حين تقيم المبدعة الألمعية التونسية سميرة بنصر..على تخوم الإبداع بقلم الكاتب والناقد محمد المحسن من تونس.

الإهداء:إلى كافة المبدعين الذين يمارسون فعل الإبداع..بجسارة من لا يهاب سطوة-الرقيب-

تصدير: ليس للكتابة من جدوى بلا همّ إنسانيّ كبير،ومن غير معاناة مخيلة حية للتعبير عن هذا الهم..هي انغمار متواصل للتنقيب عن كل ما ينفع منظومة البث على أداء دورها بكفاءة عالية، تغري منظومة التلقي على القراءة المنتجة للتأويل.وبوصفها إجابة لأسئلة وجودية كبيرة،تستدعي مخيلة ذات دربة اشتغال تمنحها القدرة على إنتاج نصوص تنم عن جهد معرفي بيّن.هناك في البرزخ القائم بين حياة يحياها وأخرى يحلم بها،تقيم المبدعة سميرة بنصر على تخوم الردهة المضاءة المسماة كتابة،مستمتعة بجحيم هذا الإنحدار الروحاني،تبحث عن لسعة نار ولو أحرقتها،تعانق الشمس فقط كي تزرع حقول الأمل والبهجة والإنعتاق،ترفض الإنحناء أمام الليالي العاصفات مهما أوغلت في الدياجير،تحاور روحها المتوهجة،الخفاقة،المحلقة،المتمردة و الموغلة في عوالم الصفاء والإشراق والتجلي..ترفض التدثر بعباءة المؤسسة،تحلم بالإنفلات من عقال الوهم والخديعة وتؤسس للتوحد مع ذاتها والكون..ينخر الإغتراب شفيف روحها أحيانا،فتلجأ إلى أبي القاسم الشابي حين يقول:”إنني طائر غريب بين قوم لا يفهمون كلمة واحدة من لغة نفسي الجميلة”..وأنا أضيف: هذا المبدعة الخلاقة (سميرة بنصر) الملتحفة بمخمل الليل الجريح..هذه المبدعة المتورّطة بوجودها في زمن ملتهب..إنما هي يمامة غريبة حطّت على غير سربها..ينال منها أحيانا الحزن حد الوجع..وتنبجس الكلمات من ضلوعها رمادية كي تحلّق في الآقاصي وتخترق سجوف الصمت والرداءة..هوذا المبدع/الإنسان كما أراه في مثل زمن بائس كهذا..وها أني أسمع نشيجه في هدأة الليل وهو يبكي زمانا تحوّل فيه المبدع إلى -حلاّج عصره-محترقا بنار التجاهل واللامبالاة واللإعتراف..وها أني أسمع بين الحين والآخر صراخه وقد بلغ به الآسى حدا لا يتاق:أنا الجمال..أنا العمق..وأنا الصفاء حد الإنبهار والتجلي..ولكن هذه العزلة التي وضعته الأقدار فيها إستحالت -بقدرة قادر-فنا وبرجا أزتيكيا منتجا وخلاّقا..وانخراطا طفوليا لنداء يأتي من بعيد موحشا و عذبا..هي ذي المبدعة الحقيقية/الشاعرة التونسية سميرة بنصر ( بدون مجاملة ولا محاباة)-كما أراها-ترقص رقصة”زوربا اليوناني”..تلك الرقصة التي تعانق برمزيتها سماوات المجد والخلود..ولا أظن أنّها ستنزعج إذا أحسّت بأيد ملائكية ناعمة وهادئة تطرق باب عزلتها بهدوء ورقة ووضوح..لتنخرط معها في رقصها الطفولي وتتقاسم معها لذة الصمود والتحدي..ومن ثم يلجان معا عوالم الماوراء بحثا عن نبتة الخلود،ورفضا لمتاهات الفراغ العدمي وتأسيسا لحياة موشاة ببهاء الكلمة،جسارة السؤال وجمال الحيرة ليخلدا معا خلودا جلجامشيا في أحضان التاريخ..سألتها ذات مرة سؤالا ينخر شفيف الرّوح:هل يزدهر الإبداع في أرض يباب جرداء؟!..فأجابتني بشاعريتها العذبة المعهودة :طعا..لا..ذلك أنّ الإبداع لا ينهض ولا يزدهر إلا في مناخ مناسب ومشجّع،وثمة الكثير من ضروب الإبداع تتقلّص وتندثر حين يكفّ المجتمع عن العناية بها ولا يبدي حاجته لها..وإذن-يا سميرة-يا من احترقت بلهيب الكلمة الجاسرة المخترقة سجوف الصمت والرداءة ؟!فقالت:هناك دائما جدل خلاّق بين الإبداع في تجلياته المشرقة،وحاجة المجتمع إلى ذلك الإبداع،هو جدل الإثارة والإستجابة الذي يربط بين طرفي العملية الإبداعية:المجتمع والمبدع..وبإنفصام عرى هذه العلاقة..يتدحرج الإثنان صوب مهاوي الضياع،حيث لا شيء غير الندم..وصرير الأسنان..ويظل في الأخير المبدع الحقيقي..شامخا شموخ الرواسي أمام أعتى العواصف..على غرار الشاعرة التونسية المتألقة سميرة بنصرالتي-أربكتني- بإحدى قصائدها وهذا مطلعها:
أرْبكتَ يا همسَ النسيمِ سُكُونِي…
أيقظتَ دَهْرًا غفوتي وعُيونِي

ومَررْتَ كالطيف العجيبِ بِفكرتي
توحي إلى الافكارِ صبَّ شُجونِ

قبعتي..شاعرتنا الفاضلة سميرة بنصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*