الاجرام في حق الجسد، الفصل الثّاني من كتاب: “الجسد هو الأصل” بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.

ينبغي علينا في هذا الجزء من الدّراسة أن نوضّح المعنى الذي نقصده من كلمة “الإجرام”، فقد يتنكّر له البعض ويعتبره مبالغة أو إجحافا في شأن الجسد وقيمته. ولعلّنا لا نبالغ حين نُلحِقُ هذه الصّفة على كلّ موقف لم يُعطِ للجسدِ مكانتَهُ الطّبيعيّة قبل التّعمّق فلسفيّا في المكانة التي يستحقُّها، وسنستدلّ في ثنايا التّحليل بدلائلَ واثباتاتٍ كثيرةٍ تُبَيِّن ما كابده الجسدُ من معاناةٍ وتهميشٍ وتحقيرٍ وتعذيبٍ وإماتة وقتل موجّهٍ له مباشرة أو على نحو غير مباشر ارتبط ببعض المواقف الفلسفيّة والدّينيّة التي سَمَحَتْ بمثل هذه الممارسات بل شجّعت عليها وشرّعتها بدأً من الفلسفة الأفلاطونيّة ومرورًا ببعض الممارسات الصّوفيّة وكذلك بعض المواقف الدّينيّة التي ألحقت بالجسم البشريِّ نعوتَ الخطيئة والرَّذيلة والإثْم وربطت التّكْفِير عن كلّ ذلك بمقولة العقاب وبممارسات التّعذيب والحرمان والمعاناة…إلخ. ولعلّ أوّل صدمة صُدم بها الجسدُ وأوّل مَظْلمة تعرّض لها، حين انبثق في الفكر المجتمعيّ المتقّدم على مرحلة القبائل الأولى المُوغلة في البدائيّة والتي كانت تعيش على الطّبيعة حرّةً طليقةً، كانت ضرورة التّستُّرِ وإخفاء “العوْرة” وهي ضرورة اجتماعيّة دُعِّمت فيما بعد أخلاقيّا ودينيّا وفَرَضَتْ على الجسم تقسيمات تشريحيّة بالمعنى الاجتماعي والأخلاقي فصنّفت بعض المناطق من الجسم بأنّها مناطق ممنوعة ومحضورة ومحرّمة ورسمت فوقها خطّا أحمر واعتبرتها منبع النّجاسة وموطن الرّذيلة ومُفْسِدَة للنّفس وأحاطتْها بكثافة من الفرائض والتّعاليم والقيود بحيث بلغت حدّ اعتبار مجرّد التّفكير في هذه المناطق يصحبه إحساسٌ بالخجل والشّعور بالذّنب فأصبح الحِرْصُ على اخفائها والتستُّرِ عليها وفي بعض الأحيان نسيانِها وإقصاءِها من أوكد شروط إنسانيّة الإنسان.

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو socrate.jpg

      تلتقي الاتجاهات الفلسفيّة المثاليّة قديمها وحديثها مع التّصوّرات الدّينيّة على تقسيم الوجود او العالم إلى عالم مادّيٍ حسّيٍّ متحرّكٍ وبالتَّالي زائلٍ وفانٍ وعالم نظريٍّ مثاليٍّ ثابتٍ غير متحرّك وبالتّالي أزليّ وخالد، ولقد مثّل هذا التّصوّر بنية أو نسق فكريّ متكامل في منطلقاته ونتائجه وانعكاساته بحيث مهما كان الموقف الّذي يتّخذه هذا الفيلسوف أو ذلك يستجيب في الأخير إلى المنظومة الإيديولوجيّة التي يدافع عنها ويتبنّاها، سواء كان هذا الموقف يرتبط بمفهوم الوجود أو الإله أو الإنسان أو بكل ما يتعلّق بقضايا الحياة وبالقضايا القُصْوى والعُلْيا كقضيّة الخير والعدالة والجمال والحقيقة …إلخ واعتمد البحث في هذه القضايا على منهج ميتافيزيقي6 يستجيب في منطقه ويُخلِص في تصوّره للثُّنائيّة المتضاربة بين المادّي والمثالي ولم يجد هؤلاء الفلاسفة نتيجة إخلاصِهِم لمذهبهم أيَّ حرجٍ فكريٍّ في التَّعَسُّفِ على العالم المادي والوجود الواقعيّ العينيّ في مقابل تقديس وإجلال العالم المُتَصَوَّر العُلْويّ المجرّد من كلّ مادّة أو أثر حسّي وهو ما أسماه أفلاطون بعالم المثُل7 أو المفاهيم في ذاتها. واستجابةً لهذا المنهج لم يَسَعْ كلّ من سقراط وأفلاطون إلاّ أن يؤسّسا نظريّة المعرفة الملْتَصِقَة بالإنسان على مبدأ التّعارض المطلق بين النّفس التي هي أُسُّ المعرفة الحقيقيّة والتي تتّخذ مقرّاً لها عالم المثل، والجسم البشري الذي ينتمي إلى العالم الحسّي المادّيّ وهو لذلك يُمثّل عائقا للوصول إلى الحقيقة، فلا غرابة حينئذ حين نجد أفلاطون يصف الجسد بأنّه حزمة من الملذّات الحسّية كلذّة الأكل والشّرب والحبِّ، أي الممارسات الجنسيّة التي تشدُّ الإنسان إلى الأسفل وتُلهيه عن طلب المعرفة في ذاتها وتمنع النّفس التي تقوم بوظيفة التّفكير الفلسفي من الارتقاء إلى مستويات التأمّل.

