رسالة في زمن الكورونا..! قصة قصيرة بقلم محمّد الزّواري من تونس.

ارتدى معطفه الأسود الطّويل.. و وضع شاله الصّوفيّ حول عنقه.. ثمّ خرج أمام المنزل يصطحب فنجان القهوة المرّة الّتي اعتاد تناولها كلّما عنّ له أن يريح كاهله من أعباء الحياة و أثقالها.. كانت السّماء تمطر مطرا خفيفا.. لقد اعتاد على مؤانسة قهوته السّمراء عشيّة كلّ يوم مهما كانت حالة الطّقس.. و اليوم هاهي الطّبيعة تبتسم له و تجود عليه بمفاتنها.. لم يكن شأنه شأن بقيّة أولئك النّاس الّذين يتظاهرون بحبّ الحياة.. إذ كانت الطّبيعة الممطرة هي الأثيرة بالنّسبة إليه.. كيف لا و هو يسمع في زخّات المطر جدّته تحكي حكايا و أساطير عن الشّاطر حسن و بنت السّلطان.. كان الهواء باردا مضيئا يرى النّور يتلألأ في نسيمه يدخل رئتيه و قلبه فيطهّره من الآثام و الخطايا المتراكمة..

تهالك على المقعد.. و وضع فنجان القهوة على الطّاولة الدّائريّة الصّغيرة.. و في لحظة مارقة.. تذكّر أنّه يحمل في معطفه ورقا و قلم رصاص.. إنّهما النّديمان في كلّ الأوقات ليلا و نهارا.. في مشرق الشّمس و في مغربها.. التقط القلم بشراهة كأنّه يلتقط سيجارة يتيمة علقت في جوف علبة منسيّة أوشكت على الإتلاف.. و طفق يفكّر في كلمات قد تولد بعد مخاض يسير أو عسير.. لطالما أخبره أصدقاؤه أنّ الكتابة اليوم أصبحت تتمّ بواسطة الحواسيب و الهواتف الجوّالة و الأجهزة اللّوحيّة.. لكنّه يشعر بأنّه يجب أن يكون وفيّا مخلصا للقرطاس و القلم.. و كيف يمكن أن يتخلّص من هذين الرّفيقين ؟ أ لم يذكرهما الشّعراء في أشعارهم ؟ أ لم يذكر المتنبّي أنّه يعرفهما ؟ بل هما اللّذان يعرفانه.. و هاهو اليوم يحملهما أو يحملانه.. يحملهما بين الحنايا و الضّلوع مثلما حمل وفاءه الأبديّ لروح زوجته الرّاحلة..

كانت أبواق الجوامع تصدح بآيات من القرآن تلتقطها أذنه و كأنّه في شهر الصّيام.. كان الشّيخ الحصريّ يترنّم بآيات من سورة القلم.. نون و القلم و ما يسطرون.. كم كانت المناسبة ملائمة.. هيّا أيّها القلم.. لتسطر ما يجب أن تسطره.. كانت الورقة بيضاء كفاتنة عذراء لم يمسسها أحد.. تملّكته الرّهبة أمام بياض الورقة النّاصع.. لكنّ هاتفا مجهولا هتف في أعماقه.. هيّا اكتب رسالة لابنتك المقيمة في بلاد الرّوم.. عن أيّ بلاد تتحدّث أيّها الصّوت المجهول ؟ اليوم صباحا أجريت مكالمة هاتفيّة معها.. بل خاطبتها عبر تقنية الفيديو.. و اليوم تطلب منّي أن أحبّر رسالة في ورقة بيضاء ؟ لمن سأبعثها ؟ و من سيقرأ كلماتها ؟

و في حركة لا إراديّة أمسك بالقلم.. و شرع يكتب في جبين الورقة كلمات.. ابنتي مرام.. كيف حالك ؟ هل أنت بخير ؟ أكتب إليك الآن و الأمطار تتهاطل في المدينة.. لطالما اشتاقت الأرض إلى المطر الغزير اشتياقي إلى رؤيتك.. اشتاقت الأرض إلى هذه المياه المباركة توقظها من غفوتها و تنشر بين البشر الفرح و البهجة.. أرجو أن تكوني بخير أنت و زوجك و ابنتك الصّغيرة.. أرجو أن تكوني في منجى من هذا الوباء المستعر الّذي عصف بالكرة الأرضيّة عصفا و أناخ عليها بكلكله.. الزمي الحجر الصّحّيّ.. فالحياة أصبحت اليوم ثمينة أكثر من ذي قبل.. لعلّ ” كورونا ” حرمتنا من أن نلتقي بأحبّائنا و أهلنا و أصفيائنا.. لكنّنا اكتشفنا مدى حبّنا لهم و مدى حبّهم لنا.. حافظي على صحّتك و صحّة أسرتك.. فالحياة مهما كانت مؤلمة تبدو حلوة بأيّامها و لياليها.. و مهما كانت تبدو لنا بالأمس شحيحة بحبّها و عطائها تبدو لنا اليوم أكثر جدارة بأن نعيش فيها بحبّ و تآزر و عطاء و إخاء رغم آلامها و خلافاتها و حروبها.. ألقاك قريبا بعد أن نكون قد انتصرنا على هذا الوباء و تجاوزنا هذه الأزمة.. مع محبّتي..

لم يدر كيف كتب هذه الرّسالة.. هل له ظرف يضعها فيه ؟ هل يخرج لشراء طابع بريديّ ؟ إنّه الحجر الصّحّيّ.. لا خروج و لا دخول.. لا شيء سوى المكوث في البيت بياض النّهار و سواد اللّيل.. و في لحظة منفلتة من الزّمان أدرك أنّه يشعر بارتياح عجيب جعل الهموم تنزاح عن صدره.. لن يرسل هذه الرّسالة عبر البريد.. يكفيه أنّها أشعرته بنشوة الكتابة.. و كانت له معينا على مقاومة الزّمان تماما مثل القهوة المرّة الّتي تلازمه و يلازمها .. و الآن.. ليكتب ما كان عازما على كتابته..

و فجأة رنّ الهاتف الجوّال رنّته الرّتيبة معلنا عن قدوم رسالة هاتفيّة جديدة.. فتح الهاتف.. و ضغط على الملامس الوهميّة.. و إذا برسالة من مرام.. أبي.. أريد أن أطمئنك.. إنّني بخير.. لا تقلق بشأني.. لقد أحسست قبل قليل بأنّك كنت تفكّر فيّ و في أسرتي الصّغيرة.. تحيّاتي..

كان يقرأ تلك الرّسالة بنهم طفوليّ.. بشوق غريب لم يألفه.. و إذا به يلمح عن غير قصد قطرة  تحطّ على سطح الهاتف الجوّال.. لم تكن قطرة مطر من السّماء.. كانت دمعة انبجست من عينه دون أن يشعر..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*