مقطع من “سيزيف الأخير” غواية الكتابة..!” بقلم وداد الحبيب من تونس.

L’image contient peut-être : 1 personne, sourit

رحل الجميع. لم يعد هناك ما يمكن أن يعكر صفو خلوتي . جلست بكلّ هدوء أنظر إلى ورقتي البيضاء. رائحة القهوة تنعش أفكاري و تداعب مشاعري. آه ما أروع هذه اللّحظة . سأفتضّ بعد قليل بياضك الكاذب وأشوّهه إلى الأبد. سيرحل نقاؤك المزعوم وأنحت فظاعة ما بين أضلعي.
حملت قلمي تلك البندقيّة أصوّبها نحو فريستي لأرديها وأنا أترشّف سُكر الانتصار. هي لي وأنا الوحش الثّائر منذ الأزل . سأحطّم أسوارها العالية وأقتلع بشموخ الجبابرة صمتها المتهكّم على غمامات الصّبر.
حملتها بين يدي ثم رميت بها على أرضي العطشى لأسقيها الآلام. لأسمع آهات انكسارها تحت وطأة نحتي لهزّات الزّمان وعبث الأيّام وشقاوة الأحلام وضياع الماضي والحاضر والآتي. اهدئي واستسلمي لتشهدي عرس الأبديّة يقام على جسدك العاري . سأجعل منه لوحتي الخزفيّة، سمفونيتي الصّاخبة بلا صوت و لا إيقاع لنتوحّد في لحظة اكتمال وجوديّة حيث لا مكان ولا زمان و لا أصوات ولا أبعاد. حيث لا شيء . حيث لا أنتِ ولا أنا ولا حتّى الآلهة.
أحسست برعشتها، ثم انسكبت أمامي بكل طواعية. حدّقت فيها، اقتربت.. تزايدت دقّات قلبي. ارتعشت يدي. خفت، انتفضت…عدت إلى الوراء أخفي أدمع أعيني وقد خانت العهد ومزّقت الميثاق. كيف؟؟ كيف انهمرت تحرق جناحّي وترمي ببندقيتي إلى سراديب المتاهات. من أين تأججت الأشواق وهوت بي إلى عوالم الانكسار وأنا الشّامخة فوق زيف الهيام وخرافات التعلّق والغرام. وأنا الأنثى أرتشف الدّنيا والقدر نبيذٌ يحلم بأن يداعب طيف شفتيّ؟؟
غمرتني الأحزان فجأة. حطّمت أسواري العالية واقتلعت بشموخ الجبابرة صمتي المتعب. أعلنتُ استسلامي لورقتي البيضاء المنتصرة وهي ترمقني بنظراتها السّاخرة وترميني أسهم ابتسامتها الحارقة . اقتربتُ منها بلوعة العاشق،برجاء الطـّفل يمرّغ وجهه على ثديي أمّه، بانكسار السّاجد في حضرة خالقه، استجدي عطفها :خذيني إليك واكتبيني على جدران اللّوح الأزلي فأنت التي تكتبينني ولست أنا إلا خادمك المطيع.
كان يجب أن أتعّلم الأدب في حضرتها. أن أدرك أنّنا تلك الطّيور التي تحلّق في سمائها وهي تحنو على بعضها، فتختار بكبرياء من ستمنحه عطاياها و تغدق عليه من أسرارها كلّما قدّم لها القرابين وأبدى لها الطاعة.
رجوتُ أن تغفر لي زلّتي، ولكن كان لابدّ من العقاب حتّى يكتمل الفصل واختزل الدّرس بين ثنايا العمر. لم أستطع أن أكتب حرفا واحدا. ضاقت عليّ الدنيا بما رحبت فخرجت إليها لعلّني أحظى بفرصة ثانية.
أغلقتُ الباب ورائي ومضيت لا أدري إلى أين. استمررت في التقدّم بين الزّحام . كلّ هؤلاء يمرّون بجانبي، ينظرون إليّ ولا أحد يعلم ما أُخفيه بين أضلعي. كيف لهذا الجسد المحدود في المكان والزمان؟ كيف لهذه الرّوح العطشى، لهذه القطرة الآفلة من المحيط أن تحمل كلّ هذا العبء و أن تجرّ ظلاله بمفردها وتشقّ به صحراء بلا نهاية وهي الأقحوانة الظمأى منذ الأزل؟ كيف ومتى وبأيّ جنون اتّحدت في لحظة ثمالة مع آلام الإنسانية جمعاء؟؟
تثاقلت ساقاي. تلاشى المكان والزّمان. انعدم الإحساس ليتساوى كلّ شيء، حتى أنّني لم أعد أدرك هل أعيش اللحظة؟ أم هو الحلم؟ أم هوهذيان القدر؟ تلاشى كلّ شيء وهويتُ مع الإنسانية في متاهة تيه أبدية حيث تختلط الأمور لتضيع الحقيقة ولا تبقى إلا شظايا الأنا الحائرة نحاول لملمتها بأجنحة من سراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*