الجسد بما هو أصل الوجود ومنبع الحياة: الفصل الثالث من كتاب “الجسد هو الأصل” بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.

رئيس التحرير

       علينا ألاّ نغفل في بداية هذا الفصل الثّالث عن التَّأكيد على الجهود الجباّرة التي قامت بها الأجساد البشريّة منذ غابر الأزمان في بناء الحضارات المختلفة، فكلّ الآثار الماديّة التي خلّفتها لنا الحضارة الاغريقيّة والفرعونيّة والرّومانيّة وكذلك الاسلاميّة هي في الأخير تجسيدا لمجهودات جسديّة وأعمال اعتمدت على البنية البدنيّة والقوّة الجسمانيّة في البناء والتّشييد أضف إلى ذلك أن الفنون الرّياضيّة الفرديّة والجماعيّة في الألعاب الأولمبيّة وألعاب المصارعة القديمة تَقُوم أساسا على لياقة الأجساد وقوّتها البدنيّة، وكأن لِحَضارات الشّعوب وجهين: وجهٌ معنويٌّ فكريٌّ ومعرفيّ قام على إبداعات العقل  والوجه الآخر ماديٌّ قام على القُدُرات الجسديّة. وتكمن المفارقة الكبرى التي وقعت فيها الفلسفة اليونانيّة في العهد الإغريقي في كونها أَعْلَت من جهة من شأن العقل رغم افتقاره للمقاييس والدّلائل الواقعيّة وأحطَّتْ من قيمة الجسد رغم إثبات عظمته الأرضيّة.

ولعلّ ما يميّز عصرَنَا دون العصور الأخرى هو تجاوز هذا الوضع المتَدَنِّي والمأساوي للجسد الذي ظهر ساطعًا في اليونان والعصور الوسطى، وبدأنا نلاحظ اهتمام العلوم المختلفة وكذلك الفلسفات الحديثة والمعاصرة بالجسد البشريّ والعناية به، أوَّلا في مستوى الترّكيبة البيولوجيّة والفيزيولوجيّة المعقّدة جدّا للجسم والتي تحتاج إلى دراسة معمّقة ومعرفة بقوانينه الدّاخليّة والطّبيعيّة وما يَلْزَم عن ذلك من جُهُودٍ مشتركةٍ بين العلماء حتى نتمكّن من فهمه ومعرفة بنيته والسّيطرة عليه للمحافظة أكثر ما يمكن على سلامته وتوازنه وكذلك حمايته من كثير من الأعراض المرضيّة والتّقليص أكثر ما يمكن من الآلام والأوجاع التي قد تُنَغِّصُ له حياته، كما سعت العلوم المهتمّة بالصَّحَّة الجسديّة إلى محاولة التّمديد في عمر الإنسان حتى يتمكّن من  العيش في رفاه جسميّ ونفسيّ في نفس الوقت، وقد حقّقت هذه العلوم نجاحات هامة جدّا في ميادين الطّب باختلاف اختصاصاته وقدّمت للإنسان ما يستحقُّه من عناية وإحاطة صحيّة. وكلُّنا يلاحظ اليوم مدى تقريب هذه العناية من كلّ إنسان بالاعتماد على البرامج السّمعيّة البصريّة المختصّة في السّلامة الجسميّة وانتشار الثّقافة الصَّحيّة والطبّية والعناية باللّياقة الجسديّة سواء ضمن متابعات خاصّة مع أطباء الاختصاص أو المواظبة على ممارسة الرّياضة في الطّبيعة أو داخل قاعات التّربية البدنيّة والتّأكيد على مدى أهميّة اتباع نضام غذائيّ متوازن نحافظ به على رشاقة الجسم وكذلك على التّوازن الجسديّ النّفسيّ، فأصبح إنسان العصر واعيًا بضرورة وضع الصّحة الجسديّة في مقدّمة أولويّاته خاصّة أنّه يعلَمُ حقّ العلم مدى خطورة تلوّث المناخ الطّبيعي الذي يَفْتِكُ بصحّته ويهدّدُها في كلّ لحظة وكذلك حالة التّقاعس وانعدام الحركة تقريبا نتيجة تطوّر نمط الحياة وتطوّر شكل وطبيعة العمل في المصنع والإدارة فتقلّصت بذلك الحركة وقلّ نشاط العمّال باختلاف أصنافهم نتيجة اقتحام “الروبوتيزم” جميع ميادين العمل والإنتاج وسيادة ظاهرة الذّكاء الاصطناعي الذي حقق ثورة حقيقيّة في ميادين التّصنيع والإنتاج بحيث بدأنا نلاحظ بوادر تبخّر الاعتماد الكليّ على الذّكاء الإنساني وعلى بنيته الجسديّة في العمل، فتضاعفت ظاهرة الخمول الجسدي بالجلوس ستّة ساعات على الأقل على مقاعد مكاتب العمل، وغياب الحاجة إلى الحركة الجسديّة إن لم نقل انعدامها، ونتج عن كلّ ذلك تكاثر أمراض السّمنة والسّكّري وضغط الدّم وغيرها من الأمراض المهدِّدة للسّلامة الجسديّة. ولا يخفى أن كلّ تهديد لسلامة الأجساد هو تهديد مباشر لسلامة المجتمع سواء على المستوى الاجتماعي النّفسي أو على المستوى الاقتصادي.

 وقد تكون هذه الأسباب وغيرها هي التي وفّرت المناخ الملائم والضّروري لإعادة طرح إشكاليّة الجسد وتصدُّرِهَا فضاء الفكر الفلسفيّ المعاصر واعتبارها مع الفلاسفة المعاصرين من أوكد الإشكالات المتعلّقة بالإنسان وأهمِّها على الإطلاق، بحيث يمكن القول إن كلّ طرح يثير قضايا تتعلّق بالإنسان إلاّ ونجده يمرّ ضرورة عبر ومن خلال القضيّة الأم وهي قضيّة الجسد بما هو أُسُّ الذّات وسُرَّة وجوده ومنبع الحياة ومُلْهم إنتاجات الإنسان وإبداعاته. فكلّ ما يرتبط بالوجود الإنساني ينبع بالأساس من هذا الزُّخم الهائل من خصوصيّات الجسد وقُدُراته وأبعاده.

أ-الجسد بما هو أُسُّ الإنسان:

    يقول “فريديريك نيتشة”25 في كتابه: “هكذا تحدّث زرادشت” عند مساءلته عن حقيقة الإنسان ضمن مُرَاوَحَةٍ بين الفكر الطّفولي الذي ميّز الحقبة الفلسفيّة التّقليديّة والفكر الفلسفي النّاضج المتمرّد على كل بقايا التّقليد ومخلَّفات الجهل:” … إنّي رُوحٌ وجسدٌ، هكذا يقول الطّفل. فلِما لا نتكلّم مثل الأطفال؟ ولكن من يستيقظ ويعي يقول: إنّي بأسري جسد ولا شيء سوى الجسد وما الرّوح إلاّ كلمة تُشير إلى جزء من هذا الجسد”، مثّل هذا الكتاب علامة من علامات الفلسفة الألمانيّة النّقديّة، وقد وصفه نيتشة “بدهليز فلسفته” و”انجيله الشّخصي”، ولا يفوتنا أن نشير هنا أن كلّ كتابات نيتشة تميّزت بالدّعوة إلى تحطيم كلّ ما هو ثابت ومطلق وأزليّ، وقد أشار بصراحة في هذا المعنى إلى القول “بموت الإله”، التي قصد بها هدم كل البناء الفلسفي والدّيني القديم والتّقليدي الذي امتلأ بأوهام اعتقد الفلاسفة ورجال الدّين على أنّها حقائق.

لقد تميّز الفكر الفلسفي “النّيتشوي” بمشروعه النّقديّ الموجّه خصّيصا للفلسفة الأفلاطونيّة والدّيانة المسيحيّة اللّتين تأسّس عليهما الفكر الحداثي الغربي، فوجّه مطرقته النّقديّة إلى أُسُس اليقين المعرفيّ وقِيَمِه الكبرى المنْبثقة من العقل حسب اعتقاد الميتافيزيقيّين. فاقتلع الأساس العقلي للوجود والمعرفة من جذوره وزعزع القيم التي بُنيت عليه وتجاوز بديهيّات العقلانيّة الغربيّة ورفض بكل حدّة القول بثنائيّة الوجود. ولم يترك أيَّ مقولة فلسفيّة أو تعاليم دينيّة لم يُثبت زيفها ووهميّتا ولم يُقوّض أسُسَها بمطرقته النّقديّة السّاخرة. لذلك كان من الطّبيعيّ أن يُطِيحَ بالمفهوم المثالي للإنسان وينقلب عليه انقلابا جذريّا ويُعلن أن مفاهيم الرّوح والعقل والنّفس والجوهر… ليست إلاّ أوهاما بنى على أساسها الفلاسفة نظريّاتهم وكوّنوا منها مفهومهم الملائكيّ للإنسان في حين أن الإنسان الواقعي الأرضي الحيّ هو غرائز تُلحّ عليه تحقيقها وإشباعها، ومنها يستمدّ كل معاني الوجود والحياة، فهي أصلُ ابداعاته ومنبعُ أفكاره، وقد بيّن نيتشة أن الوعي أو العقل عند الفلاسفة التّقليديّين قام على إقصاء معنى الحياة و رفض التَّغيّر وتعلّق بالثّابت وبالجوهري الزّائفين، وازدرى الغرائز بتحقيره للجسد، في حين أن الغريزة هي أساس الكائن الإنسانيّ وأصل استمراريّته وهذا ما يجعلنا نؤّكد مع نيتشة أن الجسد هو أصل الوجود ومنبع الحياة.