        إن هذه الحساسيّة الذّهنيّة وهذا القلقُ النّفسيُّ وهذا الانْزِعَاجُ المُفْتَعَلُ الذي انْتَابَ الفلاسفة الميتافيزيقيّون من وضعيّة الجسد في مقابل سعيهم المبالغ فيه نحو الحقيقة هو الذي سَيُشرّع لهم وضع الجسد داخل قفص الاتهّام. وكأنّ هذا الحبّ الأفلاطونيّ للحقيقة والسّعي الحثيث نحو معانقتها ومحبّتها والالتذاذ بها وتفضيلها عن كلّ لذّات الجسد8 سيُعطيهم المبرّرات المنطقيّة والتَّشْريعات الأخلاقيّة للتّهجّم على الجسد والتّنكُّرِ له وازدرائِهِ والدّعوة إلى إماتَتِهِ!  لذلك نعتقد، حسب رأينا، أنَّ بدايات التّهجّم على الجسد الذي غُلِّف بغلاف إيديولوجيّ وأنطولوجيّ كانت مع الفلسفة السّقراطيّة الأفلاطونيّة، ولعلّ أوّل مظلمة كابدها الجسد كانت مع سقراط وأفلاطون9 حين وقع فصله عن النّفس واعتبار النّفس مُتميّزة عنه من حيث الطّبيعة والخصائص والمصدر، فأقرّا بخساسته ووضاعته ودناءته نظرا لانتمائه إلى العالم السُّفليّ الدُّنيويّ فعُدَّ عدوّا للحقيقة بل مصدرا للخطيئة والرّذيلة من جهة الأخلاق، وللأخطاء والتّظليل والتّشويه من جهة المعرفة، فهو غير مُؤهَّل لتأسيس القيم ولا يمكن الاعتماد عليه لبناء معرفة حقيقيّة بالماهيات والجواهر. ونتيجة انبهار هؤلاء الفلاسفة بجوهرانيّة النّفس وصفائها وعلُوِّها على العالم الحسّي وارتقاءها أنطولوجيّا عن الجسم، وجدوا لسُؤَالِ: كيف إذن سكنت النّفسّ الجسد ولازمته وهي من طبيعة غير جسميّة؟  إجابة غير مُبَرّرة مفادها أن النّفس حين كانت في العالم العلوي حيث الصَّفاء والنَّقاء التَّام صادف أن اقترفت إثما لم يذكر أفلاطون جِنْسَه ونوعه وطبيعته! فأُنْزِلت عقابا لها إلى العالم السُّفلي واحتلّت الجسد وسُجِنت فيه، وهو ما يُبَرّر قول سقراط المشهور: “إن الجسد قبر للنّفس وسجن لها ” ومن هنا أيضا دعا أفلاطون إلى ضرورة مقاومة الفيلسوف لمغْرَيَات الجسد ونادى بحِرمانه من إشباع شهواته الحسّية وعدم إيلائه أيّة عناية وأهميّة واحتقاره وازدرائه، وقد برّر أفلاطون هذا الموقف السّلبي من الجسد باستدلالات في غاية من الدّقة المنطقيّة ننقلها من “محاورة فيدون” حين تحدّث عن خُبْثِ الجَسَدِ وحالاته العَرَضِيّة الماديّة والنّفعيّة التي تَعِيق الفكرَ أو النّفسَ عن التّفكير والتّفلسفِ وتُبْعِدُه عن طلب الحقيقة فيقول:” ما دامت أنفسنا متورّطة مع هذا الشّيء الخبيث (يقصد الجسد) فإنّنا لن نَحْصَل على مطلبنا بالقَدَرِ الكافي والحالُ أنَّنا ما نطلبه هو الحقيقة كما قلنا…” ويقول أيضا:” إن الجسد لا يجلب في الواقع آلافَ المتاعبِ بموجب ضرورات الحياة فحسب، ولكن قد تطرأ أيضا بعض الأمراض، وهي تُمثّل بالنّسبة إلينا عقبات جديدة تعترض سعينا إلى الحقيقة.” ثم يقول بصريح العبارة مستنكرا مغريات الجسد:” من يملؤُنا بهذا القدر بألوان الحبّ والرّغبات والخوف وشتّى الخيالات والترهات التي لا تُحصى غير الجسد، فلا تأتينا منه، بالفعل أيّة فكرة سليمة ولو مرّة واحد…”. ويواصل أفلاطون في تِعْداد شرور دوافع الجسد من حروب واستحواذ على الخيرات واستمالة النّفس واغوائها حتى تقع في حالة تكاسل في التّفلسف وترك فعل التّفكير والتّأمّل، لكي يُعلِنَ أخيرا استباحة قتل الجسد وإماتته فيقول:” قد أَثْبتنا أنّنا إذا أردنا أن نعرف شيئا ما، معرفة خالصة، يجب علينا أن ننفصل عنه وأن ننظر إلى الأشياء في ذاتها وبالنّفس ذاتها، وحينئذ، فيما يلوح، نحصل على الشّيء الذي نُعلن أنّنا نحبّه، وهو الفكر، وذلك عندما نموت، كما تُفيد به هذه الحجّة، وليس أبدا خلال حياتنا” ثمّ يقول قولته الشّهيرة:” إنّ أولئك الذين يشغلون بالفلسفة بمعناها الحقيقيِّ يّتدرّبون على الموت، وأنّ فكرة الموت أقلّ رهبة لديهم من لدى بقيّة النّاس. “وبطبيعة الحال إنّ الفيلسوف لا يُحظى بهذه الصّفة ولا ينعم بمتعة التّفكير والتّفلسف ولا يُحظى بمعانقة الماهيات في عالم المثل ولا تقدر نفسه أن تمارس الجدل الصّاعد حيث نُور العرفان والحقائق المطلقة إلاّ إذا تمكّن من مكابَدَةِ الحرمان الذي هو منبع محبّة الحكمة وأُسّ التّفلسف الحقيقيّ، ولا يتحقّق هذا المبتغى إلاّ بقهر غرائز الجسد وإماتة شهواته الوضيعة…!
لكنّ ألا يُعَدُّ هذا التّصرّف إجراما في حقّ الجسد واحتياجاته ومُتَعِه، وتقزيمًا لقدراته!؟ كيف يمكن للفيلسوف الذي هو إنسانٌ قبل كلّ شيء، يُعَايش واقعا فعليّا ويواجه متطلّبات الحياة وضروراتها عبر ومن خلال الجسد، أن يسمح لنفسه بمهاجرة ذاته المتجسّدة لا محالة، فيفصل “جسَدَهُ الفعلي” أي جسمه عن نفسه أي عقله متصوّرا أن هذا الفصل هو رهان كلّ رُقيٍّ نحو عالم صَنَعَهُ من محض خياله واعتقد في واقعيّته المزعومة!؟ ألا يكون ذلك ضربا من الوهم يفْضَح مفارقة كبرى لم يقدر الفلاسفة على تجاوزها فالتجأوا إلى التّبرير المذهبي والإيديولوجيّ، وسجنوا أنفسهم داخل نسقٍ مثاليٍّ اعتبروه واقعا فعليّا وحقيقة مُطْلقة وهو في الأصل وهمٌ نَسَوا أنه كذلك ” كما أعلن الفيلسوف الألماني ” فريديريك نيتشة “. حين نَنْظر إلى الإنسان من زاوية حتميّة وجوده الجسمانيّ الملْموس والمحسوس داخل واقعٍ معيشٍ، لا نتصوّر حسب اعتقادنا أنّه قادرٌ عمليّا على إذلال الجسد وازدراء ملذّاته وشهواته وحاجاته دون أن يصيبَهُ وَهَنٌ فتَضْعُف بنيتُه وتختلّ إدراكاتُهُ ويفقد توازنه ويمتنع عندها فعليّا عن التأمّل والتّفكير. إن هذه الوضعيّة تُحيلنا إلى تأكيد مفارقة أخرى من مفارقات الجسد وقع فيها سقراط وأفلاطون ومن انتهج منهجَهُمَا وهي عيش الجسد كحالة طبيعيّة والتّفكير في الجسد كإشكال أو مسألة تدخل ضمن منظومة نسقيّة مُخْلصة لمذهب فلسفيّ محدَّد وتستجيب لتمشّي إيديولوجيّ معيّن. ونحن هنا لا نَنْكُرُ إمكانيّة بلوغ الفيلسوف درجة كبيرة من التّوافق بين مذهبه ومنهجه أي بين حياته المعيشة الخاصّة وبين قناعاته ومنطلقاته المذهبيّة بحيث يمكن له أن يرتقي إلى أعلى درجات التّصوّف أي التّجلّي الرُّوحَاني القائم على حِرْمَان الجسد وتعذيبه…إلخ، كما هو الشّأن عند بعض الفلاسفة ذوي النّزعة المثاليّة  الصّوفيّة، فسقراط الّذي يُعْتبر أب النّزعة المثاليّة والمؤسّس الإيديولوجي لهذا الفكر الثُنائيّ، المتهجّم على الجسد والدّاعي إلى التّخلّص منه قدر الإمكان كان قد تزوّج من “زانتيب” وأنجب منها طفلين ودون أن ندخل في جزئيات حياته الزّوجيّة التي ملأها الشّجار والشّقاء نظرا لعدم اهتمام الفيلسوف بزوجته ولا بأولاده بل كان همّه السّعي وراء الحكمة وطلب الفضيلة فإنه كان مُجبرا رغم هذا الزّهد على تحقيق أدنى ضرورات الجسد للبقاء على قيد الحياة، فالرغبة الجسديّة تتميّز بالعِناد وقد تتغافل في بعض الأحيان ومن أجل الضَّرورة الطَّبيعيّة على “المبادئ” و”القناعات” المذهبيّة والفلسفيّة والإديولوجيّة. ولعلّ الصّراع الذي كابده سقراط مع زوجته طوال حياته يُتَرجم التّضاد بين ضرورات الحياة الطّبيعيّة والتّوق نحو مراتب التّأمّل وهو ما دعا بالمتصوّفة فيما بعد إلى الانعزال الفعلي والكامل عن عالم الملذّات والمتع الحياتيّة الجسديّة والزّهد فيها والانزواء في عالم الوَجْد والتَّجلّي الرّوحي المحض الأمر الذي يدعونا بإلحاح إلى إعادة النَّظر في حياتهم اللاّ طبيعيّة من زاوية علم النفس.
