

سيّدتي القَصِيدَة !
أأطلِبُ سماحًا قبل فوات الأوانِ
وأعرفُ ان بين القصيدةِ وبيني
هوالذي بينَ الصيّادِ والنّهرِ ؟

١٦-

سيَّدتي !
شئتُكِ ضَحِيَّةً
كُنتُ الضَّحِيَّةَ
وها انا أموتُ لأَنِّي لا أموتُ
وأحملُ عبءَ الكلماتِ ..
رُبَّما كان عليّ أنْ أقولَ _
من يُبعدُ عنّي كأسَ الكتابةِ ؟
وها اني أموتُ لأَنِّي أموتُ
وعلى القبرِ رسالةٌ _
[ مات ودفنَ في قبرهِ
شاعرٌ شَهيدُ حِبْرِه ]

دائمًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*