 لكنَّ السّؤال الذي يفرض نفسه هنا هو لماذا احتقر الفلاسفة الكلاسيكيّون ورجال الدّيانة المسيحيّة الجسد واعتبروه مصدرا للرّذيلة   وبُؤرة من اللّذائذ الشّيطانيّة ومَنْبَت للغرائز المحرّمة والممنوعة؟

لا يمكن الإجابة على هذا السّؤال إلاّ بالعودة إلى المنطق الذي حكم العقل الفلسفي الكلاسيكي. فحين نعود إلى الفلسفة الأفلاطونيّة نجدها تقوم على نسق من الثّنائيّات المتناقضة التي جعلها أفلاطون ومن أتى بعده من الفلاسفة التّقليديين أساس فهم الوجود ككلّ وفهم الإنسان بشكل خاصّ، فبنى منظومة فكريّة تفصل بين عالمين متعارضين في الطّبيعة والخصائص وهما: عالم علويٌّ نظريّ، صاف ونقيّ، يحوي على مجموعة هائلة من المفاهيم في ذاتها أو من الجواهر تتّصف بالثّبات والأزليّة اعتبر أفلاطون أنّها تُكَوّن عالم المثُل، وهي أصل كلّ شيء موجود في العالم الدُنيويّ وهو العالم السُّفلي يتكوّن من الأشياء الحسّيّة، الماديّة المتغيّرة والزّائلة وهي ليست سوى نُسخ زائفة من المثل الحقيقيّة المتربّعة في العالم العّلوي. ويعتبر أفلاطون أن النّفس موجودة منذ البدء في عالم المثل تَسْكُنه منذ الأزل وقد استوعب هذا العقل بالطّبيعة والفطرة كلّ المفاهيم في ذاتها بحيث تمتّع في ذهنيّته بنسق منظّم من المعارف في ذاتها كاملا ومكتملا لا تَشُوبُه أي شائبة حسّيّة تُلوِّثُه أو تُشكّك في مصداقيّته إنّه عالم الفضيلة والجمال والحقيقة في ذاتها بكلّ صفائها وقدسيّتها. في حين أن العالم الحسّيّ مملوء بأشباه المعارف تتزاحم فيه الظُّنون ويتكاثف الزّيف وتتسابق اللّذّات الحسيّة من أجل الاشباع لذلك عُدّ الجسد بما هو كُتْلة من هذه اللّذّات مشدودا إلى هذا العالم مُتَيَّم به، وينتج عن هذا أنّ النّفس متناقضة في الطّبيعة مع الجسد، وإن احتلّته فلإثم اقترفته فسُجنت داخل الجسد وقُبرت فيه كما سَلِف بيانه. لذلك تجد النّفس ذاتها مطالَبَة بكل مشقّة وبجهد مُوجِع من التّحرّر من مغريات الجسد ولذّاته حتّى تتمكّن من جديد من معانقة عالم المثل حيث الأصل والمنبت. لقد سَخَر نيتشة كثيرا من هذا الطَّرح الأفلاطوني واعتبر أن له من السّخف ما لا يستحق الاهتمام به ونعته بالفكر الطّفولي الذّي لم يبلُغْ بعد درجة النّضج أو أدناها ممّا يسمح له مواجهة الجسد بكلّ ما يحتويه من غرائز ولذّات تُعتبر في فجاجتها ومباشرتها أُسَّ الحياة وينبوعها. وردّ تنكّر أفلاطون لِلَذّات الجسد إلى مكبوتات دفينة، ومعاناة نفسيّة بليغة تَخْجَل من إباحيّة الجسد وتخافها  فتتوارى وراء أوهام الوعي وخُرَافات المثُل وصدى طنين المفاهيم في ذاتها كمفاهيم الفضيلة والخير والرّوح والجمال في ذاته، وإن هذا الجدار السّميك الذي يُقَاوِمُ الممارسة الطّبيعيّة للحياة والجُرأة على التّعبير عن الغرائز وإشباعها دون خجل، إنما يُخفي العجز على الاشباع المباشر للغرائز وتغطية هذا العجز بالتّهجّم على الجسد وإذلاله وتحقيره و البحث له عن سُبُلِ إماتَتِهِ وطُرُق إبادَتِه بتعلّة تافهة وغير شُجاعة تربط ممارسة التّفلسف الحقيقيّ -أي الرّقيّ إلى مراتب التّفكير النّظريّ المحض حيث عالم المثل- بالتّدرّب على الموت والتّصدّي لمنابع الحياة. واعتبر نيتشة هذه الدّعوات الأفلاطونيّة وكذلك التّعاليم المسيحيّة استجابة في الشّكل والمحتوى لهذا السُّخف الفلسفيّ المبالغ في لاواقعيّته ومثاليَّتِه خاصّة مع “أفلوطين”26 الذي تَوْأَمَ المسيحيّة بالفلسفة الأفلاطونيّة، كما اعتبرها تنظيرا لأخلاق الضُّعفاء الذين افتقدوا إرادة القوّة أو أدنى درجة منها فخانوا أجسادَهُم بالتّنكّر لها في حين أنّ إرادة القوّة التي يدعو إليها نيتشة هي إرادة الحياة في عُمق معانيها وفي اعترافها بالجسد وبقدراته المستمدّة من غرائزه الطّبيعيّة، وإنّ كلّ تحقيق لهذه الغرائز هو في الأخير تعبير عن الرّغبة في الحياة والرّغبة في الابداع، لذلك إنّ كلّ تموضع للجسد بممارسة غرائزه ولذّاته هو تجسيم لأخلاق الأقوياء الذّين لا دَيْدَنَ لهم سوى إرادة الحياة. فإن كان أفلاطون قد ربط الشّعور بالسّعادة في لحظة بزوغ الحقيقة المشرقة بازدراء الجسد واحتقاره27، فإن نيتشة اعتبر التّفلسف الحقيقيّ يولد من الشُّعور بالألم الذّاتي وبالمعاناة الّذاتيّة، وأنّ الوعي متجذّرٌ في الغريزة، ولا يَخْفَى أنّ نيتشة بهذا الإقرار يكون قد سَبِقَ “فرويد” حين أعلن أنّ الوعي تُوجّهه الغريزة والمتطلّبات الفيزيولوجيّة، بل لعلّ “فرويد” استمدّ هذه الأطروحة من “الفلسفة النيتشويّة”، التي ستُبَشِّر بعلم التّحليل النّفسيّ.

       يعتبر الفيلسوف الألماني فريريك نيتشه فيلسوف الجسد بلا منازع لكنّه أيضا وبشكل واضح يُعدّ فيلسوف النّقد بامتياز، وهو بهذا المشروع النّقدي يكون قد قلب كل الموازين، فاعتبر التّراث السّقراطي الأفلاطوني وكذلك الدّيانة المسيحيّة واليهوديّة والفلسفة المثاليّة الألمانيّة ضربا من المرض الحضاري الذي تَفَشَّى في المجتمع الغربي وأدّى إلى خَنْق الحياة وطمسها وتزويرها وتَدَنّي قيمتها، فاعتقد جازما أنّه من أوكد اهتمامات مشروعه الفلسفي نقد الحداثة التي تغلغلت داخلها الدُّغْمَائيّة وطغت عليها أشباح المقولات الفضْفاضة الوهميّة فاجتهد بمطرقته النّقديّة في هَدْم هذه “الأصنام” وتحطيم “أوْثان المعرفة” وتقويض أُسُس التُّراث السّقراطي الأفلاطوني. وفي هذا المناخ النّقدي برزت مقولاته الصّادمة كموت الإله والعدميّة والحقد الدّفين والانحلال الثّقافي وإرادة القوّة والحياة…إلخ. فلم يَنْجُ من ضربات مطرقته أحدٌ من أصحاب الفكر والفلسفة جذورا ومظاهر حديثة: أمثال سقراط وأفلاطون والرّواقيّة والمسيح وبولس الرّسول وكانط وهيجل وشبنهاور وفاغنر واللّيبيراليّة والدّيمقراطيّة والقوميّة، والاشتراكيّة…إلخ28 وسخر منهم جميعا ووصفهم بالصّبيانيّين والسُّذَّج والكَذَبة وفضح حُجَجَهم المنطقيّة واعتبر جدليّتهم مجرّد تكتيكات إغوائيّة تُخفي وراءها جملة من التّحيّزات والمعتقدات الزّائفة حول الإنسان والحياة والعالم العلويّ. وسعى في المقابل إلى تأكيد الحياة بكل معانيها فهو “يقول نعم للحياة حتى الثّمالة”، وقد أكّد قيمة اللّحظة الرّاهنة المطلقة على حساب المآل، وأكّد أخلاقيات السّادة على حساب أخلاقيات العبيد، والإنسان الأعلى على حساب الإنسان الأخير، وأكّد عالم الحواس على حساب العالم المثالي، وأكّد التّغيير والألم على حساب الثّبات والرّاحة وأكّد المجابهة والحرب على حساب النّكوص والسّلام29. واضح إذن ممّا سبق أن فيلسوف المطرقة قام بتهديم كلّ ما بُني على العقل الزّائف وأكّد في المقابل أنّ الجسد هو أصل الإنسان ومصدر إبداعاته وأسّ وجوده يقول نيتشه “فأنا جسد ولا شيء غير الجسد”30، كما أكّد أن جميع معارف الإنسان وكلّ أفكاره ومفاهيمه إنَّما تكمُن خلف المؤثرات الغريزيّة وناتجة من حساسيّة الجسد ومرتبطة بمصادر ذات طبيعة غريزيّة وعاطفيّة، يقول في ذلك: “خلف أفكارك وعواطفك، يا أخي، يقبع سيّد جبّار دليل طريق مجهول، يُسمّى “هو”، في جسمك يسكن، إنّه جسمك”31. كما لا يخفى أنّ فيلسوف المطرقة قد احْتَفَى كثيرا بالجسم الحيّ المأخوذ بالحركة وبالرّقص وبالموسيقى وبالقوّة الشَّهوانيّة أي بكلّ ما يُفرزه الجسد من طاقات إبداعيّة خلاّقة “الجسم، حسب تعبيره، هو عقل كبير، جمهور متحمّس، حالة سلام وحرب، قطيع وراعية، هذا العقل الصغير الذي تدعوه روحك، يا أخي، ليس إلاّ أداة بيد جسمك، وأداة صغيرة جدّا، ولعبة بيد عقلك الكبير”.32 

 ب-الجسد بما هو محور العالم ومنبع المعرفة:

      لا يخفى على أحد اليوم مدى تأثير المشروع النيتشوي على الفكر الفلسفي المعاصر خاصّة مع ظهور توجّه فلسفيّ ونقديّ جديد اهتم بالإنسان بما هو موضوع كلّ الفلسفة وبالجسد بما هو محور الوجود الإنساني ومنبع كلّ المعارف. فلقد نبّه كلّ من نيتشه  وسبينوزا من قبله الفلسفات اللاحقة إلى مدى أهميّة الجسد ومدى مِحْوَرِيَّتِه في فهم الإنسان، ليس فقط في مستوى المفهوم والماهية الذين يضلاّن دوما في صدارة الاهتمام الفلسفي بل أيضا وبالأخصّ في مستوى ما أثاره الجسد من إشكالات في أذهان الفلاسفة المعاصرين أمثال جون بول سارتر وموريس ميرلوبونتي ورولان بارت وميشال فوكو تتعلّق  بمدى تملّك الجسد لقدرات ذاتيّة ومستطاع غاب كلّيّا عن تفكير الفلاسفة الكلاسيكيين لأنَّهم نظروا إليه بما هو شيءٌ خارجٌ عنهم مضافٌ إليهم ومُزْعجٌ لنشاطهم التّأمّلي في مُعْظم الأحيان فكان لهم عائقا أكثر من أن يكون شرطَ وجودهم. إنّ الانتباه إلى قُدُرات الجسد وقوّة نضامه الدّاخلي ونسق برمجيّته الذّاتيّة والانشغال بإشكالاته والاشتغال على إمكاناته سواء في المجال العلمي او الفلسفي أو الفنّيّ كان وما يزال الشُّغل الشَّاغل للمفكِّرين والفلاسفة المعاصرين، فلا تفكير فلسفيّ حقيقيّ اليوم ولا انشغال فكريّ جدّيّ بالإنسان قادر على تحقيق أهدافه خارج طرح إشكاليّة الجسد في علاقته بالعالم وبالذّات وبالآخر. وحتى يرفع الفلاسفة المعاصرون خاّصة منهم موريس ميرلوبونتي اللُّبس عند طرح قضيّة الجسد كان لا بدّ من التّمييز بين موقفين منه أو إن أردنا بين حضورين لمفهوم الجسد في كتابات الفلاسفة والمفكّرين. فهناك طروحات فلسفيّة كثيرة يعود أصلُها إلى الفكر الفلسفيّ اليونانيّ ومؤثّراته على الفكر الدينيّ المسيحي والإسلامي، استَعْمَلت “مفهوم الجسد” بدلالة ما هو خارج عن الذّات الإنسانيّة، دخيل عليها أو مُضاف إليها، لا يُؤَسّس ماهيتها ولا يُمثّل جوهرها لذلك نادرا ما نجد في كتاباتهم أثرا “لعبارة جسد” وإن استُعْملت فهي تُحِيل إلى عبارة “جسم أو بدن ” وكثيرا ما يستعملون كلمة جسم لما لهذه الكلمة من محتوى ماديّ حسّيّ عرضي وزائل وشامل أيضا لكلّ ما هو مطروح في الطّبيعة بحيث لا فرق هنا جوهريّا بين جسم الإنسان وجسم الحيوان أو جسم أي شيء ممتدّ في المكان. وواضح من هذا الاستعمال داخل السّياق الفلسفي التّقليدي أنّ الوقوف عند البحث الماهوي للإنسان لا يتحدَّدُ بهذا البُعْد الجسمي الذي تشترك فيه جميع الموجودات الأخرى بل يتحدّد بالعقل أو بالنّفس بما هي خاصيّة مميّزة للإنسان، حسب اعتقادهم، وهذا ما يفسّر احتقارَهم للجسم الإنسانيِّ وازدراء ما يحتويه من غرائز يشترك فيها مع الحيوان، فالإنسان يتحدّد عندهم بما هو جوهريّ فيه وأزليّ (أي العقل أو النّفس او الروح) وليس بما هو عرضيّ وزائل (الجسم، المادّة، الغريزة). يقول الكنديّ في تحديده لماهية الإنسان:” إنّا بأنفسنا نحن ما نحن لا بأجسامنا”33، وهي عبارة صريحة تحسم في قضيّة الماهية الإنسانيّة نهائيّا مُخلصة في ذلك إلى منطق الفلسفة اليونانيّة وإلى مناخ الفكر الدّيني الإسلامي كما أراده وتبنَّاه مُأَوِّلُوه.  ولم يجانب ديكارت هذا المفهوم الميتافيزيقي للإنسان بل أكّده بقوله:” …فعرفت أنّي جوهر كل ماهيته وكل طبيعته لا تتحدد إلاّ بالفكر… فأنا أفكّر إذن أنا موجود…” ويقول أيضا في كتابه ” مقال في المنهج”:” فإنّ النّفس التي أكون بها ما أكون تتميّز كلّية عن الجسم ومع أنّها أكثر حضورا منه، وأكثر ممّا قد يكونه، فإنّها لن تسمح بأن توجد كلّ ما هي عليه”، فأنا جوهر مفكّر لا جسما ممتدّ. في حين أنّ عبارة الجسد لا تُطلق إلاّ على الإنسان ولا تُنسب لغيره، فهو الوحيد الذي يتميّز بهذا الحضور الجسديّ على الأرض، إنّه جسد حيّ معيش مُنْدَمِج اندماجا كليّا مع الوعي، إنّه حسب عبارة ميرلوبونتي جسد خاص (Corps propre)في مقابل الجسم أو الجسد الموضوع (Corps objet ) وفي هذا المجال بالذّات يكمن الفارق الشّاسع بين المنظومة الفكريّة التّقليديّة والمنظومة الفكريّة المعاصرة، فالأولى قامت في نسقها الدّاخلي على محدوديّة الفهم وعدم القدرة على التّمييز الاصطلاحي بين مفاهيم الجسم/الجسد والنّفس/العقل/الوعي وعلى التّناقض بين النّفس/الجسم والعقلي/المادي والعلوي/السُّفليّ والمقدّس/المدنّس والوعي/الجسد…فبنت نظاما أو نسقا فكريّا فلسفيّا متناسقا منطقيّا مع ذاته داخل مِسَاحة وهميّة وزائفة لا تعكس أيّ دليل واقعيّ وأرضيّ عل مصداقيّتها، وإن كانت قد حافظت على أهميّتها في مسارها التّاريخيّ ليس أكثر، إذ على أنقاضها بنى النّسق الفلسفي والفكريّ المعاصر موقفه من الوجود ومن الإنسان ومن المعرفة، نَخُصّ بالذكر النّسق الفلسفيّ الفينومينولوجيّ الذي تأسّس على يد “إدموند هوسرل” وتطوّر داخل مناخٍ وجوديٍّ في ألمانيا على يد “مارتن هيدجر” وفي فرنسا على يد كلّ من “جان بول سارتر وموريس مرلوبونتي”.

ولا ننسى أيضا بروز حدثين هامّين برزا في بدايات القرن العشرين أثَّرا شديد التأثير في الفكر المعاصر وهما الثّورات العلميّة المتتالية في مجال العلوم الدّقيقة كالرّياضيّات والفيزياء والبيولوجيا، وفي مجال العلوم الإنسانيّة كعلم النّفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا وغيرها، فتولَّى الفكرُ الفلسفيُّ المعاصر مهمةَ نقْد هذه العلوم في مستوى المناهج المتَّبَعة والنّتائج المتحصّل عليها ومدى انعكاسها على الإنسان فكانت ولادة المبحث الابيستمولوجي، كما جعلت هذه الفلسفة المعاصرة من أوكد اهتماماتها إشكاليّة الإنسان فتناولت محاوره الأساسيّة كمسألة الإدراك والوعي وعلاقتهما بالجسد وعالم الظّواهر، وأثارت  مسألة معنى الوجود واجتهدت في مراجعة المفاهيم الفلسفيّة الكلاسيكيّة ونقدها، ومحاولة تجاوز الفلسفة الميتافيزيقيّة وإعادة الاعتبار للجوانب المهمّشة واللاّ مفكَّر فيها والمرتبطة بصميم الإنسان فسجلّت أهميّة المبحث الفينومينولوجي.

لذا لا يمكننا معالجة قضيّة الجسد في الفكر الفلسفي المعاصر دون ربطها بهذا البروز المتميّز لنسق فلسفي جديد أو لذهنيّة مُستحدثة ستغيّر نظرتنا للوجود ولشروط الإدراك وهي الذّهنيّة الفينومينولوجيّة. ويُعدُّ هوسرل34 أوّل من أسّس دعائم هذه الفلسفة الظّواهريّة، التي سيكون لها وقْعًا قويّا في مراجعة دعائم الفلسفات الكلاسيكيّة ونقدها وتقويض أسس المعرفة عندها ودحض تصوّرها الوهميّ للإنسان.

      ويُعدّ موريس ميرلوبونتي من أبرز الفلاسفة المعاصرين الذين تأثَّروا بفلسفة “أدموند هوسرل” وأخلصوا للنّزعة الفينومينولوجيّة، وأكّد على مدى أهميّة حضور الجسد كدليل ساطع لوجود الإنسان في العالم، ويكون بذلك قد انقلب انقلابا جذريّا على التّصوّر الفلسفيّ التقليديّ للجسم، ويكون أيضا قد أحدث ثورة حقيقيّة تجاوز بها كلّ من تَصَوُّر هوسرل وهيدجر للعلاقة بين المعرفة والوجود منطلقا من مبدإ محوريّ للمدرسة الفينومينولوجيّة وهو” العود إلى الأشياء ذاتها” ووضع العالم بين قوسين أي أن ننظر له كما هو في واقعه دون أن نُلْحق به أو نُظيف له أيّ تأويل أو فهم أو تفسير، فالعالم موجودٌ وجودا موضوعيّا قبل أن نُكوّن معرفة حوله. ووسط هذا العالم يوجد الجسد لا بما هو مجموع من الأعضاء والملَكَات القابلة للدّراسة والمعرفة كما اعتقد التجريبيّون ومن اقتفى أثَرهم من علماء الفيزيولوجيا، ولا هو أيضا جملة من الاحساسات والمشاعر كما اعتقد الاتجاه التّقليدي في علم النّفس، بل بما هو جسد حيّ. ولا يفوتنا أن نشير في هذه النّقطة أن هذه المقاربة الفيزيولوجيّة والنّفسيّة جعلت في الأخير من الجسد مجرّد مادّة تشْييئيّة فارغة من الدّلالات والمعاني التي تُضفيها الذّات إلى العالم، فالجسد في التّصور الفينومينولوجي ليس ما يُدرس وإنما ما يُعاش.  لذلك اجتهد ميرلوبونتي في إخراج الجسد من اختزالات السّيكولوجيا والفيزيولوجيا وجعله محور رحاب الفينومينولوجيا فأصبح الجسدُ بحقٍّ “جواز سفر”35 بجانبيه: الجسد الموضوعي corps objectif به نُدرك العالم ونتحرّك نحو الأشياء، والجسد الذّاتي corps subjectifلإدراك العالم المعيش والانخراط فيه، محايثًا للزّمان الذّاتي والانبساط في فضائه بشكل مُطلق، لمعايشة الخلود في آنيّته، في المكان والزمان أو الهنا والآن.