وإن كنّا لا ننكر مدى أهميّة هذا الفكر الفلسفيّ والصّوفيّ ومدى ثرائه المعرفيّ والأخلاقيّ والسّياسيّ والرّوحانيّ فإنّنا نعيب عليه النّظرة الضيّقة لواقع الإنسان ماض وحاضرا ومستقبلا كما نعتبر تهميشه للجسد وتقزيمه له وعدم إدراكه لقدراته أو تجاهُلِهَا خطأً فادحًا واستنقاصًا لقيمة الإنسان في كلّيته وفهمًا مغلوطًا له. ولعلّ هذا الفهم المغلوط يكشف لنا مفارقة أخرى مرتبطة بمفهوم الإنسان فقد حَذَف فلاسفةُ اليونان ذوي النّزعة المثاليّة الميتافيزيقيّة الجسدَ من شروط تحديد ماهية الإنسان وبرّروا ذلك باستعمال آليّات سِحْر المنطق الاستنتاجي “الدَّوري” وهو ما يظهر بوضوح في “محاورة القيبيادس”10 نعرض هنا جزءا منها:  
” سقراط: من المتعارف أنّ الّذي يستخدم شيئا إنما يختلف عن الشّيء الّذي يستخدمه. القيبيادس: نعم. سقراط: فينتج عن ذلك أن الإنسان يختلف عن جسده.11 القيبيادس: يبدو ذلك. سقراط: فما عساه يكون الإنسان إذن؟ القيبيادس: لا أجد جوابا. سقراط: لعلّك تعلم على الأقلّ أنّه هو من يستخدم الجسد. القيبيادس: نعم. سقراط: ومن يستخدم الجسد إن لم يكن النّفس12؟ القيبيادس: بل النفس دون سواها….” ثمّ يواصل سقراط في محاورة تلميذه بطريقة توليديّة منطقيّة حتّى ينتهي معه إلى استنتاج هذه الحقيقة اللّزوميّة يُعلنها بقوله: فلمّا لم يكن الإنسان هو الجسد، ولا الجملة الحاصلة من الجسد والنّفس، لَزُم إذن أن نستنتج من ذلك أنّ الإنسان هو النّفس.” ويجيب القيبيادس بكل ثقة:” تماما.
 وما نستخلصه من هذا القياس المنطقي الاستنتاجي أن الجسد في هذه المنظومة كان ضحيّة تهميش منطقي لا غير فقد تمّت إزاحتُه من مكوّنات مفهوم الإنسان بطريقة منطقيّة في غاية من التَّناسق والدّقّة إلى درجة التَّسليم بهذه “الحقيقة المطلقة” والصّادقة صدقا قياسيّا منطقيّا مفادها أن “الإنسان نفس خالص” وليس الجسد سوى عرضيّا أو مجرّد تابع لها فهي الجوهر المحرّك للجسد والمتحكّم في أفعاله ولا يمكن له أن يعبّر عن حقيقة الإنسان ولا هو الإنسان. كما أنه ليس شرطا من شروط إدراك الحقيقة ولا حتّى آليّة من آليّات السّعي إليها.
لم يحتقر ديكارت13 الجسد ولم يعتبره وضيعا كما أقرّ أفلاطون كما رفض أن يكون مجرّد عَرَضٍ، بل اعتبره جوهر ممتدّ أي تركيبة فيزيولوجيّة ماديّة معقّدة جدّا، وطلب ضرورة العناية به وفهمه ومعرفة قوانينه الطّبيعيّة فدعا بإلحاح إلى تَطْبِيبِهِ ومعالجته حين تقتضي الحاجة المرضيّة إلى ذلك. فليس غريبا عن ديكارت العالم البيولوجي والفيزيولوجي أن يكتب في عصره كتابا هامّا جدّا بعنوان:” رسالة في الإنسان أو تكوين الجنين” امتنع عن نشره خوفا من الفكر الكنائسي الظلامي في ذلك الوقت، لقد تجاوز ديكارت بهذا الكتاب كل محاولة لتهميش الجسد فبدل من ازدرائه كما فعل سقراط وأفلاطون اجتهد في فهمه ومعرفة قوانين حركة أعضائه وهو أمر يُحسب لديكارت في عصر كان فيه تشريح الأجسام جريمة تعاقب عليها المراسيم الكنائسية! ولم تدلّ مؤلّفاته الأخرى خاصة “مقال في المنهج” و”مبادئ الفلسفة الأولى” و”تأملات ميتافيزيقيّة”، إلاّ على ثورة منهجيّة حقيقيّة انتهى منها إلى تأسيس مبادئ مُطْلقة تصلح بأن تتأسّس عليها كلّ العلوم الحديثة، مشكّكة في الإرث الفلسفي اليوناني وفي جميع معارف القرون الوسطى. ومن هذه الجهة يعتبر ديكارت فيلسوف الحداثة بامتياز، فقد تمكَّن من إحداث ثورة معرفيّة أخرجت أوروبا من ظَلَاميّة العُصُور الوسطى إلى نور الحداثة والعلوم والتّقدّم، بفضل مساهماته في ميادين علم الرّياضيات والهندسة التّحليليّة والفيزياء وكذلك علم الفيزيولوجيا، كما تمكّن أيضا من تطبيق منهجيّة الشّك على الموروث المعرفيّ والمدرسيّ الذي ساد القرون الوسطى بكل جرأة، فانطلق من الشّك في كل المعارف والعلوم ليصل إلى تأكيد بداهة مبدأ “أنا أفكّر إذا أنا موجود” ونادى بديمقراطيّة العقل كحقّ مشروع لكلّ فرد إنسانيّ. وذلك هو المعنى الكوني “للإنيّة الدّيكارتيّة”14، هذا الأنا أو هذه الذَّات التي لا يمكن أن تحصل على يقين وجودها من خارج ولا هي بحاجة إلى دلائل خارجيّة بل إنّ يقينها بذاتها وبحقيقتها يَكْمُنُ في عودة الذّات إلى ذاتها واتخاذ قرار شُجَاع يُعيد مراجعة كلّ ما تَحْمله الأنا من أفكار حول ذاتها وكل ما عُلِقَ بها من موروث ثقافيّ ومعرفي حتّى تتحقَّق من قيمتها وتُحدِّد ماهيتها. فخاض ديكارت تجربة الشّك والحيرة والرّيْبة وتعليق الحكم حتى بلغ مرحلة الشّك الشّامل، وفي خضم حالة الرّيبة الشّاملة هذه انبثقت له حقيقة ساطعة وهي “إنه يفكّر طالما أنه يشك في كل شيء ” ومادام يشك في كل هذه الأشياء فهو موجود. ووصل بهذا إلى إثبات ماهية الإنسان ومفهومه الذي لا شك فيه إطلاقا وهو أنّه” شيء يفكّر”، ويُعلن ديكارت حقيقته البديهيّة مُجيبا على سؤال محوري في التأملّ الثَّاني من تأمُّلاته الميتافيزيقيّة فيقول:” أيُّ شيء أنا إذن؟ أنا شيء مفكّر. وما الشّيء المفكّر؟ إنّه شيء يشكّ، ويتصوّر، ويُثبت، وينفي، ويريد، ولا يريد، ويتخيّل أيضا ويُحسّ…إلخ” ثمّ يقول:” … وهل هنالك أيضا صفة من هذه الصّفات يمكن تمييزها من فكري أو يمكن القول بأنّها منفصلة عنّي؟ فبديهيّ كل البداهة أنَّني أنا الذي أشكّ وأنا الذي أفهم وأنا الذي أرغب. ولا حاجة هنا إلى إضافة شيء آخر لزيادة إيضاحه.” واضح من هذه الأقوال إن “الأنا أفكر” حقيقة بديهيّة حدْسيّة لم تصل إليها الاستدلالات المنطقيّة بل وُظِّفت لتأكيدها إذ ما هو بديهيٌّ ليس بحاجةٍ “إلى إضافةِ شيءٍ آخر لإيضاحه”، فالإنسان إذن جوهر مفكرّ.  فما موقف ديكارت من الجسد إذن؟ ما مكانته في تحديد ماهية الإنسان؟ هل يمكن مع ديكارت الفيلسوف الحداثي المجدِّد أن يُناقض المواقف الفلسفيّة والدِّينيّة…ويعلن، بجرأة فلسفيّة مدعَّمة بمعرفة علميّة بمكنون الجسد وقدراته وهو المختصّ في معرفته معرفة فيزيولوجيّة دقيقة، أنّ الإنسان “كائن متجسّد”، أم أنه سيقع بالضّرورة في الحرج المذهبي وفي شبكة الثُّنائيّة المدعَّمة دينيّا فلا يجد للجسد في علاقته بالنّفس إلاّ مقاربة الهروب من المأزق الفلسفي فيشبّه هذه العلاقة بعلاقة ربّان السّفينة بالسّفينة؟
لم يطرح ديكات قضيّة الجسد كإشكال مستقلّ بنفسه رغم ما أولاه من أهميّة بما هو آلة معقّدة بحاجة إلى تفكيك وتشريح متأثّرا في ذلك بالعلم الميكانيكي الرائج في عصره، لكن في بحثه الفلسفي لم يتناول الجسد إلاّ في مستوى قضيّة حقيقة الذّات أو الأنا وتميّزِهِ عن الجسد وعلاقته به، داخل تجربة شاملة وهي تجربة الشّك التي أراد منها ديكارت إثبات ثلاثة حقائق جوهريّة وهي أوَّلا إثبات الذّات باعتبارها ذاتا مفكّرة ثمّ ثانيا إثبات الله باعتباره علّة كل شيء في الوجود، ثمّ أخيرا إثبات العالم وإدراكه. ودون أن نُوغل في تحليل وتعميق مراحل الوصول إلى هذه الحقائق الثّلاث، على اعتبار أنّ بحثنا ينحصر في قضيّة الجسد ومعرفة الزّاوية التي منها نظر الفيلسوف إليه، وأيّ موقع وضعه فيه وإلى أيّ حدّ تمكن ديكارت من حلّ قضيّة ثنائيّة النّفس والجسد؟!

