أمّي..! قصة قصيرة بقلم محمد الزواري من تونس.

ما زلت أذكر صورة أمّي و هي تمشط شعرها النّاعم كلّ صباح جديد.. كانت تمسك بيمناها مشطها البنّيّ الصّغير.. و تترك شعرها ينسدل على محيّاها.. ثمّ تفرقه و تقوم بتسريح خصلاته الرّقيقة العسليّة.. و في لمح البصر تكون تلك التّسريحة البسيطة قد اكتملت فتضيف أمّي إلى بهائها بهاء جديدا..

كنت و أنا صغير أرى أمّي لا تحتاج إلى تسريح شعرها.. فهو دائما ناعم رقيق تخضّبه الحنّاء في كلّ الفصول..على عكس شعري الأسود الفاحم المجعّد الّذي كان يحتاج إلى التّسريح كلّ صباح و كلّ أصيل..

بالأمس رأيت أمّي في الحلم.. نعم رأيتها.. كانت في طور الشّباب.. كانت أصغر من عمرها الحقيقيّ الّذي رحلت فيه إلى الأبد ذات فجر.. لم أعرفها أوّل الأمر.. لكنّ إحساسا داخليّا عجيبا هداني إليها.. كانت مكحّلة العينين.. خرافيّة الجمال.. لم أصدّق عينيّ.. لمست يديها فوجدتهما حقيقيّتين.. قلت لها ها أنت أمامي الآن.. إنّك لم تموتي.. إنّك مازلت على قيد الحياة.. لم يكن ذلك المأتم الّذي نظّمناه في ذلك اليوم الخريفيّ الثّقيل إلاّ وهما من أوهام حياتنا الزّائفة.. ها أنت تعودين إلى الحياة من جديد.. فلماذا لا أجدك في البيت ؟ لماذا لم أرك منذ سنوات ؟ لماذا لم أعد أسمع صوتك الدّافئ كلّ صباح ؟ لماذا لم أعد أسمع همساتك كلّ فجر عند الصّلاة ؟ لماذا لم أعد أسمع دعاءك الّذي توشّحينني به كلّما غادرت المنزل ؟ حدّثيني.. أين تعيشين ؟ و ماذا تفعلين كلّ يوم ؟ صفي لي هذا العالم النّقيّ العجيب الّذي أنت فيه.. إنّه عالم لا وقت فيه للتّفكير في شواغل الحياة.. لا وقت فيه للتّفكير في العمل و الزّوجة و الأبناء و الفواتير و الدّفاتر المثقلة.. ما أجمل هذا العالم.. ما أروعه..

كانت تكتفي بابتسامتها الرّقيقة في صمت.. لم تقل لي شيئا.. كلّهم هكذا.. لا يريدون البوح بأيّ شيء يتعلّق بعالم الغيب.. بعالم الرّوح.. بماذا شعروا حين انتقلوا إلى العالم الجديد.. مع من يعيشون.. و كيف يعيشون.. أين الملائكة ؟ أين الأرواح ؟ و لكنّها كلّمتني فيما بعد.. لم أكن أعي جيّدا ما تقوله لي.. لكأنّها تتكلّم بلغة مبتكرة ليست كاللّغات.. لكنّني كنت واعيا بنبرات صوتها الّتي لم تطرق مسمعي منذ وقت طويل طويل.. كلّ ما أذكره أنّ لهجتها كانت مطمئنة تدلّ على الشّعور بالارتياح.. احتضنتها.. احتضنتني.. و أيقظت في وجداني شعورا لم أحمله بين جوانحي منذ عقدين من الزّمن.. حنان الأمّ تحتضن طفلها الصّغير بين ذراعيها..

أيّتها الرّوح الجميلة.. ما أبهج حياتك.. إنّك تعيشين في عالم شفّاف دائم الحركة.. عالم يختلف عن عالمنا الّذي يكتنفه الجمود مهما تظاهر بالحركة الزّائفة..

أيّها الموتى.. أيّها الأحياء بموتكم.. يا من تتركون الأرض العجوز و تختلسون الحياة على أبواب السّماء الفتيّة.. ما أجمل أرواحكم الخالدة.. ما أبهى حياتكم السّماويّة العجيبة.. و ما أقساكم حين تفرّون منّا.. حين تغيبون عنّا كلّ صباح.. كلّ مساء.. فلا نجدكم عندما نريد البوح بأسرارنا.. عندما نرغب في البكاء على صدر يواسي القلوب المتعبة..

أمّي.. ما أجملك في الأرض.. ما أجملك في السّماء.. أمّي.. لو كنت على قيد الحياة بجانبي لكان العالم أجمل..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*