اعتراف..! بقلم الكاتب يوسف اقسيم من المغرب.

كان دائما يحلم بغد أفضل، بروح تأبى الانكسار، وقلب عاشق للحياة، منفتح على كل مدى… عزيمته قوية تستطيع أن تكسر كل قيد، لترى النور الذي حجبته السنون، فأي قيد هذا؟ وما ذنب الحلم في حق الحالم؟ وأي إجابة تلك وما مضمونها؟ وكيف صيغت ومن وضع لبناتها وبأي طريقة، لنواصل الطريق.

سمير من أسرة قروية، في منطقة شبه جبلية تكاد تنعدم فيها  شروط الحياة، لا الماء ولا الضوء! عاش وترعرع في أحضانها، تعلم من ثقافتها ومعارف العلوم في مدارسها، فهو حيث ما حل لا يكون إلا فيها. منذ أن بزغ وجهه إلى الحياة، إلى أن صار خمارا يروي عطش الظامئين.  

 لم يكن ليطيق كل هذا الوقت من الحياة في هذه الجزيرة الخالية إلا من النهب. لولا الأمل والحلم البريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وبهتان إخوة يوسف. وبراءة طفل يخبر معلمه ذات يوم عن أمه التي تشاهد أخبار العالم كل يوم، ولا ترى الأطفال يساقون إلى البحر ليغسلوا ذنوب السنين التي لم يلمسوا فيها طعم الحياة ونكهتها… 

ولولا الزمالة (الصداقة) التي كانت نفَسَهُ الوحيدَ الذي يجعله حالما في زمن ولّى فيه الحِلمُ لباسا يتزين ويتجمل به المرجفون، ويحتفى به خلف ركح المسرحية، وإلحاد ومعصية إذا ما أجهرت به على حقيقته لباقل، وباخع نفسه؛ ونبيه يخدم حاشية لقمان حكيم الأرض والسماء. لكن إذا ما أنت استعملته على غير عهدته، ظهر على صورة متسلط يعلوا كلما علت ذخيرة الخزينة. وبما أن القرية فيها من يملك الأراضي الأكبر اتساعا والحيوانات من مختلف الأنواع، بقر، غنم، دجاج، أرانب، أحصنة، عبيدا وأقنان وضباع… وسيارات فاخرات بسائقها…وكاتب خاص يكتب ويقرأ الرسائل التي تأتيه بالآلاف على جهازه الذكي..

 يا له من غباء، أداة في يد، لا تحسن استعمالها!

  كان سمير دائما وإلى اليوم، يحلم بأشياء كثيرة وكبيرة جدا، لا يمكن لأحد أبدا أن يعرفها أو يتوقعها حتى، خياله واسع يسبح في عالم وحده يعرف كنه سره، إنه حقا غريب الأطوار يتصرف بثقة كبيرة، في زمن ولت الفضيلة ثرثرة والرذيلة كسوة نتقي بها الفاقة والفقر وأكل الدود من لحما وشرب الدم وهو في فورة الغليان، وصِدقه بلاهة… إن كل من في القرية شيوخا وشبابا ونساء وأطفال يظنونه حساس جدا وواقعي حد الإفراط. الكفة لا تكاد تستقيم فيه إلا وتنقلب رأسا على عقب فكلما جالسته ظهر لك نزيها عارفا بفلسفة الحياة وأسرارها.

لقد كنت في غالب الأحيان مؤنسه في ليالي الحكايات الطويلة التي كان يسردها لي؛ عن حلاته النفسية التي تتلبس بألف لباس؛ لتندمج مع هذا الذي يدور حوله، من مشيخة ومن لغة في شوارع وحارات القبيلة، سكانُها وبيوتها وأرحامها ولباسها كيف تتطور وكيف تنقلب فجأة وكأن ثورة غاليلي في الفيزياء لا تتجلى إلا في المظاهر التي سارت كهفنا الذي كلما خرجنا منه إلا وازداد يقيننا أن لا حقيقة بعده؟ وعقولها ونفوسها ووظائف كل فرد فيها، وكل شيء صغيرة كانت أم كبيرة. لقد كنت بئره الذي لا يفشي سره للآخرين، وكنت نديمه الذي يسقيه ويرتوي معه في حضن التي يُجهَرُ بكل شيء في حضرتها؛ كان كلما أراد أن يفتح الحديث عن واقعه بيومياته، إلا وأحسنت الإنصات إليه بغض النظر عن اللغة وما تحمله من أوجاع في نغماتها ونبراتها، وما تحمله من تأويلات فضيعة!   

ذات ليلة جلس يتمعن وحيدا إلا من وجودي؛ ومن عربدته التي فاقت حدها في تلك الجلسة التي لا تنسى.  سمراء هي، نجومها تتلألأ كعيني باربروس، قمرها يضيئ الكون ولا يضيئ قلبه الذي امتلأ غيضا وحقدا دفينا تسرب إليه من خلال الكتب التي مسح عنها غبار السنون.

 كان فاقدا الوعي تماما حينها! يحدث الأشياء من حولنا يساءلها، ويندب حظه وحظ أهالي البلدة الذين ماتت عنقائهم عندما ولوا بوجوههم إلى زمن ضائع لا يعاد، ينظر في عمق الأشياء ولو كان الكأس الذي يوضع فوق طاولة الأكل، يحمله بين يديه، يقول: محدثا إياه وكأنه يخاطب شخصا يأتيه واهما نفسه بأنه حقيقي، ينتظر الإنصات إليه، كما أفعل أنا لماما!

 أنتِ كأسٌ مصنوعةٌ من زجاج والزجاج مصنوع من نوع خاص من الحجر لكي نشرب به الماء، أو بعضا من البيرة أو نرشق به خادم شيخ القبيلة هاء هاء هاء… يضحك سمير نضحك جميعا، فنبكي من شدة الضحك، ونبكي أشد البكاء، على الذي أضحك عربدتنا في جغرافية، ما هي بجزيرة وما هي بأرض جرداء، إنها النعيم الذي لا يصمد عليه البلهاء المنعوتون والموصومون بعار التقليد وبنشوة الماضي، وبفروسية لا لون لها ولا طعم، في زمن ولت فروسيته وسقطت عمامته في يد تعرف كيف ترود البنادق، وكيف تركب الخيول وكيف تسُوق حوافرها؛ في صحراء قاحلة دون “زطاط” وبلا بوصلة ترشدنا لنقطة الوصول، وبداية الإنسان!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*