كان غرض ديكارت في خضمّ هذه التّجربة المنهجيّة البحث عن أساس ثابت للحقيقة لا تُزَعْزِعُهُ شكوك الرّيبيّين، وقد سطّر المراحل المنهجيّة لهذه الطّريقة في قوله:” إذا أردنا أن نَفْرَغ لدراسة الفلسفة دراسةً جدّيّةً والبحث عن جميع الحقائق التي في مقدورنا معرفتها وجب علينا أن نتخلّص من أحكامنا السّابقة، وأن نَحْرِصَ على طرح جميع الآراء التي سلَّمْنَا بها من قبل وذلك ريْثَما تَنْكَشِف لنا صحّتها بعد إعادة النّظر فيها، وينبغي أيضا أن نُراجع ما بأذهاننا من تصوّرات، وألاّ نُصَدِّق منها إلاّ التَّصَوُرَات التي نُدْركها في وضوح وتميّز، وبهذه الطّريقة نعرف أوَّلا أنّنا موجودون باعتبار أنّ طبيعتَنَا هي التّفكير، ونعرف في الوقت نفسه وجود إله نعتمد عليه، وبعد أن ننظر في صفاته نستطيع أن نبحث عن حقيقة الأشياء الأخرى جميعا نظرا إلى أنّه هو علّتها.” 15 وإن ما يشدّنا في هذا التمشّي المنهجي أن ديكارت يربط ماهية الإنسان بالفكر الخالص ويحدّد ماهيته بالجوهر المفكّر بدليل قوله ” … فعرفت أنّ الأنا التي أنا بها ما أنا هي جوهر كل ماهيته وكل طبيعته تتحدّد بالفكر… وأن معرفتنا لها أيسر بكثير من معرفة الجسم”.16