     لقد أحدث ميرلوبونتي نُقلة نوعيّة في مجال العلوم المعرفيّة حين أعطى للجسد ما لم يَجْرُؤ أحدٌ أن يمنحه له، وهو الحقّ في التّعبير عن نفسه حين جعل من اللاّمرئيّ مرئيًّا أي تمكينه من التّعبير عن حاجاته ورغباته بواسطة اللّغة. 36      

 والسّؤال الذي يدافع عن حضوره هنا هو كيف تمَكَّن ميرلوبونتي ضمن تصوُّرِه الفينومينولوجي للجسد أن يُحوّله من موضوع خاضع للتجزئة والتّفكيك مع علم النّفس والفيزيولوجيا إلى حالة معيشة أو ظاهرة لغويّة وجنسيّة ومكانيّة تُعَبّر عن نفسها ضمن وحدة لا انفصام فيها؟

 يقول موريس ميرلوبونتي:” ثمّة معنيان لكلمة وجود،exister فالمرء يوجد كشيء، ويوجد كشعور، أمّا وجود الجسد بالذّات فإنّه يكشف لنا على  العكس صيغة وجود غامضة”، فعلا إنّ هذا الغموض يحيلنا إلى التّلميح بادئ ذي بدء إلى أنّ تناول إشكاليّة الجسد داخل المناخ الفلسفي الفينومينولوجي يختلف كلّيّة عن التّناول الفلسفي الكلاسيكي له، ويختلف  أيضا عن تعامل الإنسان العادي معه. ففي حين لم يتعامل الفلاسفة التّقليديّون وكذلك علماء النّفس الكلاسيكيّون وعلماء الفيزيولوجيا مع الجسد إلاّ من حيث هو أداة أو مادة أو امتداد لا يعكس النّفس ولا يعبِّرُ عن الإنيّة وحين اخْتزله علم النفس الكلاسيكي في مجموعة من الانفعالات والمشاعر التي تظهر في السّلوك الجسمي وحين عدَّه ُعامّة النّاس مجرّد ملكية نستغلّها ونستعملها في شتّى المجالات، أكّد ميرلوبونتي على النّقيض من ذلك أن الكائن البشريّ هو كائن مُتجسّد أي أن جسد الإنسان دون سواه هو في الآن ذاته جسم-موضوع corps objectوجسد-ذات corps propre، بمعنى آخر إنّ للإنسان جسد يملكه وجسد يَكُونُه . وقد سبق أن عبّرت المفكّرة الوجوديّة “سيمون دي بوفوار” عن هذه المفارقة فقالت:” المرأة كما الرَّجل هي جِسْمُها، بيد أنّ جِسْمَها هو شيء آخر غيرها”37 إنّنا نقيم مع جسدنا علاقة هي في نفس الوقت أداتيّة وتكوينيّة، فكلّ جزء من جسدنا وكلّ حالة يعيشها هي في الآن ذاته جزء منّا وموضوع خارجيّ نستطيع ملاحظته وتأمّله.  يكتب “بول فاليري  Paul Valery” في هذا الشأن فيقول:” يتأمّل المرء يده فوق المائدة، فيترتّب عن ذلك دائما انْشِدَاهٌ فلسفيٌّ، فأنا في هذه اليد، وأنا لست فيها، إنّها أنا وليس أنا. وفي الواقع إنّ هذا الحضور يفرض تناقضا، فجسمي تناقض، يوحي ويفرض التّناقض، وهذه الخاصيّة هي التي ستكون أساسيّة في نظريّة حول الكائن الحيّ، إذا ما عَرَف الإنسانُ التّعبير عنها بعبارات محدودة.”38 وستكون فعلا القضيّة المركز في التَّصوّر الفينومينولوجي وستتربّع كتابات موريس ميرلوبونتي، إنّ هذه القضيّة المحوريّة التي ستتبنَّاها فلسفة ميرلوبونتي الفينومينولوجيّة يمكن أن تُضْبَطَ في الطّرح التّالي: كيف يتيسّر تأسيس فلسفة للجسد قادرة في الآن نفسه، من تجاوز الإرث الفكريّ التّقليديّ، فلسفي كان أو علمي، وفضح مغالطات وضيق فهم وفي أغلب الأحيان سُوء فهم للجسد في علاقته بالإنسان، وتَشْيِيد في المقابل فلسفة معاصرة ثوريّة تهتمّ بالجسد بما هو محور الإنسان وأُسّ وجوده مُبْرزة المعنى والقيمة الجسديّة للإنسان؟

       لم يتخلّص الفكر الحديث والمعاصر من النّظرة الدّونيّة للجسم المشحونة بالمواقف الأنطولوجيّة والدّينيّة والأخلاقيّة التي وإن اختلفت مَعَادِنُها، فهي تلتقي في اعتبار الجسم موطن الخطيئة ووَكْرٍ لِلَّذَّات الحسيّة بالإضافة إلى كونه مجرد امتداد أو مادّة لَصِيقَة بالحسّي وبالزّائف وبالزّائل في مقابل علويّة النّفس وجوهريّتها، إلاّ حين تمكّنت علوم الفيزيولوجيا والبيولوجيا خلال القرن الثّامن والتّاسع عشر من تناول الجسم كموضوع مُثير للاهتمام والعناية نظرا لمدى تعقّد تركيبته ولمدى دقّة ترابط أجهزته وأيضا مدى تفاعل آليّاته داخل بنية مستقلّة لها قوانينها الخاصّة وبرمجيّتها الذّاتيّة. وإن كان كلّ من ديكارت وسبينوزا يُعَدَّان من الأوائل الذين نَوَّهوا إلى ضرورة العناية بالتّركيبة الجسميّة للإنسان وإيلائها ما تستحقّ من المعرفة والفهم والدّراسة حتّى يتمتّع الجسد بالصّحّة اللاّزمة والمحافظة على توازنه، فإن العناية العلميّة والطّبيّة بالجسم الإنسانيّ شهدت أرقى صورها في هذا العصر، فالاهتمام بالجسد أصبح اليوم الرّهان العلميّ الرّئيسيّ فأضحى السّهر على الرّاحة الجسديّة والسّلامة البيولوجيّة والعناية الفيزيولوجية وكذلك الإحاطة بالجانب الفيزيونومي والجمالي لمظاهره وشكله ولِيَاقته من أَوْكَدِ اهتمامات الصّناعة الجسديّة اليوم. لكن يبدو في المقابل أن هذا الاهتمام البالغ في معرفة خبايا الجسم وقوانينه والعمل على استغلالها لصالحه لاَزَمَهُ في ذات الوقت غيابٌ شبه كلّي لظاهرة الوعي بقدراته وإمكاناته بحيث تَفَاقَمَ استيلاب الإنسان لجسده وغُرْبَتِه عنه رغم مُلَازَمَتِهِ له دوما في الهنا والآن، ورغم إدراكه الطّبيعي بأنّه لا يمكن أن يتواجد على الأرض ولا يمكن له أن يَرْبِطَ علاقات مع الآخر إلاّ بجسده وعبره ومن خلاله. إن هذه المفارقة السّاطعة هي التي ستدفع بالمحاولات الفلسفيّة المعاصرة عبر فلاسفة أمثال فريدريك نيتشه وجون بول سارتر ورولان بارط وميشال فوكو وخاصّة موريس ميرلوبونتي إلى إعادة طرح مسألة الجسد لا بما هو آلة أو مادة أو موضوع، وإنّما بما هو ذات متجذّرة في العالم حاضرة حضورا جسديّا على الأرض.

       أحدثت الفلسفة الفينومينولوجيّة، بدأً من هوسرل ومنذ القرن التّاسع عشر ثورةً حقيقيّةً غيّرت بها تغييرا جذريًّا التّصوّرَ الفلسفيَّ التقليديَّ للجسد، وقد انطلقت من المبدأ المركزي للفينومينولوجيا، كما أسلفنا، وهو “العودة إلى الأشياء ذاتها” أي إلى الجسد على اعتبار أن أوّل تجربة يخوضها الإنسان هي تجربة حضوره في العالم التي لا تكون إلاّ عبر ومن خلال الجسد. وبذلك يصبح الجسد هو بمثابة الشّاشة التي يستطيع كل فرد التّعبير عن ذاته واقعيّا وعن العالم من خلالها. وهو ما يجعلنا نُقِرّ مع سارتر أنّ الجسم وأجهزته ليس “أداة الإنسان” كما أعلن كارل ماركس، بل “الأداة التي لا أستطيع استخدامها بواسطة أداة أخرى”39، فالانطلاق إذن يجب أن يكون من العالم، عالم الظّواهر، ومن اعتبار أن الإنسان يوجد كجسد حيّ داخل هذا العالم، لا فقط كجسد-موضوع أي جسم عُضويّ قابل للملاحظة والدّراسة العلميّة بل يوجد أيضا كجسد-ذات، أي جسم طبيعي حيّ خاص بكلّ شخص.

       لئن احتفى فريدريك نيتشه بالجسد المتحرّك والسائر والرّاقص، والمأخوذ بالموسيقى وبالقوّة الشهوانيّة الغريزيّة بحيث تصوّر الجسد “عقل كبير، جمهور متحمّس، حالة سلام وحرب، قطيع وراعية. هذا العقل الصغير الذي تدعوه روحك، يا أخي، ليس إلاّ أداة بيد جسمك، وأداة صغيرة جدّا، ولعبة بيد عقلك الكبير”.40 فإنّ موريس مرلوبونتي سيعتبر أنّ لكلّ فرد جسمه الخاص وإنّ النّفس لا تستخدمه  بل على العكس من ذلك هي موجودة “بواسطة الجسد”41، فأنا “لست أمام جسدي، أنا في جسدي، أو بالأحرى أنا جسدي”42 وهذا ما يجعلنا نستنج مبدئيّا من وجهة نظر فلسفة الظّواهر أنّ علاقة الجسد بالعالم ليست علاقة معرفة بل علاقة تواطُؤ، يقول ميرلوبومتي:”إنّ تجربة الجسد الخاص تُعارِضُ الحركة التَّأمّليّة التي تُحرّر الموضوع من الذّات والذّات من الموضوع، والتي لا تُقَدِّمُ لنا إلاّ فِكْرَةَ الجسد أو الجسد في فكرة وليس تجربة الجسد أو الجسد في العالم.”43 يقطع ميرلوبونتي نهائيّا مع فكرة الفصل بين الذّات العارفة والموضوع المعروف بين الوعي من جهة والجسد من جهة أخرى، فليس الجسد هو ما ندركه بل ما به ندرك وليس هو كما اعتقد البعض عائق أما فعل التَّفكير بل هو شرط كلّ تفكير. إنّه المدى المعبّر أو هو الشّاشة بيننا وبين العالم، إنه يُسقط على العالم الخارجي معاني الأشياء بإعطائها مكانا، إنَّ جسدنا بهذا المعنى هو الذي يرسم ويُحيي عالما، إنه “وسيلتنا العامة لإحياء عالم “والمؤتمن على الرّؤية واللّمس، إنّ الجسد هو أثر في العالم “بطانة خارجيّة للنّفس مؤثّر – متأثر، راء – مرئيّ”44 لم يعد هناك إذن أيَّ حدٍّ أو فاصلٍ بين الجسد والعالم، إنّهما يتشابكان في كلّ إحساس ويتقاطعان، إنّهما “يُشَكِّلَان ذات النّسيج، بحيث يكون جسم الفرد الحاس وجسمه المحسوس كما الوجه والقفا.”45 “وهكذا فإنّ محاولة تجاوز التّضاد ما بين الحاسّ والمحسوس في الإحساس، تقود بذلك إلى جعل الذّاتيّة ظاهرة اِلْتِفاف للمدرِك على ذاته، وهو ما يفترض تفاعلا ذا طبيعة جسديّة، حلقة معكوسيّة الحواس”46 وهذا ينتهي بنا إلى نتيجة أخرى وهي أن العالم يمتلك جسدا كما كلّ فرد من بيننا. يقول ميرلوبونتي:” إنّه ما يشكّل الوزن والسّماكة، والجسد لكلّ لون وكلّ صوت، وكلّ تركيب ملموس للحاضر وللعالم، وكم سيشعر هذا الذي يُمسك بها بانبثاقه منها عبر شكل من الالتفاف  والازدواج، متجانس للغاية معها لدرجة أنّه المُدْرَك ذاته منطبِقًا على نفسه وأنّه بالمقابل يكون المدرك في عينيه كما لو أنّه صُنْوَهُ أو امتداد جسده.”47

