قراءة نقدية للقصة القصيرة “ما بين البر والبحر” للكاتب سلطان عبد الحميد من الجزائر بقلم الناقدة عايدة مرعي .

L’image contient peut-être : ‎texte qui dit ’‎مابين البر و البحر... قصة قصيرة جدا بقلم القاص سلطان عبد الحميد من الجزائر على قارعة الرصيف بين البر و البحر واقفة هي على الكورنيش تنتظر حافلة العمل تأتي ورياح تحمل حبات الرمل متبعثرة تحاول عمدا ان تضيع لها زينتها رموشها تقفل الرؤية عينها وسط العرق من وجهها... أن سجائري امامها أم ساقني لألتمس الجمال أهو ذهب أم الحافلة اللعينة وحجبت بيني وبينها ...فذهب القمر مسرعا في وضح النهار ومزقت تلك اللئيمة و أنا أسب حظي الأسود....‎’‎
العنوان : يحمل العنوان مقابلة ظاهرية لإثارة دافعية القارئ نحو تحديد ماهية ما يريد أن يصوره الكاتب من هذا الوصف،هل يريد به العلاقة بين البر والبحر ام الفارق بين أحدهما والآخر فيها يبعثه في نفوس البشر من طمأنينة وغدر وسكن وغربة وغيرها .
أشار العنوان إلى تبني التوسط لإسلوب الكاتب وموقفه من الحياة
نص القصة : (أوتقف على الكورنيش ) بعد قوله (بين البر والبحر ) يمضي من العموم إلى الخصوص ليحدد حيزا مكانيا صغيرا جدا لكنه قريب من الغرق والنجاة على حد سواء ليبعث إلى القارئ شعور القلق وعدم جزم ما ستؤول إليه نتيجة الحدث المذكور بالقصة .
ثم يأتي بذكر (حافلة العمل) ليمثل بها (الجد/والواقع) في قصته فرغم القرب من كلتا الاحتمالين إلا أن الإنسان لا يملك كامل إختيار النتيجة ، كما ان حافلة العمل تحمل معها قلق المستقبل الذي يعززه بإتيانه (رياح) وما تحمله الرياح من تغيرات غير معروفة مسبقا (تحمل حبات الرمل ) ويستحضر بها التيه في زحام المدينة داعما هذا الشعور بالوحدة بلفظة (رياح)جمع تكسير لمؤاذرة توجسه من أن يتفرقا -هو وفتاته- كما تفرق الرياح حبات الرمل ، ولكنها ف النهاية رياح تفعل هذا في لطف كما يأخذنا الواقع إلى أقدارنا بخطى حسيسة نفقد معها الرؤيا الأولى لكمال الأشياء التي تكشر عن ضعفها تحت وطأة عوامل الواقع -الرياح تتفق مع الشمس على تخريب زينتها – (رياح – شمس حارة ) لم يجنح الكاتب للمبالغة في قوى الهدم لم يقل ريحا ولا شمسا حارقة وهذا يدعم وسطيته التي تبناها ممنذ العنوان ، فهو لا يزال يرى أملا رغم التعنت فعزا لديه الحيادية وعدم الحنق على القدر لينتظر معه القارئ للنهاية ربما تصالحه الحياة ، فهذا القدر لربما كان هو من حاك هذا اللقاء بالجمال الذي يستوعب في جوهره أثمن المعادن ، لكنها الحياة تأبى أن تتركنا على أرض صلبة ومعرفة حقة نظن أننا وصلنا ونقبض الحقيقة وما هي إلا ماء يتسرب من قبضة يدنا في غمضة عين ، وهذا ما أراد الكاتب أن يصوره بجمعه للقمر مع الشمس ولكنه قرر رحيله قبل إحضاره فذكر الذهاب (ذهب القمر ) قبل القمر وأردف هذا الرحيل بالسرعة ، وقد أتى بالقمر وهو رمز الجمال فى غير وقته – وضح النهار – وكأن الجمال بغريب عن هذا العالم .
أراد الكاتب أن يصف قربه من حلمه ثم إستحالة هذا الحلم في غمضة عين ولكنه يعزو ذلك لسواد حظه هو وكأنه يرجوا مصالحة القدر ليمن عليه بحظ أجمل في المرة القادمة ، محاولا تضئيل أسباب الفشل وتسخيفها .
جاءت بطلة القصة بوصف جمالها وصفا فضفاضا غير محدد المعايير ؛ فمعدن الجمال لدى الكاتب ليس ثابتا اهو (ذهبا أم فضة ) فهو مصر على أن يبقى في منطقة وسطى ولن يجنح للخيال كليا حتى أنه لن يثق بالجمال حد أن يراه أثمن المعادن -ألماسا- ولكنه لن يفقد تقديره كذلك أن يدنيه من أرخص المعادن -نحاسا مثلا- وكأنه يريد من قارئه أن يضع معاييره في قالب القصة بحكمة وموضوعية ولا يأخذه الجمال والزينة عاليا أكثر مما ينبغي لكي لا يكون السفوط مهلكا .
الزمان والمكان في القصة :
اختار الكاتب أن يسير رئسيا بالزمن – أحداث متجاورة وفضاء زماني قصير – لاقتصاصه حدثا مكثفا يحمل أحداثا داخلية سريعة ، وهو المتعارف عليه في القصص القصيرة جدا ، وكذلك المكان جاء واحدا واستحضر إليه أماكن أخرى مثل العمل (عن طريق حافلة العمل التي جاءت لتغير الترتيب المكاني لعناصر القصة والذي كان يسمح قبل ذلك بوصول بطل القصة لفتاته ، ولكن الكاتب مهد لنهاية قصته بذكر الصحراء عن طريق الرياح المحملة بالرمال .
المكان لدى الكاتب (الكورنيش) خط رفيع يفصل بين بحر هائج وبر كبير خلفه تيه وكأنه يمهد للقارئ من خلال العنوان حالة الحصار التي يعانيها بطل القصة .
جاءت القصة بضمير المتكلم على لسان البطل لتناسب السرد النفسي للمشهد موضوع القصة .
اللغة فصيحة سلسة عبر الكاتب من خلالها عن الحيرة باستخدام التقابل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*