واضح من هذا الموقف أن ديكارت يُزيح الجسد من مكوّنات الإنسان ويؤكّد من جديد المفهوم المثالي المدعَّم دينيّا لماهية الإنسان مكرّسا الاتجاه الثّنائي المثالي في النّظر إلى الوجود ككلّ.

لكن يبدو أن ديكارت وقع في نفس المأزق الذي وقع فيه سابقوه وهو كيف يمكن إزاحة الجسد من الذّات الإنسانيّة رغم ملازمته لنا؟ فنحن نعيشه ونرى أطرافه أيضا ونلمسها كما نشاهده منعكسا على المرآة ونحقّق له غرائزه ومتطلباته دون تردّد، ونرى أجساد الآخرين ونتفاعل معها ونلمسها أيضا كما أننا نحسّ بحالات أجسادنا كحالة الألم والجوع والعطش والبرودة والحرارة…إلخ فكيف يمكن اعتبار الجسد خارج الذّات البشريّة ولا يمثّل بعض خصائص الإنسان؟ لقد كان موقف أفلاطون واضحا منذ البداية فهو اعتبر الجسد حالة عرضيّة زائلة لا تمتّ بأي صلة بالنفس، وأكد على ضرورة محاربة الجسد وعدم الانسياق مع ملذاته إن رامت النّفس المحافظة على نقائها وصفائها وقيامها بوظيفة التأمّل والتّفكير. لكنَّ ديكارت فيلسوف القرن السّابع عشر، تمكّن بذكاء من أن ينجو نسبيّا من هذا المأزق فاعتبر الجسد جوهرٌ لكنّه ممتدّ، ونظر إليه من حيث تركيبته العضوية الماديّة التي تحتلّ حيّزا من المكان على خلاف النّفس التي هي أولاّ وأخيرا جوهر مفكّر، وقد شدّد ديكارت على البعد الآلي للجسد متأثّرا بالعلم الميكانيكي السّائد في عصره واستجابة لاعتقاده أن كلّ ما هو مادي وفيزيائي يخضع لقوانين الطّبيعة التي تحكمها قوانين آلية دقيقة كدقّة السّاعة الميكانيكيّة. لكن ما الذي يحرّك هذه الآلة ويتحكّم في حالاتها وتحوّلاتها؟  ثم إن كانت هناك علاقة بين النّفس والجسد فما إمكاناتها؟

لقد عالج ديكارت هذه المسألة في مستويين، المستوى الميتافيزيقي او الفلسفي المحض، والمستوى النّفسي الفيزيولوجي. في المرحلة الأولى في كتابه تأملات ميتافيزيقيّة وصل ديكارت إلى حالة من الشّك الشَّامل في جميع موروثه المعرفي والعلمي وبلغ به الشّك في وجود الله ووجود العالم الخارجي ووجوده كسجد…لكنّه منهجيّا لم يتماد في هذا الشّك حتى لا يقع في شك مُطلق ومُغلق، فتخلّص منه بأن أثبت بداهةً لها من الُوضوح والتّميّز ما لا يمكن أن يعتريها أدنى شكّ وهي حقيقة الذّات المفكّرة، وأنّ الدّليل الوحيد على أنّها الآن تُفَكّر هي كونُها تشكّ في كلّ هذه الأشياء، وهذا يعني أن إثبات يقينيّة الأنا أفكر يَظْهر في فعل التَّفكير ذاته، فيمكن حسب ديكارت أن نشكّ في كلّ شيء ما عدى أنّنا نشكّ وما دام الشّك هو فعل التّفكير “فأنا أشكّ” تعني “أنا أفكّر” وإنَّ فعل التّفكير هذا دليل على وجود الذّات المفكّرة وهي حقيقة بديهيّة تُدرَك بالحدْس ولا تشترط أي إثبات خارجيّ ماديّ أو جسمانيّ لذلك إن الذّات المفكِّرَة جوهر واضح تمام الوضوح ومتميّز كليّة عن الجسد بل إن معرفتنا لهذه الذَّات أيسر من معرفتنا بأجسادنا لأن الأنا أفكّر جوهر بسيط جدّا في حين أن الجسم البشري والأجسام الأخرى مركّبة ومعقّدة كما سبق بيانه. يضع ديكارت نتيجة الشّك المتمثّلة في الكُوجِيتو قاعدة عامَّة ومبدئ مطلق يقوم على الوُضُوح والتّميّز لبناء كل المعارف والعلوم وأيضا كأرضيّة صَلْبَة يقف عليها الإنسان دون أن يكون نَفْسًا ناطقةً ولا حيوانا عاقلا بل هو جوهر مفكّر في موقع متّصل ومتعال عن الجسم الّذي هو جوهر ممتدّ، يقول ديكارت في تأمُّلاته مؤكّدا على جوهريّة الذّات المفكّرة التي بها تتحدّد ماهية الإنسان ووجوده كذات:”… وأنا واجد هنا أنّ الفكر هو الصّفة التي تخصّني وأنّه وحْدَهُ لا ينفصل عنّي، أنا كائن وأنا موجود. هذا أمر يقينيّ ولكن إلى متى؟ أنا موجود ما دُمْتُ أفكّر فقد يحصل أنيّ متى انقطعت عن التّفكير تماما انقطعت عن الوجود بتاتا”17.

فعلى المستوى الفلسفي إذن، الإنسان جوهر مفكّر والنّفس المفكّرة متميّزة تمام التّميّز عن الجسم الممتدّ. لكن لا يمنع أن تكون هناك علاقة بين النّفس والجسد، لكنّها ليست علاقة النّدّ بالنّد بل علاقة سيّد بمسود علاقة ربّان السّفينة بالسّفينة، وتبقى النّفس متعالية عن الجسد تُحَرّكه وتتحكّم فيه وكلّ ما يحدث للجسد من آلام وانفعالات وأحاسيس لا نُدْرِكُها بالجسم بل بالفكر، ففي كتابه “مبادئ الفلسفة الأولى” في الجزء السّادس تحديدا، يقدّم ديكارت مجموعة من البراهيم التي تُبَيِّن ارتباط النّفس بالجسم على المستوى النّفسي والفيزيولوجي، فالحواس هي التي تدفع الإنسان إلى إدراك مادّة ممتدّة طولا وعرضا وعمقا وبما أن الله هو الذي أظهر لنا مباشرة فكرة هذه المادّة فإننا نتصوَّرُها كشيء مغاير له وللعقل. ويمكن ملاحظة هذا الاتحاد حين ندرك حدوث الألم أو الإحساس باللّذة وغيرها من الاحساسات ونحكم أنّها لا تصدر عن النّفس وحدها بل هي تصدر حين تختلط بشيء ممتدّ ومتحرّك وهو الجسم. فالانفعالات هي إذن دليل على الاشتراك بين النّفس والجسم وينتُجُ عن هذا الاشتراك حالات الحزن والكره والخوف…إلخ