       أثبتت التجربة المباشرة التي يعيشها كلّ إنسان أنّه يكون في وضعيّة عاديّة داخل عالمه الطّبيعي حين يكون جسما من بين الأجسام مُتَشَكِّل بنفس الطَّريقة التي تَشَكَّلَتْ بها كلّ الوقائع التي تُحيط به، لذلك تبدو الخاصيّة الأولى للجسم أنّه يحتلّ حيِّزا من المكان ويحتلّ مساحة تُعطيه خاصّية البُعد المكاني، أي أنّه يظهر كجسم فيزيائيّ ممتدّ في المكان. لكن هذه خاصيّة كلّ جسم، فما الذي يميّز جسم الإنسان عن الأجسام الأخرى؟

يتميّز الجسد الإنساني على الأقلّ بخاصيتين أساسيّتين حسب رأينا فهو مصدر معارفنا ومنبع إدراكاتنا وهو أيضا محور هويّتنا ودليل أنانا وصورة شخصيّتنا وفردانيّتها.

       لم يعط أحدٌ القيمة التي يستحقّها الجسد ولم يُولِ اهتماما بالغًا بمحوريّة الجسد قدْر ما أعطى واهتمّ الفيلسوف الفينومينولوجي موريس ميرلوبونتي، إلى الحدّ الذي يسمح لنا بوصف هذا الإنجاز الفكري الفلسفي بإنجاز ثوريّ بالمعنى الدقيق للكلمة في مجال الادراك والمعرفة، فقد مثّل ثورةً ضدّ أُسُس المعارف العلميّة البراغماتيّة وكذلك ضدّ أُسُس المعارف الميتافيزيقيّة إنَّها ثورة تجد ركائزها في النّمط الفينومينولوجي. ويُعَدُّ كتاب “العين والعقل” وكتاب “ظواهريّة الإدراك” من أبرز كتبه التي تناولت مسألة الجسد في علاقته بالمعرفة والإدراك بكلّ دقّة وكلّ جديّة.

ويُعتبر كتاب “العين والعقل” من أروع ما كتب الفيلسوف، وهو في الأصل محاضرة أعدّها ميرلوبونتي سنة 1960 وطُبعت أوَّل مرّة سنة 1964، وكانت الغاية المركزيّة لهذه المحاضرة تأكيد وتوضيح أنّ “الإدراك الحسّي للعالم يبدأ بالرُّؤية، وأنّ هذه الرُّؤية تتّجه أوّل الأمر إلى سطح العالم، لكنّها لا تَلْبث أن تَتَوَغّلَ داخله بحيث يُدرك الإنسانُ العالمَ المحسوس ويبلغ خفاياه لكن من غير أن يتخلّى عن الرّؤية”48. وبما أن العين هي مصدر الرّؤية وهي في أصلها جسديّة طالما أنّها مُتجذّرة في الجسد، وطالما أنّ الإدراك هو قبل كلّ شيء إدراكٌ حسّيٌ ويتمّ بهذه النّظرة النّافذة، فقد سعى الفيلسوف إلى توضيح هذه النّظرة وإبراز خصائصها المميّزة لها. ووضعها في مقابل النّظرة العلميّة للعالم وقد اعتمد ميرلوبونتي في توضيح ذلك مقارنة ومماثلة جدّ دقيقتين. فقد بين أن العلم حين ينظر إلى الأشياء ويتعامل معها فهو يعالجها ويصنعها ويستخدمها، لكنّه لا يَسْكُنُ فيها أي أنّه لا يحُلُّ بها ولا يبقى داخلها.49 وهذا يعني أن العلم لا يهتمُّ بتمعين الأشياء بقدر اهتمامه بتقنينها، فهو يتوجّه بأدواته العلميّة إلى كشف علاقات الأشياء والظّواهر، لا الاهتمام بالأشياء والظّواهر ذاتها. وقد بيّن أن عمليّة الإدراك الجسديّ، عن طريق الرُّؤية، للعالم وما يحتويه من ظواهر وأشياء تَنْفُذ في عُمْقِهِ وتسكنه، ووضّح الفارق الشّاسع بين الاستخدام والسَّكن بمثال “بنّاء القصر وساكنه”، فالبَنَّاء بعدّته وأدوات بناءه يُشَيِّدُ القصور لكنّه لا يسكن فيها ولا يُقيم بها، ويبدو الفارق في أقصى درجاته لدى صانع هذه الأدوات والعدّة، فهو يعالج هذه الأدوات والآلات التي يَصْنَعها ويُعدّها للاستعمال لكنّه لا يُقيم في الآلات ذاتها50. وانطلاقا من هذه المماثلة نُدرك أن هذا البَنَّاء يُماثل العقل العلميَّ الذي يسعى إلى تحويل الأشياء، فهو حسب ميرلوبونتي لا يسكن العالم بل يدخل به إلى المخبر حيث يُحَوِّله إلى مُنْتَجَات مُعِدَّةٍ للاستعمال. فالعِلْم إذن لا يَنْفُذ إلى الأشياء بل يقتصر على معالجتها وصنعها. في حين أنّ النَّفاذ إلى عالم الأشياء يشترط الاتّصال المباشر بالعالم الواقعي وبالأشياء ذاتها. والأخطر من ذلك أن العلم البراغماتي قد أدخل أيضا الإنسان والتّاريخ إلى مصانعه فأفْقَدَهُمَا كلّ المعنى، باستعمال منهجيّةٍ صارمة. لذلك نجده يرفض بشدّة هذا الاستعمال العلمي الأَحَادِي الجانب الذي يعتمد في كل دراساته على مجموعة خصائص عامَّة وعلاقات منطقيّة رياضيّة ذات نَجَاعة فائِقَة لكنّها تُفقد في الآن نفسه مباشرة العالم والإنسان والتّاريخ وتَسْلِبُه البعد التّمعينيّ. وإنّ طُغيان هذه الثَّقافة العلميّة وشيوعها في العالم بأسره التي حوّلت الإنسان والتّاريخ إلى موضوعات نصنعها ونتحكّم فيها هي التي ستدفع بالفيلسوف إلى الدّعوة إلى ضرورة اقتداء العلوم التي أصبحت بهذا الأسلوب البراغماتي عمياء، بالمنهج الفينومينولوجي في رُؤْيتها للعالم وللإنسان. وهو منهج يتميّز حسب رأيه بترك الحقائق الفيزيائيّة جانبا والاهتمام بما تُعطيه الرُّؤية الحدْسيّة وما يحتلّ مكانا في الشّعور عن طريق هذه الرُؤية51. إنّ مشروع مرلوبونتي الفينومينولوجي ليس إدارة الظَّهر عن العِلْم وإزاحته، فالعلم يحتل مكانة هامّة جدًّا في مجال المعرفة والاستعمال، وإنّما يريد أن يدعو العِلْمَ من جديد بعد أن طلّق الفلسفة نهائيّا أن يعود إلى الأشياء ذاتها وينظر من جديد إلى العالم كما هو ويكوّن من خلاله نظرة فلسفيّة جديدة تعتمد على المنهج أو الأسلوب الفينومينولوجي الذي ينطلق من رُؤْية العالم، عالم الأشياء كما يَمْثُل في حياتها وعلى نحوِ ما يكون لجسدنا، هذا الجسد الفعلي الذي قال عنه ميرلوبونتي: “إنّه حارس يبقى صامتا عندما أتكلّم أو عندما أقوم بعمل”52. ولقد أكّد الفيلسوف في كتابه “العين والعقل” أنّ هذه الفلسفة الجديدة لا تقوم إلاّ على الفنّ وبالخصوص على فنّ الرّسم الذي يُعتبر المسلك الحقيقيّ الذي يمكن له أن يتناول العالم بهذا الأسلوب. فالرّسام وحده قادر على أن يُدرك العالم ويجعلنا نُدرك العالم، إنّه الوحيد بما لديه من عَيْن تُدرك ويد تَرْسُم ودون أي آلة أخرى، قادر على أن يستخرج من العالم لوحات فنيّة بها يقدّم الجديد لهذا العالم. فالرّسّام يرسم بحضور كامل جسده تُجاه عالم الأشياء ولعلّ هذا القول لبول فاليري 1871-1945 يؤكّد بعمق هذا المنطلق لفلسفة الجسد: “ليس التّصوير (بمعنى الرّسم)، تقوم به ويمكن أن تقوم به الرُّوح، ولكنّه يتمُّ بمُوجب عمل اليد والعين”. فبفضل عينيه ويديه يتمكّن الرّسّام من الاندماج مع العالم فيُقدّم لنا لوحات من شأنها أن تُضيف له شيئا جديدا. إنه بقُدْرَتِهِ الجسديّة المدْركة بالعين والفاعِلة باليد والمتمَثّلة بالعقل وأيضا باستغلال مهاراته ومواهبه الحدْسيّة الفنيّة الجماليّة يتمكّن الرّسام من الكشف عن خفايا العالم التي لا يمكن للعلم ولا للمعارف السّاذجة أن تتفطّن لها. ويبدو الجسد حسب التّصوّر الفينومينولوجي محورَ عمليّة الإدراك وفق حركة جدليّة دائريّة، فهو مدرِك ومُدرَك في الآن ذاته، إنّه لامِس ومَلْموس وحاسٌّ ومَحْسوس…فعمليّة الإدراك تتمّ بواسطة جسدي وفي جسدي، وإنّ هذا التّفاعل يدلّ على مدى التّضافر المستمرّ الموجود بين الرّؤية والحركة “فأنا أرى ما أتحرّك نحوه، وأتحرّك نحو ما أراه، والعالم المرْئيّ وعالم مشروعاتي المتحرّكة هي أجزاء شاملة من نفس الوجود. ومعنى هذا أن أغوص في المرئي بواسطة جسدي وأُطِلّ على العالم الذي أكون جزءا منه، هناك إذن تَواصُلٌ نسيجيٌّ بين جسمي الرّائي والأجسام المرئيّة”53. إن كان هذا النّسيج الرّقيق بين اللاّمس والملموس نلاحظه عند بعض الأشخاص الذين يتعاملون مع الأشياء بشيء من اللّطف والرِّقَّة، فإنَّه يكون أوضح عند مجموع الفنّانين والمصوِّرين والرّسّامين وكذلك النحّاتين الذين يبلغ بهم صَفَاءُ أجسادهم إلى الحدّ الذي لا يجعلهم يخافون الأشياء بل يتفتّحون للأشياء كما يؤكِّد ميرلوبونتي في كتابه “العين والعقل” فهو يذكر أن المصوّر أو الرّسّام لا ينظر إلى الأشياء بمنظاره الخاصّ بل بمنظار الأشياء فيه. وقد عمّق ميرلوبونتي دورَ عيْن الرّسّام في رؤيته للعالم وخلقه للوحات فنيّة تعكس هذه الحركيّة وهذا التّرابط مع النَّسيج الجسديّ الذي يُبْرِزُ ما يتخفّى من هذا العالم عن الإنسان العادي وكذلك عن نظرة العلم وفهمه لظواهر العالم…يقول ميرلوبونتي:” إنّ العين، بوصفها آلة تتحرّك بنفسها، ووسيلة تخلُقُ لنفسها غاياتَهَا، هي ما قد انفعل بواسطة تصادم معيّن مع العالم، وهي تُرجع هذا التّصادم إلى المرئيِّ علامات مرسومة لليد. إنّ التّصوير في أية حضارة يولد فيها، وأيًّا كانت المعتقدات أو الدّوافع أو الأفكار، أو الطُّقوس التي يحيط نفسه بها، وحتى إذا ما بدا مُكرِّسًا لشيء ما، منذ “لاسكو”* إلى اليوم، نقيّا كان أو غير نقيّ، مشخَّصا كان أو لا، لا يَحْفَل بلُغز آخر، سوى لُغز إمكانيّة الرُّؤية… فعالم المصوّر هو عالم مرئيّ، ولا شيء غير كونه مرئيّا…” ويقول أيضا: “إن التّصوير، أو الرّسم، لا يستدعي شيئا، وبصفة أخصّ ما هو لمسيّ، إنه يصنع شيئا مختلفا تماما، تقريبا العكس، إنّه يُعطي وجودا مرئيّا لما تعتقد الرّؤية أنه غير مرئيّ، إنّه يجعلنا في غير حاجة “للإحساس العَضَلي” لتَكُون لدينا جَسَامَة العالم. إنّ هذه الرُّؤية الملتهمة تُطلّ، فيما وراء “المعطيات البصريّة” على سياق للوجود لا تكون رسائِلُه الحسيّة المنفصلة سوى الفواصل أو الوقفات، وتسكنه العين كما يسكن الإنسان منزله”54 ونستنتج من هذا القول الأخير أنّ الرّسام وهو يُمارس فعل الرّسم أو التّصوير يقوم “بعمليّة سحريّة للرُّؤية” يعتقد من خلالها أن الأشياء تَمُرّ فيه وتتخلَّلُه أو بعبارة “مالبرانش” أنّ العقل يخرج عن طريق العينين لكي يمضي يتجوّل في الأشياء، بما أنه لا يكفّ عن أن يضبط عليها قدرته على الرّؤية 55.

