حالة ضباع..! بقلم ميساء الحاجي من تونس.

L’image contient peut-être : 3 personnes, personnes souriantes, personnes debout

أتقصى أثرك كاليتيم بعد وفاة والديه بينما أنت تمضي في الحياة ملقيا كل همومها خلف ظهرك ومقبلا على المستقبل بساعدين مرحبين. وأنا قد توقف بي الزمن في لحظة الوداع. وفقدت كل أبعادي الحسية. أحن لزمن قريب جعله برودك المصطنع كأنه أعوام من العزلة. كأننا غرباء من جديد، تمر ولا تبادلني السلام. وعيناي تسلم عليك وتحضنك حضنا كذلك الذي تحضنه أم لابنها الذي طال غيابه عن البيت. وبيتك هو قلبي. وتقبلك عيناي من جبينك احتراما لأشلاء كسر دفين. ولكنك لا تبالي. فأمضي وكأن شيئا لم يكن. أمضي وأنا أرمم ما تهالك من شموخي وكبريائي. أمضي وأنا أمسك النفس عن الهوى. أمسكها عنك! وبينما ينفجر قلبي باكيا أراني أحاوره، أطمئنه بأن حبا قريبا سوف يكون فرجه، أصرخ في وجهه أن اخشوشن يا هذا! ليس لديك وقت للانكسار! لدينا ما هو أهم! ركود رهيب يجتاح حياتي ونفور عن العمل. تكبلني الرتابة والروتين فلا أنا بحماستي المعتادة ولا أنا باندفاعي المعهود. فراغ خانق من بعدك ومزاج متقلب. أبحث عن تفاصيلك في الوجوه التي أجوبها وجها وجها. ولا أجد ضالتي. فأعود بكسر جديد. وما يزيد كسري لا مبالاتك. وعجزي عن البوح… لأن البوح لن يغير من الأمر شيئا. والقرار قرارك أنت ولا أستطيع إرغامك. كم أتمنى أن أكاتبك وأن أخبرك أني اشتقتك، أن أراك ولو  في المنام. كم أنه من الثقيل على المرء أن يرفض. ملل، اختناق، حصار. لكنك اعتبرتني من الماضي. فكيف أرى المستقبل؟ تركتني للخيبات تلطمني. منحتني الأمل ثم قلبته ألما. مع كل شخص جديد يدخل حياتنا نحن نمنح جزءا من روحنا ومع كل رحيل نحن نهدر ذلك الجزء. ربما لم يكن شيئا بالنسبة لك، لكنه كان قلبي. كثيرا ما ننخدع بأشباه الحب. فهم يمرون من خلالنا ويسحبون جزءا منا معهم ويرحلون. وتعلقنا بهم هو ما يجعل الأمر أكثر تعقيدا. الحب القديم دائم الحضور في أذهاننا. دائما ما نهرب إليه، نبحث عن دفئه الأول، عن عاطفة مفقودة، عن حنين -ولو  مزج بالمرارة-يحمل معه شعورا جميلا يعود مع كل ذكرى جميلة. ونظل  نحوم حول تلك الذكرى مرارا و تكرارا. ثم تقطع تسلسل الذكريات آخرها: لحظة الوداع أو بلغة أكثر وضوحا لحظة الخيبة و الكسر و الإخفاق. و الأشد ألما أنها تظل تطاردك في كل تجربة جديدة و تذكرك بفشلك. كنت أحاول عبثا النوم. أحكم قبضتي على قلبي مخافة أن يقع مني، مخافة أن يتركني هو الآخر بعد أن تركني الجميع. مجون، جنون، هذيان. كم جرحته بنزواتي و طيشي، كم أهملته و ظلمته أن أجبرته على حب الشخص الخطأ. أفضل لكلينا أن نحفظ بعضنا. كانت الغرفة مظلمة و كان صوت فيروز يتصاعد بعذوبة و روعة لا مثيل لهما:” صباح و مسى. شي ما بينتسى تركت الحب. و أخدت الأسى” ربما كانت على حق. لقد علقت بمخيلتي، لم تفارقني يوما وإن  تركتني في منتصف الطريق. لا ألومك و لا أرجو عودتك. الحب رزق و كل ذو رزق كتبه الله له. و لن أناقشك بعد الآن. ثم تواصل فيروز كلماتها:” أنا على دربو و دربو عالجمال” و أواصل أنا تسلسل أفكاري. كم تمنيت أن نجتمع يوما ما. لكن ما عاد يفيد التمني. و ما نفع الوقوف على الأطلال؟ دعنا نمر ونواصل  الحياة و ليكن رزقنا على الله. كانت الأجواء أشبه بليالي الشتاء البيضاء رغم أن الفصل ربيع و شباكي مفتوح و النسيم دافئ. لكن قلبي هو الذي يفتقر كذا دفئ. ربما برده هو الذي جعل الليلة شتوية. ليل طويل يرافقني فيه التأمل. أحيانا يجبر المرء أن يعيش بالخيال. فالخيال حياة مثالية لايمزقك فيها الفقد و لا البعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*