  لكن رغم هذا الإقرار الصّريح باتحاد النّفس والجسد في صدور الانفعالات المختلفة والاحساس بها فإنَّ المظْلمة الأولى تكمن في أن موطن إدراك هذه الإحساسات هي النَّفْس وليس الجسد على اعتبار أن الأعراض جسميّة أما الإدراك ذهنيّ مرتبط بالنّفس، فليس الجسد عند ديكارت سوى آلة ميكانيكيّة فاقدة لكلّ أرضيّة إبداعيّة أو وجدانيّة وإن كانت تظهر على مستوى حركات الجسد لكن منبعها هو الذّات المفكِّرة. فالجسد إذن عند ديكارت في مرتبة أنطولوجيّة دونيّة وهو ليس إلاّ كُتْلة من الأعضاء تَحْكُمُها قوانين دقيقة، وجوهره الممتد ليس صفة تخصّه بل هي خاصّية كلّ الأجسام الفيزيائية المحتلّة حيّزا مكانيّا. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى. لم ينجُ ديكارت من الانْزِلاق في هذه المفارقة الغريبة حين اعتقد معتمدا على دلائل دينيّة ولاهوتيّة أن أجسادنا التي تلازمنا حيثُما كنَّا، لا شأن لها في تحديد إنّيتنا ولا في تعريف ذاتيّتنا الإنسانيّة، فالإنيّة الإنسانيّة موجودة حتّى لو افترضنا أن الجسم غير موجود لأن النّفس هي ما يكون الأنا أنا، وهي تستمرّ في الوجود طالما امتلكتْ وعيًا وخاضت تجربة التّفكير وعادت إلى ذاتها عودًا أبديًّا مُنْغَلِقًا على ذاته وذاك هو المأزق الدِّيكارتي الذي وقع فيه حين عالج قضية علاقة النّفس بالجسد، ففي التّأمّلات ميّز بينهما تمييزا واضحا لكن في الانفعالات18 أعاد طرح هذه المسألة من جديد ليجد نفسه مضطرّا إلى تأكيد تداخُلِهِما في الإنسان، كما أسلفنا، لكن بكثير من التَّحَفُّظ والحَيْف. ويظهر هذا الحيف حين أبعده عن مكوّنات الذّات الإنسانيّة ولم يجعل الجسد من شروط ماهية الإنسان وإن كان قد اعتبر هذا الاتحاد خاصّ بالإنسان فقط.

إنّ هذا الاِرْتِبَاك الذي نجده عند ديكارت ليس غريبا عند كلّ فيلسوف لم يجد لنفسه موقفا صريحا وشُجَاعا يعكس قناعته الذّاتيّة خاصّة حين يكون سجين نسق دينيّ وتصوّر ميتافيزيقي لم يتمكّن من التّحرّر منهما بل سعى حثيثا إلى الانسجام مع منطلقاتهما وإرضاء الفكر الكلاسيكيّ المدرسيّ واللاّهوتيّ السّائدين آنذاك خاصة فيما يتعلّق بالنّفس وعلاقتها بالجسم ضمن علاقة أشمل مع اللّه ولعلّ هذا ما يفسّر العنوان الذي وضعه ديكارت لكتابه التّأملات وعمد على أن تكون تسميته على هذا النحو:” التّأمّلات في الفلسفة الأولى، وفيها الدّليل الواضح على وجود الله والتفرقة الحقيقيّة بين نفس الإنسان وبدنه”، نُشر سنة 1641 باللّغة اللاتينيّة دون الفرنسيةّ19 حتى يكون موجَّها لصفوة المفكّرين وعلماء الدّين دون العامّة، كما قدّم كتابه برسالة إهداء إلى العُمَدَاء والعلماء بكليّة أُصُول الدّين المقدّسة بباريس  يسألهم فيها أن يُؤيّدوا آراءه، ويبيّن لهم أن منهجه الجديد في الفلسفة، على الرّغم مما بينه وبين منهج المدْرَسِيّين من اختلاف عميق، يستطيع أن يَنْصر العقيدة والدّين ببراهين قاطعة من شأنها أن “تُخْرِس أَلْسِنَةَ الملْحِدِين”. وكانت غايته من هذه الرّسالة أن يَظْفَر كتابه بحسن القُبُول عند علماء اللاّهوت المسيحيّين. واضح إذن أن ديكارت بقي منْضَبِطًا للتّعاليم المسيحيّة الصّارمة فيما يخصّ قضيّة وجود الله وخلود النّفس وانفصالها عن الجسم أو البدن وتميّزها المطلق عنه، ولم يجتهد في الأخير منهجيّا إلا في البحث عن براهين علميّة عقلانيّة تؤكّد ثوابت الدّين المسيحيّ.  

وفي هذا المجال بالذّات نسجلّ المفارقة الكبرى الثّانية التي وقع فيها فيلسوف الحداثة، فهو من ناحية فكره العلمي كان بحقّ المبشّر بعهد علمي جديد سيُحَوِّل الفكر من فكر مدرسيّ تقليديّ يحمل أعباء أخطاء القرون الوسطى وعهود الظّلامية إلى الفكر العلمي الحديث مؤسّسا لبعض العلوم التي استجابت لمناخ القرن السّابع عشر حيث الثّورة المنهجيّة وولادة العلوم الميكانيكيّة، فقد كان من هذه الزّاوية عالم رياضيات ومُؤَسِّس للهندسة التّحليليّة وعالم فيزيائي وفيزيولوجي وأوّل مدافع على علم الطب. لكنّه من جهة فكره الفلسفي رغم اعتقاده في أن “المقال في المنهج” هو طريقة بحثيّة تصلح لكل اجتهاد فكريّ باحث عن الحقيقة سواء في المجال العلمي أو الفلسفي، فإن النّتائج التي وصل إليها في كُتُبه الفلسفيّة لم تُخلِصْ إلى المنهج العلمي الذي انطلق منه في البداية بل كرّس فيها التَّوَجُّه التَّأمّليِّ الميتافيزيقيّ الذي لم يجتهد إلا لتأكيد قضايا هي ثابتة دينيّا ومؤكدة عند أصحاب الفكر الفلسفيّ التّقليدي المدرسيّ كقضايا وجود الله وخلود النّفس وتميّزها عن الجسم، فلنُسَجِّل إذن مع ديكارت هذا الارتباك الفكري عموما بين انتعاشة المنهج العلمي وتقدم العلوم الميكانيكيّة في عصره وانتكاسة الفكر الفلسفيّ فيما يخص أهم قضايا الفلسفة وهي قضيّة الإنسان. ولا يَسَعُنا هنا إلاّ أن نُصنّف تعريف الإنسان بما هو نَفْسٌ أو فكرٌ خالصٌ دون اعتبارٍ لحضور الجسد في مفهوم الإنسان كواقع، في خانة التّعريفات المثاليّة المنْقوصة والمبْتورة التي لا تُمثّل إلاَّ موقفا رجعيّا أَحَاديّا ميّز الفلسفات التّقليديّة والفكر الدّينيّ عموما، وحتى وإن سعى ديكارت في كتابه” الانفعالات” إلى توحيد الجسد والنّفس فإنه لم يفعل ذلك إلا لضرورة فهم فرديّة الإنسان واعتبار هذه الفَرَادَة تخصُّ الإنسانَ دون غيره من الكائنات الأخرى، فالإنسان من حيث هو جسد يخضع للتَّحديد العام الذي قدّمه ديكارت للجسم كامتداد وأثبته بمثاله المشهور قطعة الشَّمْع التي بعد إذابتها وفقدان جميع صفاتها الحسيّة كالشّكل واللّون والطّعم والرّائحة والحجم، لا يبقى منها في الأخير سوى الامتداد الذي هو  مجرَّد مفهوم رياضيّ أي عقليّ نجده في الفكر ولا حاجة لنا لاستنتاجه من الإحساس أو التّجربة. أما الإنسان من حيث هو روح فهو يخضع لتحديد النّفس كفكر محض وخالص. ونستنتج من كل ذلك أن جميع الأجسام لها أصلٌ فكريٌّ وهي كلّها تُردّ في الأخير إلى مجموعة أفكار، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لم تكن غاية ديكارت حين أكّد على “وحدة النّفس بالجسد” الفهم العلمي للإنسان كما سيحدث لاحقا مع “سبينورا” والفلاسفة المعاصرين، بل كانت غايتُه أخلاقيّة بالأساس وذات مصادر دينيّة لبيان أن النّفس قادرة على السّيطرة على الجسد وانفعالاته كقدرة العقل على التّحكّم والسّيطرة على العالم الحسّيّ، وهي لا تفنى بفناء الجسم.