 لقد عمّق ميرلوبونتي العلاقة التَّفاعليّة الجدليّة والاندماجيّة النّافذة بين العين، المصدر الجسدي للُّرؤية، وبين العالم وما يحتويه من ظواهر مرئيّة، أي بين الرَّائيِّ والمرئيِّ وما يتخلَّلهما من انفعالات وحدوس وأحاسيس ومعاني وبيّن أنّها تتجسّد كلُّها في ذاك النَّسيج الفنيِّ المنتَج في الصُّورة أو اللّوحة، وكأنّ الجسد قد تمركز في عمليّة الإدراك لكي يُبدع وهو يُبدع، يربط بوثاقٍ نسيجيٍّ بين الرّائِي والمرئِي والصّورة والآخر ضمن عمليّة تَمْعِين للعالم يُتَوَّج بِرُؤَى جديدة خلاّقة تغيب عن النَّاظِرِ العادي وتَنْفَلِتُ من كل تفسير براغْماتي، موضوعيّ وعلميّ ومَنْقوص. يبيّن ميرلوبونتي هذا التَّفاعل النّسيجيّ بين كلّ هذه الأطراف في اللّوحة الفنّيّة فيقول:” إنّ المصوّر يعيش في الانجذاب. وأعماله الخاصّة به، إيماءاته ورسومه التي هو وحده قادر عليها، والتي تُعَدّ بالنسبة للآخرين كشفًا، لأنّه ليس لديهم ما لديه من نواقص، يبدو له أنّها تَنْبَع من الأشياء ذاتها، مثل رسم البُرُوج. فبيْن المصوّر والمرئي تتبادل الأدوار على نحو لا يمكن تفاديه. ولذلك كثيرٌ من المصوّرين قد قالوا إنّ الأشياء تَنْظر إليهم. ويقول “اندريه مارشان” André Marchand “56 إنّي أحسست عدّة مرّات، وأنا في غابة، بأنِّي لم أكن أنا الذي ينظر إلى الغابة: أحْسَسْت في بعض الأيّام، أنّ الأشجار هي التي تنظر إليّ وهي التي تُكلِّمُني … وإنّي أنا كنت هناك أسمع… وأعتقد أنّ المصوّر ينبغي أن يخترقه العالم لا أن يريد اختراق العالم… إنّني أنتظر أن أكون مغمورا داخليّا ومدفونا، إنّني أصوّر ربّما لكي أبزغ”57. يُعلّق ميرلوبونتي على هذا الإحساس مبرزا قيمة التَّحَوُّل من عملية الإدراك الحسّيّ إلى الرُّؤية الجسديّة في الإلهام الفنّي بقوله:” إنّ ما نسمّيه شهيقا-إلهاما Inspiration، ينبغي أن يُؤخذ بالمعنى الحرفي: فهناك حقيقة شهيق وزفير للوجود، هناك تنفّس في الوجود، هناك فعل وانفعال لا يمكن بالكادِّ تمييزهما بحيث لا نعود نعرف من الذي يَرَى ومن الذي يُرى، من الذي يُصوِّر ومن الذي يُصَوَّر. إنّنا نقول عن إنسان إنّه قد وُلد في اللّحظة التي يُصبح فيها ما كان مرئيّا بالقوّة في باطن جسم الأم، أصبح في وقت واحد مرئيّا بالنّسبة لنا وبالنّسبة لنفسه. إنّ رؤية المصوّر هي ميلاد متّصل.”58 ولعلّ هذه الأمثلة والتّأكيدات التي طرحها مرلوبونتي في كتابه “العين والعقل” تجعلنا نقرّ هذه الحقيقة التي غابت كلّيا عن الفكر الفلسفي التّقليديّ وكذلك غيّبها العلم البراغماتي الحديث وهي أن الرُّؤية هي السَّبيل الوحيد لاندماج الجسد في العالم، واعتبار الجسد مركبة الإنسان في هذا العالم، وأن وحدة النّفس والجسد ليست مختومة برسم اعتباطيٍّ بين حدّين خارجيين، أحدُهُما الموضوع والثّاني الذّات، بل إن هذه الوحدة تتمّ في كلّ لحظة داخل حركة الوجود،  فالجسد من المنظور الفينومينولوجي كليّة ووحدة وجوديّة تحرّكها قصديّة، فنحن حسب م.م.بونتي لسنا وعيا قُبَالَةَ العالم، بل نحن فكر متجسّد، إنّنا كيان في العالم.59

       رغم تأكيد م.م.بونتي على مدى حضور الجسد في العالم ومدى تشابُكِهِ مع الذّات والأشياء والآخر، فإنّه يُخفي مفارقة يتخلّلها بعض اللُّبس. فالجسد من جهة يختلف عن الأشياء لكنّه يُعْتبر في نفس الوقت شيئا من الأشياء، يقول م.م.بونتي:” إنّي أرى أنّ الجسد هو موجود ذو مظهرين، فمن جهة هو شيء من الأشياء، ومن جهة أخرى هو الذي يرى ويلمس”60 وقد سبق أنّ بيّنا أن م.م.بونتي قد ميّز بين الجسم الموضوعيّ corps objectif   الذي لا يختلف عن أيِّ جسم قابل للملاحظة والتَّحليل والتَّفكيك وبين الجسم الفينومينولوجي أو الظّاهراتي Corps phénoménal الذي هو الجسد الذّاتي وملكيّتي الخاصّة وأنايا في نفس الوقت، و”كلاهُمَا يتجسّد في جسد واحد، فالجسد هو وعي ومعرفة، عليه تُبنى العلاقات الأنطولوجيّة مع الأشياء والآخرين والعالم، إنَّ تجربة الجسد الخاص هي تجربة المعيش، تجربة الوجود في العالم بغموضها والتباسها، هذه التَّجربة الوجوديّة وحدها هي التي تواجه الفكر التَّأمُّلي الذي يفصل بين الذّات والموضوع ويمنحها فكرة الجسم حيث ثمّة كيفيّات عديدة للجسد ليكون جسدا للوعي، ليكون وعيا61. فنُصبح عندها أمام “كوجيتو جسدي” أو كينونة جسديّة بهما تجاوز بونتي الكوجيتو الدّيكارتي الذي استُنزفت جميع قواه حين ظلّ مُنْغَلِقًا على ذاته ومُنْكَمِشًا داخل منطقة الفكر ومعزولا عن الجسد، وأكَّد على خلاف تصوُّرِ ديكارت أن الوعي لا يكون وعيا إلا بانْدِمَاجِهِ مع حالات الجسد وأن الوعي لا يحقّق حضوره إلا إذا كان متجسّدا. ويمكن اختزال هذا الكوجيتو الفينومينولوجي الجديد بعبارة “إني جسدي” وقد أثث م.م.بونتي هذه الوِحْدَة الاندماجيّة بين أشكال الإدراك والوعي وحالات الجسد بأمثلة واقعيّة كثيرة نأخذ منها مثال ظاهرة الإحساس بالعضو الوهميِّ membre fantôme، في مقابل الإحساس بالعضو المسْتَبْعَد membre libéré، فالإحساس بهذا العضو المبتور يبقى قائما حتى في حالة تخدير إذ لا يُزيلُ الشّعورَ بالعضو الوهميّ، وكأنَّهُ العضوُ الحقيقيُّ، فمُصاب الحرب الذي يفقد عضوا من أعضاء جسده كالذّراع مثلا يبقى يشعُر بها. وإن وجود حالات نفسيّة في حالة العضو المستبعد تُؤكِّد أن الجسم ليس بموضوع أو مجرد شيء ماديّ إذ أن الأشخاص المصابين بالشَّلَل في عضو ما يحاولون إهمال وجود ذلك العضو العاجز عن أداء وظيفته62.

