“غنج ليل…” قصّة قصيرة للكاتبة سهام شكيوة المتحصّلة على الجائزة الأولى في الملتقى الوطني للأديبات الشابات بالساحلين دورة11

لوحة الفنان العراقي سمير البياتي

يباغتني اللّيل الحالك.. أتفقّد ساعتي اليدويّة كلّ دقيقتين.. أهرع إلى هاتفي الخلويّ لأتيقّن أنّ عقاربها في وضع اشتغال.. آخذ من حقيبتي مرآتي الصّغيرة.. أجرّب اِبتسامتي.. أقهقه عاليا لأجرّب غنج ضحكتي.. غضبي.. دمعتي.. لا.. لا دموع بعد اليوم.. إنّه يومي.. إنّه يومُنا.. أعدّل كبرياء وقفتي.. وأنظر مجدّدا إلى مرآتي.. فأتفقّد كحلي وأضع لمسة ثانية من أحمر شفاهي الفاقع الذي يعشقه.. أطيل النّظر إلى عينيّ.. كما يفعل.. وكما أفعل دائما وأنا أمام مقود سيّارتي.. ألامس عينيّ بطرَف سبّابتي.. “أهيم بعيونك الغجريّة”.. هذا ما يقوله لي دوما مع نظرة تُبعثرني.. ومع وابل من الأغاني الغربيّة التي يدندنها لي بلكنته الفرنسية السّاحرة.. أبتسم خجلا وأنصهر فيه.. وسرعان ما أنتفض من مكاني كلّما أسمع نقرا خفيفا على الباب.. أُسرع إلى النافذة.. لأتأكّد.. ألاّ شيء.. لا أحد.. سوى نسمات خفيفة تؤنس وحدتي إلى حين حلول سنائه.. أقطع المكان جيئة وروْحة.. أميالا وأميالا.. دون كلالة.. أغسل الكؤوس التي غسلتها البارحة وأعدت غسلها اليوم لعشر مرّات.. أشعل شمعتين لأوقن أنّ القدّاحة في وضع اِشتغال.. ثمّ أطفئهما.. أنظر إلى ساعتي ثانية.. ثم تقفز إلى ذهني فكرة الإمساك بكتاب.. قد يكون كتاب طبخ أو رواية مملّة لم أقرأها كبقية الكتب التي تسكن رفوفي.. أو ديوان شعر لشاعرة ما.. كلّ ما أعرفه عنها هو أنّها بدينة ومتكبّرة في آن.. أتخيّل أنني أفتح له الباب وبيدي رواية فرنسية لكاتب سهل حفظُ اِسمه – في صورة سألني عنه.. فهو يحبّ “المرأة المثقّفة فكرا و جسدا. ” هكذا تماما يردّد كلّما تجاذبنا أطراف الحديث عن أمرين أكره الخوض فيهما: “الثقافة” و “النساء”.. دائما أومن أنني اِمرأة لديّ من الثقافة ما يكفي لأبدي رأيي في أي موضوع.. سوى ذاك المتعلّق بالجنس.. إذ تحمرّ خداي كلّما ذكر أحدهم الكلمة.. وإن قصد جنس الذكر أو الأنثى.. أمّا عن النّساء فإنّني أومن أيضا أنني كل النّساء في عينيه – أو هكذا يقول.. ثم أتذكر أنني لم أُخْلِ منفضتي من رماد سجائري لليلة البارحة الموحشة.. فأتوجه نحو غرفتي بخطوات عجلة.. لأجد المنفضة في مكانها المعتاد بجانب سريري.. شفّافة لا رماد فيها سوى ملامحي هناك.. تقابلني مرآةُ خزانتي.. أتأمّلُني وأضع يدي على خصري.. أتقدّم خطوةً.. ثمّ اِثنتين.. أفتعل الغنج.. فأحدّثني كما لو كان أمامي.. أعود وأفتح باب بيتي وأختبر الجرس علّه يكون معطّلا.. أغلق الباب ثانية.. أجول هنا وهناك.. كعارضة أزياء خرقاء.. أتفحّص الكاميرا التي علّقتها بجانب الباب.. أمسح شاشتها لأتأكّد ألاّ أحد ينتظر خارجا.. أتنفّس طويلا جدّا.. أذكّر نفسي المتأجّجة ألاّ داعي للتّوتّر.. أسترخي على الأريكة.. فأسمع دقّات قلبي تحاكي أجيج لهفتي.. ثمّ أنتقل إلى الكرسيّ الهزّاز.. أسند ظهري إليه وأفتعل الهدوء.. أغمض جفنيّ.. لأفتحهما مجدّدا على صوت جارتي الفضوليّة.. وكما كلّ ليلة.. ألملمني وأعود أدراج غربتي.. ألتحفُني لأطرد صقيع حلم آفلٍ كاد يُرْديني عاشقة.

-سهام شكيوة- -تونس-

Avatar

عن فتحي جوعو

فتحي بن الطّاهر جوعو، تونسيّ الجنسيّة، من مواليد 1956 بمدينة حمّام الأنف الموجودة في الضاحية الجنوبيّة للعاصمة تونس،متحصّل على شهادة الباكالوريا اختصاص آداب، ومتحصّل على الإجازة في الفلسفة من جامعة دمشق بالقطر السوري، مارس تدريس الفلسفة بالمعاهد التونسيّة طوال ثلاثة عقود ونصف، له كتابات متعددة ومتنوعة في الفكر والأدب والفلسفة والفن. صدر له كتاب: "انفعالات نرسيس، مقاربات فلسفيّة لنصوص جلال المخ الشّعريّة".سنة 2016 وكتاب:" الجسد هو الأصل: قراءة في مفارقات الجسد" سنة 2018 وكتاب:" أزمة المعنى" سنة 2018 وقيد النشر : كتاب " انتفاضات برومثيوس": مقاربات فلسفيّة لكتابات جلال المخ السّرديّة وكتاب" قراءات في الآداب والفنون"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*