       ولم يبدأ التّفكير بجدّيّة في الإنسان بما هو وحدة بين الجسد والنّفس إلاّ مع “سبينوزا”20، فرفض القول بإمكانيّة وجود علاقة بينهما تُقِرُّ في الأخير بالتّمايُز والاختلاف كما حدث مع ديكارت وغيره من الفلاسفة الإثنينيّين، بل أكّد انطلاقا من وحدة الوجود على وحدة الإنسان معارضا بذلك نظريّة ديكارت، فإذا كان ديكارت قد ذهب إلى أنّ الكائن الإنسانيّ مكوَّن من جوهرين منفصلين ومتمايزين: جوهرٌ مفكّرٌ وهو العقل وجوهرٌ ممتدٌّ وهو الجسد أو الجسم، على اعتبار أنّنا نستطيع التّفكير في العقل في استقلال عن الجسم، ونستطيع التّفكير في الجسد في استقلال عن العقل، إذ لكلِّ جوهرٍ قوانينَه الخاصّة به والمختلفة عن الجوهر الآخر، فاعتُبِر ديكارت ثنائيّا كما أسلفنا في نظْرته للعقل وللجسد مُكَرِّسًا موقفَ العُصُورَ الوسطى للإنسان محافظا على التّصوّر الدّيني له.

وذهب أيضا إلى اعتبار العقل والجسد منفصلين لكنّهما قد يوجدا معا وجودا عرضيّا لا ضروريّا، فبالنّسبة له يمكن للجسد أن يوجد بدون عقل عند الأطفال والمجانين والحيوانات مثلا، كما يمكن للعقل أن يوجد دون جسد في حالة النّوم أو بعد الموت حين ينفصل العقلُ أو النّفسُ عن الجسمِ! فيردّ عليه سبينوزا بقوله إنّ العقلَ والجسدَ شيءٌ واحد، إذ ليس هنالك سوى جوهر واحد لا غير وهو الله، يحمل صفة الامتداد والفكر في نفس الوقت، فالعقل والجسد عنده صفتان او حالتان لجوهر واحد “تارة نتصوَّرُه من جهة صفة الفكر وطورا من جهة صفة الامتداد… وعلى ذلك فإنّ نظام أفعال جسمنا وانفعالاته موافق بطبعه لنظام أفعال النّفس وانفعالاتها”21 كما اعتبر سبينوزا أن العقل هو الحال المخصوص لجسد إنسانيّ معيّن ولكلّ جسد إنسانيّ عقله الخاص. وليست حالات الجسد أو انفعالاته سوى انعكاس لحالات النّفْسِ وانفعالاتها والعكس صحيح، وقد وضع سبينوزا تحديدا للإنسان ببراهين هندسيّة ساطعة منها:” لو لم يكن للجسم موضوعا للنَّفْس البشريّة، لوجدت أفكار أعراض الجسم في الله ليس بوصفه مؤلفا لأنفسنا، وإنما بوصفه مؤلفا لنفس شيء آخر، أي لماَ وُجِدَت أفكار أعراض الجسم في أنفسنا، بيد أنّه لدينا أفكار أعراض الجسم، إذن فموضوع الفكرة المؤلّفة للنّفس البشريّة هو الجسم بما هو موجود بالفعل. والآن لو كان يوجد، بالإضافة إلى الجسد، موضوع آخر للنّفس، لكان من الضَّروري، باعتبار أنّه لا يوجد شيءٌ دون أن يَنْتُج عنه معلول، أن تُوجد في أنفسنا فكرة هذا المعلول، إلاّ أنّه ليس لدينا أيَّ فكرةٍ من هذا القبيل، إذا فموضوع النَّفس هو الجسم الموجود لا غير. يترتب على ذلك أنّ الإنسان يتكون من نفس وجسم، وأنّ الجسم البشريَّ موجود كما نُحسّ به.”22