ونستنتج من ذلك أن الجسد الخاصّ بالذّات هو الذّات عينها وأن تجربة المعيش هي تجربة الوجود في العالم بكلّ غموضها وبكل كيفيّات اِلْتباسِها. وبهذا الإقرار يُعلن م.م.بونتي نهاية الكوجيتو الفكري (عند العقلانيِّين) وتسجيل ولادة الكوجيتو الجسدي (عند أنصار الفينومينولوجية الوجوديّة).

ج-الجسد بما هو إنّيّة وهويّة متميّزة:

       لا أحد يمكن له أن ينكر هذه الحقيقة السّاطعة وهي الارتباط الوثيق بين “الهويّة الشّخصيّة” و”الهويّة الجسديّة”، فلا يمكن التَّعرّف على الإنسان بما هو جوهر متفرّد دون المرور من بوَّابة الجسد. ولا يخفى أن الجسد بادئ ذي بدء هو الذي يمنح لوجود الإنسان حضورَهُ الفيزيائيّ، وتواجُدَهُ في المكان واحتلالَهُ حيّزا في المدى. فأنا أتواجد أولا وبالذّات تواجدًا جسديًّا، ولا تتحقّق بوادِرُ معرفتي بذاتي “كأنا” متميّزا عن غيري إلاّ بشرط أوّلي وهو إدراكي لجسدي كظاهرٍ لِي أو محدّدٍ لمظهري وملامحي وصِفَاتي إمّا عن طريق رُؤية هذا الكلّ منعكسا على المرآة أو من خلال ملامسة جسدي والشُّعور به وهو يملأ كياني ويجسّده في الهنا والآن، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن هذا الشّرط الذَّاتي للتّعرف على ظَاهِرِ هويّتي يُدَعِّمُهُ شرطٌ آخر يرتبط بعمليّة إدراك الآخر لي، هذا الآخر الإنسانيّ، وإن كان لا يدخل جسدي برمّته في حالة إدراكه بل قد يتوقَّف هذا الإدراك عند بعض أجزاء جسدي ويُغَيِّب إن بوعي أو بدون وعي أجزاء أخرى، يبقى رغم ذلك الشّرط الأساسي لاحتلال جسدي مكانة في منطَقةِ وعيي به. أليس الآخر هو شرط وعينا بذواتنا وأليس الجسد هو الجزء الأساس لهذه الذّات؟

لكن لمْ تتمتّع وضعيّة الجسد هذه، في علاقتها بالذّات وبالآخر وأيضا بالأنظمة الأيديولوجية المختلفة، بوِئَامٍ تامٍّ وسِلْمٍ دائمٍ، بل مرّ الجسدُ بحالاتٍ متعدّدة من التّوتّر وبانتهاكاتٍ متنوّعةٍ لحقوقه الطّبيعيّة وباضطهاداتٍ مُميتةٍ لغرائزه عبر تاريخ البشريّة، يعود مصدَرُها حسب رأينا إلى ما يحمله الجسد في حدّ ذاته من مفارقات معقّدة يصْعُبُ تجاوُزها، وإلى التّأثيث الإيديولوجيّ والدّينيّ والأخلاقيّ المسَيَّج بسياج التّحريم والمنع والتّجريم الذي تَحْتَفي به ثقافات الشّعوب على اختلافها. فقد عُدّ الجسد منذ غابر الأزمان في السّجلّ الأخلاقيِّ والدّينيِّ مصدرا للرّذائل وموطنا للخطيئة ووكرا لِلَّذَّاتِ الحسيّة وبُؤرة تعفّن ونُتُونَةٍ كما عُدّ أيضا عوْرة يبْعث على الخجل ومجلبةٍ للعار، لكنّه في نفس الحين بقى الجسد مَدْعاة لاهتمامنا وأرضيّة انْتِشَائِنا ومظهر تألُّقنا ودليل بروزنا وإشعّاعِنَا، بحيث يصعب إن لم نقل يستحيل واقعيّا التّخلّص منه والتّنكّر لطلباته وعدم الخضوع لغرائزه، وكأنّ الجسد في ارتباطه العميق بحضور الإنسان وملازمته الدّائمة له يتميّز بالعِنَاد في إثبات وجوده وتحقيق مُتَطَلِّبَاتِهِ رغم تحقير المحَقِّرِين وتهميش المهَمِّشِين له ورغم التّنكيل ببعض غرائزه ووضعها في ملحمة المحظور والمحرّم والممنوع. رغم كلّ ذلك يبقى الجسدُ كما أسلفنا مرجعًا أصليًّا لكلِّ القيم حسب نيتشه، وعنوانَ انخراطنا في الحياة ومظهرًا حقيقيًّا وفعليًّا لهويّتنا. لنسجّل إذن تخلُّص الجسد نهائيّا من مظاهر النّجاسة والتّحقير عند مقارنته بالنّفس أو الرّوح أو العقل ليُصْبِحَ حافلا بالمعاني الرّمزيّة التي تختفي خلف الحضور المادّيّ للجسد، فاعتبرت اللغة التي استُعملت في الخطاب الفلسفي من أجل التّهجُّمِ على الجسد وتحقيره، الأصلَ في التّعبيريّة الجسديّة التي هي في الأخير تعبير عن الهويّة التي لا يُمْكن كَشْف مَكْنُونِها والتَّعمُّق في فهم شخصيّتها إلاّ حين يتكلّم الجسد مستعملا اللّغة للتّعبير، بإرادة التّحرّر بوعي أو بغير وعي، عن ذاك المحرمّ والمحظور والمكبوت حسب فرويد.

       لقد وفّر م.م.بونتي اهتماما بالغا بمدى ارتباط الجسد المتَمَوْضع في العالم بالسّلوك الذي يُعدّ عاملا أساسيّا في فهم الشَّخصيّة الإنسانيَّة، فنظر إلى الجسد من كلّ النّواحي: الفينومينولوجيّة والوجوديّة والنَّفسيّة السُّلوكيّة، وقد أولى اهتمامًا خاصًّا بالجانب السّلوكي النّفسي في كتابه “بنية السّلوك Structure du comportement ” وواضح من هذا الكتاب أن الفيلسوف كان شديد التأثّر بالمدرسة السّلوكيّة63 ودون أن ندخل في جزئيّات هذا الكتاب يكفينا أن نشير إلى أن ميرلوبونتي قد تعرّض في الفصل الأخير من هذا الكتاب إلى العلاقة بين النّفس والجسد واهتمّ خاصّة بمسألة الوعي الإدراكي La conscience perceptive، كما اعتنى أيضا بالتّحليل النّفسي وعلم نفس الطّفل، فرأى أن الجسد باعتباره الكُتلة اللّحميّة التي تعدو موطن العلاقة بين الذّات والعالم هي ذاتنا: “أنا الجسد الشّخصي”، إنها مرآة وجودنا، إن هذا الجسد الذي يحمل قوى مختلفة تُعَبِّر عن الأفعال الجسديّة تَنْعَكِسُ على السّلوك كبنية طبيعيَّة للجسد يكون باتصال مع العالم والآخر”.64  

في هذا السِّياق ونحن نطرح مسألة هويّة أو ماهية الإنسان في علاقتها الوثيقة بالجسد تجدُنَا مضْطَرِّين إلى تجاوز ذلك التّحديد التّقليدي الذي عرّف الإنسان بكائن عاقل وضبط جوهره بالفكر لنؤكّد في المقابل مع م.م.بونتي أن العقل ليس متحرِّرًا من الجسد وأن العقل أو فعل التَّعَقُّل ينشأ من طبيعة أدمغتنا وأجسادنا أي من تجربتنا الجسديّة ” فالآليات العصبيّة والمعرفيّة التي تُتيح لنا أن نُدرك ونَتَحرّك، هي نفسُها التي تخلُق أنْسِقَتَنَا التّصَوُّريّة، وتخلُق صِيَغَ تفكيرنا. وعليه، فلكي نفهم العقل، علينا أن نفهم تفاصيل نسقنا البصريّ، ونسقنا الحركيّ، والآليات العامَّة للتَّرَابُطَات العصبيّة”65، فالقول “إنِّي جسدي” لا يُحدِّد فحسب ماهيتي بل أيضا يُجَسِّد كلَّ شخصيَّتي ويُمَوْضِعُ وجودي في عالم الظَّواهر ويربطني في مستوى الحركة والمعرفة والإدراك بهذا العالم وبالآخرين.