لا يخفى أن هذا الفيلسوف الهولنديّ الثّائر على كلّ التّقاليد الدّينيّة في عصره والرّافض لكلّ تصوّر ثنائيّ للوجود، سيُسجّل حضوره بامتياز كفيلسوف سابق لعصره، مناصر للفكر الفلسفيّ المتحرّر من النّزعات الدّينيّة والقيود المدرسيّة الميتافيزيقيّة السّائدة في ذلك الوقت. فهو أوّل من فصل بين الإيمان والفلسفة وقد أوضح في كتابه ” رسالة في اللاهوت والسّياسة” أنّ العقل ليس خادِمًا للاهوت، ولكلٍّ مجال خاصّ يختلف عن مجال الآخر.23 ويُعدُّ هذا الموقف في ذلك الوقت ثوريّا بكلّ معاني الكلمة وقد تحمّل سبينوزا تبعات نقده اللاّذع للمفاهيم الدّينيّة، فنُبِذ من أهله وأُطْرِد من الجالية اليهوديّة وتنكّر الفلاسفة المدرسيّون ورجال الدّين لأفكاره ولاتجاهه الموحِّد للوجود. هذا من جهة ومن جهة أخرى يُعدّ سبينوزا أوّل من أثار إشكاليَّة وحدة الإنسان على نحو فلسفي بكل معاني الكلمة ونبّه معاصريه على ضرورة معرفة هذا الكائن معرفة فلسفيّة وعلميّة تأخذ بعين الاعتبار حالات الإنسان النّفسيّة والجسديّة في تفاعلهما واندماجهما مع ضرورة معرفة ما للجسد من قدرات ومستطاع ما تزال مجهولة في زمانه وهو يقول في ذلك: ” لم يحدِّد أحدٌ إلى يومنا هذا ما يستطيعُه الجسمُ، أي أنّ التَّجربة لم تُخْبِر أحدا إلى حدّ الآن بما يستطيع الجسمُ أداءَه وما لا يستطيعُهُ بقوانين الطَّبيعة وحدها منظورا إليها فقط كطبيعة جسميّة، إلاّ إذا كانت النَّفْسُ هي التي تحرِّكه، فعلا، لا أحد يعرف بكامل الدّقّة بِنْيَة الجسم بما يسمح بتفسير جميع وظائفه”24. ويكون سبينوزا بذلك قد خلّص قضيّة الإنسان من القيود الدّينيّة اللاّهوتيّة، وفتح الطَّريق أمام الفكر الفلسفي وعلم النفس والأنثروبولوجيا للاهتمام بالجسد بما هو قضيّة محوريّة لفهم الإنسان وهو ما سيُمثّل لاحقا إشارة انطلاق هامّة سيتولّى الفكر الفلسفي والعلمي المعاصرين الاشتغال عليها بجديّة.

المراجع:

6.الميتافيزيقا، مصطلح يوناني مركّب من كلمتين: “مياتا” وتعني ما بعد أو ما وراء و”فيزيقيا” وتعني الطبيعة” فهي بحث فيما وراء الوجود الطبيعي أو بعبارة أرسطو هي “علم الوجود بما هو وجود” أي الوجود المطلق الماورائي. ومن حيث أنها طريقة بحث فهي لا تعتمد على الملاحظة الحسيّة ولا على التجريب بل على المنطق الصّوري والاستدلالات النّظريّة التأمليّة ومن أبرز مجالات اهتماهما الكائن المتعالي على الحسي وثابت غير متحرك وأهم هذه المجالات الروح المطلق أو غاية الغايات وصورة الصّور بعبارات أرسطو أو الله.

7.عالم المثل: عالم ابتدعه أفلاطون واعتقد أن جميع الماهيات والحقائق والأفكار الصّحيحة موجودة أصلا في الفكر المطلق وليست الأشياء الماديّة الموجودة في العالم الحسيّ سوى نُسخٍ زائفة لتلك المفاهيم.

8.يقول أفلاطون في “احدى محاوراته:” كانت البهجة في نفسي يوم أن لاحت لنفسي محبّة الحقيقة المُشرقة وكان ذلك عندي أعظم من كلّ لذّات الجسد”.

9. سقراط 469_399 ق.م أستاذ أفلاطون وهو فيلسوف يوناني عاش في أثينا لم يترك أي مؤلف وقد عرفت فلسفته وتعاليمه من تلميذيه: “زينوفون” المؤرخ وأفلاطون الفيلسوف. أفلاطون 427-347 تلميذ سقراط ومدوّن لمحاوراته التي اشتهر بها.

10. Platon : Premier Alcibiade,ed.G.Fp.p 160-162

11.يُقصد بالجسد هنا الجسم الإنساني أي البدن كظاهرة حيويّة تقوم على الغذاء وحركة الدّمّ والتنفّس وتعرف الشّيخوخة والموت.

12. يحدّد أفلاطون النفس بأنها فكر خالص وهي مبدأ الحياة والحركة في الجسم.

13.ريني ديكارت.René Descartes فيلسوف فرنسي ولد سنة 1596 وتوفّي سنة 1650 مؤسس العقلانيّة الحديثة ورائدها وعالم في الرياضيات والفيزياء. له عدّة مؤلفات منها: “مقال في المنهج” وتأملات ميتافيزيقيّة”.

14.الإنية الديكارتية  Le JE Cartésien  مصطلح ينسب إلى ديكارت ويحيل إلى مفهوم الذّاتيّة الفرديّة، فكل إنسان له ذات تقدر على تحقيق الوعي بذاتها بشكل فرديّ ويخوض تجربة الشكّ.

15.ديكارت، التأملات، التأمل الثّاني، ترجمة عثمان أمين. 

16.نفس المصدر.

17.نفس المصدر.

18.كتاب “انفعالات النفس” ريني ديكارت، ترجمة وتقديم وتعليق، جورج زيناتي.

19.تُرجم الكتاب إلى الفرنسيّة سنة 1647بقلم ” الدُّوق دولوين”.

20.باروخ سبينوزا: فيلسوف هولندي 1632-1677 من أبرز فلاسفة القرن السّابع عشر، من كتبه: كتاب الأخلاق1676 الذي نُشر بعد وفاته1677 ويُعد أفضل أعماله بهذا الكتاب عُدّ سبينوزا المفكّر الأكثر أهميّة بين الفلاسفة الغربيين، وفيه قدّم نقدا للأفكار والتعاليم التقليديّة كما عرض مجموعة من المفاهيم الفلسفيّة عن الله والوجود الإنساني والطبيعة والكون بأكمله ودعا إلى نظريّة وحدة الوجود أو الوحدويّة Panthéisme التي كانت منبوذة دينيا في عصره.

21.كتاب علم الأخلاق سبينوزا. تعريب جلال الدين سعيد.ص95

22.كتاب علم الأخلاق. سبينوزا. تعريب جلال الدين سعيد. ص.95-96

23.سبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة الدكتور حسن حنفي، مراجعة فؤاد زكرياء مكتبة الأنغلو مصريّة 1981 ص.

24. كتاب علم الأخلاق. سبينوزا تعريب جلال الدين سعيد.ص98

Avatar

عن فتحي جوعو

فتحي بن الطّاهر جوعو، تونسيّ الجنسيّة، من مواليد 1956 بمدينة حمّام الأنف الموجودة في الضاحية الجنوبيّة للعاصمة تونس،متحصّل على شهادة الباكالوريا اختصاص آداب، ومتحصّل على الإجازة في الفلسفة من جامعة دمشق بالقطر السوري، مارس تدريس الفلسفة بالمعاهد التونسيّة طوال ثلاثة عقود ونصف، له كتابات متعددة ومتنوعة في الفكر والأدب والفلسفة والفن. صدر له كتاب: "انفعالات نرسيس، مقاربات فلسفيّة لنصوص جلال المخ الشّعريّة".سنة 2016 وكتاب:" الجسد هو الأصل: قراءة في مفارقات الجسد" سنة 2018 وكتاب:" أزمة المعنى" سنة 2018 وقيد النشر : كتاب " انتفاضات برومثيوس": مقاربات فلسفيّة لكتابات جلال المخ السّرديّة وكتاب" قراءات في الآداب والفنون"

One Reply to “الاجرام في حق الجسد، الفصل الثّاني من كتاب: “الجسد هو الأصل” بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*