         لقد غيّرت الفلسفة المعاصرة ونخصّ بالذِّكر الفلسفة الظَّاهراتية أو الفيمومينولوجيا المفهوم التّقليديَّ للهويّة البشريّة الذي جزّأ الشَّخصيَّة إلى مكوِّناتها كالعوامل الفيزيولوجيّة والفيزيونوميَّة والنّفسيّة بحيث لم تتفطّن إلى أن كلّ هذه المكوِّنات تُختَزَلُ في الأخير في كلّية الجسد ومِحْوَرِيَّته لا بما هو موضوع كما أسلفنا أي بما هو ظاهرة فيزيولوجية ولا بما هو ظاهرة نفسيّة أو مجرّد ملامح فيزيونوميّة بل بما هو حضور دائم في العالم يتحرَّك ضِمْنَهُ وداخلهُ باستمرارٍ إنَّه جسد مُعَاش في كلّ دقائق إحساساته وانفعالاته وإدراكاته موظِّفًا في ذلك كل طاقاته الجسديّة من رُؤْية ولمس وذوق وشمّ في تفاعل متداخل غير مجزَّئ وفي علاقة جدليَّةٍ بين الرَّائيّ والمرئيّ واللاَّمِس والملمُوس…إلخ ضمن وسط من الظَّواهر والأشياء التي تفتقد كلّ معنى ودلالة بغير فعل الجسد وحركاته. يقول ميرلوبونتي:” فالجسد هو واسطة الكائن في العالم، وامتلاك جسد يعني بالنِّسبة للكائن الحيّ الانضمام إلى وسط محدَّدٍ، والاندماج بمشاريع معيَّنة والانخراط بها باستمرار”66 إن الجسد بهذا المعنى هو محور الذّات ومحور العالم في آن واحد ومنه تنبع كلّ المعاني والمعارف بفضل هذا الاندماج الذي يحصل بين ما هو فيزيولوجيّ وما هو نفسيّ في الجسد بفعل القصديّة التي توجه إلى العالم. وحتى يؤكد م.م.بونتي وحدة الشّخصيّة الإنسانيّة في المنظور الفينومينولوجي داخل عمليَّة الإدراك وانسجامها مع وحدة أعضاء الجسد يعود إلى مثال العُضْو المبتُور بحيث يقول:” إن جسدي هو محور العالم، إنّني أعلم أنّ للأشياء وجوهًا عدّة لأنّني أدور حولها… نطرح الأسئلة على اليد التي لم أعد أملكها. وهكذا تتحدَّد في مجمل جسدي مناطق من الصَّمْتِ ومع هذه المناطق يَسْمُطُ جزءٌ من العالم، وبذلك نَرْسُمُ دائرةً خاصَّةً بنا وسط دائرة العالم نُحدِّدُهَا بانخراطنا فيها وتَدْوِيمِهَا عبر عيشها وتذكّر ماضيها. فالذّاكرة بمساعدة الانفعال تُظْهِرُ العضوَ الوهميَّ أو تُخْفِيه، فعلى الرَّغم من بَتْر العضو تبقى ذاكرتُه مُشْتَغِلَة وانفعالاتُه مسْتَتِرَة دون أن يسمح الجسم بالفراغ، يقول ميرلوبونتي: “وأخيرا لماذا يُلغي قطع الأعصاب النّاقلة إلى المركز العضوَ الوَهْمِيَّ من وجهة الكائن في العالم؟ يعني هذا أن الإثارات الآتية من الجذع تُبقي العضوَ المبْتُورَ في دَوْرَة الوجود، فهي تَطْبَعُ وتُحافظ على مركزه، وتعمل على ألّا يَنْعَدِمَ وأن يبقى له حساب في الجسم، وهي تحضر الفراغ الذي سوف يملأ تاريخ الفرد”67. أضف إلى ذلك إن جميع تصوّراتنا وأحكامنا ومقولاتنا ومعارفنا نضنّ خطأً أنّها ناتجة من “العقل المحض” كما اعتقد التّقليديون من الفلاسفة والمفكرين، بل هي في الأصل بنيات عصبيّة تتحرَّك في الدِّماغ البشريِّ المتجسّدِ، تمكِّنُنَا من أن نُخصِّصَ مقولاتَنا ذهنيًّا ونُفكرّ فيها. يقول “جورج لايكوف” و”مارك جونسن” في كتابهما “الفلسفة في الجسد”:” إنّنا نكوِّنُ بنيات تصوريّة غنيّة بشكل مُذْهل لمقولاتنا ونُفكِّر فيها بعدَّةِ طُرقٍ حاسمة في اشتغالنا اليوميّ، كلّ هذه البنيات التَّصوريَّة هي بالطَّبع بنيات عصبيّة في أذهاننا. وهذا ما يجعلُها مُجَسَّدَة بالمعنى المبُتذل الذي يكون فيه أي بناء ذهنيٍّ مُتحققا عصبيّا. غير أن هناك معنى أعمق وأهم، تكون فيه تصوراتُنا مُجَسَّدة. إنّ ما يجعل التَّصوُّرات تصوُّرات، هو قدرتُها الاستنتاجيّة، وإمكان أن تُربَط ببعضها فتُؤدي إلى استنتاجات. التَّصوُّر المتجسّد بنية عصبيّة تُعَدّ في الواقع جزء من، أو تَسْتَخْدِم، النَّسَقَ الحِسِّيَّ الحركيَّ لأدمغتنا. ولذلك، فأغلب الاستنتاج التَّصوُّري استنتاجٌ حسيٌّ حركيٌّ.”68 وهذا يجعلنا نَخْلُص إلى أنّ الإنسان بما لديه من هويّة متميّزة ومن قُدُرَات إبداعيّة في جميع المجالات المعرفيّة والعِلميّة والفنيّة يتَمَحْوَر في الجسد وعبره ومن خلاله.

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو LE-CORPS-PROPRE.jpg

المراجع:

.25. “فريديريك نيتشة” فيلسوف ألماني، ناقد ثقافي وشاعر ولغوي وباحث في اللاّتينيّة 1844-1900 يحلو للبعض أن يُطلق علية أسم “فيلسوف المطرقة” لما له من جرأة نقديّة دامغة هدّم بها بناء الفكر الفلسفي والدّيني التّقليديّ.

26.أفلوطين Plotinنحو 205-270م فيلسوف يوناني وهناك من يقول إنه مصريّ المولد. يُعتبر أبرز ممثّلي الأفلاطونية الحديثة، من أشهر كتبه “التّاسوعات” وكان له دور في تقريب الفلسفة الأفلاطونيّة للدّيانة المسيحيّة.

27.يقول أفلاطون:” كانت البهجة في نفسي يوم أن لاحت لنفسي محبّة الحقيقة المُشرقة وكان ذلك عندي أعظم من كلّ لذّات الجسد”. 

28.”ملاحظات حول فلسفة نيتشه” هشام غصيب. الحوار المتمدن عدد 3904

29.نفس المصدر بتصرّف.

30.ف. نيتشة. “هكذا تكلّم زرادشت”، باريس، قاليمار، 1974، ص46

31.نفس المصدر، ص .93

32.نفس المصدر

33.الكندي،

34.إدموند هوسرل، فيلسوف ألماني ولد في موراویا في تشيكوسلوفاكيا في عام 1859وتوفي سنة1938، وهو مؤسّس الفلسفة الفينومينولوجيّة.

35.مقال: الجسد فضاء للتّخفّي والتستّر عند ميرلوبونتي. هشام مبشور. مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.

36.راجع كتابَيْ موريس ميرلوبونتي: “المرئيّ واللامرئي” visible et invisible و “العين والعقل” l`œil et l`esprit

37.سيمون دي بوفوار. “الجنس الثاني” باريس غاليمار 1949 الجزء الأول ص 66

38.بول فاليري: Mauvaises pensées et autres  باريس، غاليمار “مكتبة  لبلياد”  1960 ص 797.

39.جون بول سارتر: الوجود والعدم غاليمار. باريس 1943 ص. 394

40.ف.نيتشه. “هكذا تحدّث زرددشت” باريس غاليمار 1974 ص 46.

41.موريس ميرلوبونتي: “فينومينولوجيا الادراك” – باريس – غاليمار 1945 ص 161

42.نفس المصدر.ص175

43.نفس المصدر ص 231

44. م.م.ميرلوبونتي. “العين والعقل”  l`œil et l`esprit باريس غاليمار 1964

45. م.م.ميرلوبونتي، المرئي واللامرئيLe visible et l`invisible باريس غاليمار 1964.

46.ميشالا مارزانو، “فلسفة الجسد عند ميرلوبونتي”، ترجمة نبيل أبو صعب ص 60.

47.المرجع السّابق ص 153

48.كتاب”العين والعقل” موريس ميرلوبونتي ترجمة د. حبيب الشّاروني. المقدمة ص9.

49.المصدر السّابق ص10

50.المصدر السّابق ص10

51.نفس المصدر ص12 

52.نفس المصدر ص13

53.تفس المصدر ص 16

54.كتاب “العين والعقل” م.م.بونتي ص 26-27

* يقصد الفيلسوف “رسومات كهف أو مغارة لاسكو” الموجودة في جنوب غرب فرنسا والتي رُسمت على جدرانه قبل 18 ألف سنة.

55.المصدر نفسه. ص 28

56.اندريه مارشان،1916 – 1988 عالم فطريات فرنسي.

57.جان شاربونييه، مناجاة المصوّر، باريس 1959 ص 143-145

58.”العين والعقل”، م.م بونتي ص32  

59.راجع كتاب ” فينومينولوجيا الإدراك” م.م.بونتي، الفصل الثالث، مكانيّة الجسد الذاتي والحركيّة ص 91

60.م.م.بونتي، “المرئي واللامرئي” ص180

61.م.م.بونتي “فينومينولوجيا الإدراك” ص114

62. نفس المصدر ص92.

63.السلوكيّة: أو علم نفس السّلوك Behaviorisme تأسّست في امريكيا سنة 1912 على يد جورج واطسن.

64.نظريّة فينوميلوجيا الجسد عند ميرلوبونتي ص96 إعداد نعيمة بوشريط.

65.كتاب “الفلسفة في الجسد” تأليف، جورج لايكوف و مارك جونسن.ص38

66.م.م.بونتي، “فينومينولوجيا الإدراك” ترجمة فؤاد شاهين، نشر معهد الانماء العربي، ص.78

67.نفس المصدر ص78

68.الجسد فضاء للتخفّي والتّستّر عند ميرلوبونتي، مقال لهشام مبشور ص9

Avatar

عن فتحي جوعو

فتحي بن الطّاهر جوعو، تونسيّ الجنسيّة، من مواليد 1956 بمدينة حمّام الأنف الموجودة في الضاحية الجنوبيّة للعاصمة تونس،متحصّل على شهادة الباكالوريا اختصاص آداب، ومتحصّل على الإجازة في الفلسفة من جامعة دمشق بالقطر السوري، مارس تدريس الفلسفة بالمعاهد التونسيّة طوال ثلاثة عقود ونصف، له كتابات متعددة ومتنوعة في الفكر والأدب والفلسفة والفن. صدر له كتاب: "انفعالات نرسيس، مقاربات فلسفيّة لنصوص جلال المخ الشّعريّة".سنة 2016 وكتاب:" الجسد هو الأصل: قراءة في مفارقات الجسد" سنة 2018 وكتاب:" أزمة المعنى" سنة 2018 وقيد النشر : كتاب " انتفاضات برومثيوس": مقاربات فلسفيّة لكتابات جلال المخ السّرديّة وكتاب" قراءات في الآداب والفنون"

2 Replies to “الجسد بما هو أصل الوجود ومنبع الحياة: الفصل الثالث من كتاب “الجسد هو الأصل” بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*