للطّفل نكتب… بقلم جلال المخ

ما انفكّت إصدارات صالح الطرابلسي الشعرية تتتالى على مرّ العقود لتبلغ هذا العام عشرة مجاميع ضمّنها اختلاجاته وأحاسيسه وأفكاره ونظرته للحياة والوجود. إلاّ أنّ ما يميّزها هو اهتمامها بأدب الطّفل وتخصيص ما لا يقلّ عن ثلاث مجموعات لهذا الغرض هي: “بلبل غنّى” عن دار سنابل 2011 و”أشعار لليفعة والصّغار” 1و2 عن نفس الدّار 2016…
وليس هذا الاصرار على تخصيص ثلث مؤلّفاته للأطفال من باب الصّدفة بل هو نابع من اقتناع الشاعر بأهمية الكتابة في هذا المجال وبالدّور الذي يقوم به هذا الضّرب من التأليف في تأطير الطفل وتربيته وتنشئته على قيم يتسلّح بها ليواجه الحياة في فترات لاحقة ويجتاز مختلف مراحلها بوعي وثقافة يسمان تلك الحياة بالنّجاح في جلّ المجالات.
وفي حين يستسهل بعض المؤلفين الكتابة للأطفال ويدبّجون بعض الخرافات والحكايات المسليّة التي لا تخضع إلى مقاييس علمية تجعلها تحقق أهدافها المنشودة فإنّ الشاعر صالح الطرابلسي يعتبر هذا الصنف من الكتابة أمرا جللا وشديد العسر نظرا لخطورته في التأثير على نفسيّة الطفل إيجابيّا أو سلبيا وفي تحديد ملامح شخصيته المستقبلية التي قد تجعل منه عنصرا نافعا في المجتمع أو كائنا فاشلا وسلبيّا.
واهتمام صالح الطرابلسي بالطفل والأطفال يتّخذ أشكالا عديدة ولا يقتصر على الكتابة الشعرية فحسب بل يتجاوزه إلى كتابة تنظيرية تحدّد شروط هذا النوع من الأدب وتسطّر أبعاده ومراميه. ولا يقتصر الأمر على الكتابة بوجهيها الشعري والتنظيري ليتعدّاه إلى الفعل الثقافي المخصّص للأطفال وليجعله واحدا من أهمّ الفاعلين والناشطين في مجال أدب الطفل.
إنّ علاقة صالح الطرابلسي بالأطفال بديهية لأنّه قبل كلّ شيئ مربّ أنفق أربعين سنة في التعليم وفي إدارة المدارس الابتدائية بجهة مرناق فكان الأطفال يملؤون عوالمه المهنيّة ويحيطون به يوميا بكلّ براءة وحبور.
وهذه الممارسة الطويلة لمهنة تعليم الصّغار جعلته يتعلّق بعوالمهم ويتشبّع باهتماماتهم وتطلّعاتهم فلم يشأ أن يقتصر دوره على المربّي والمعلّم والمدير بل أنشأ صحبة بعض المثقفين مهرجان الطّفل بمرناق وهو مهرجان دام ما يقارب العقدين واهتمّ بالإبداعات الطفولية وبالكتّاب المتخصصين في هذا الشأن وعرف هذا المهرجان عدّة دورات ناجحة ومتميزة منها مثلا الدّورة التاسعة في مارس 2005 التي انتظمت تحت شعار “طفل يقرأ، طفل يبدع” أدب الطّفل راهن الحال ورهان المستقبل. وقد أثّثت بأربع مداخلات لكتّاب تونسيين من أجيال مختلفة أدلوا بشهاداتهم تحت عنوان “تجربتي في الكتابة للطّفل” ونظرا للنجاح الكبير الذي لقيته هذه الدّورة التي أشرف عليها صالح الطرابلسي لما أثارته من مساءلات في قضايا تتعلّق بأدب الطّفل وثقافته وأساليب الكتابة وشروط الكتابة الموجّهة إليه، ارتأى شاعرنا أن يعمّم هذه التجربة على المستوى الوطني واتّصل بعديد المؤلّفين في هذا المجال دوّنوا تجربتهم في الكتابة للطفل وتحدّثوا عن صعوباتها ونجاحاتها وصدرت كلّ هذه الشهادات في كتاب عنوانه “تجربتي في الكتابة للطّفل، شهادات لكتّاب تونسيين من أجيال مختلفة” قام بتقديمه الشاعر ويعتبر هذا العمل ذا أهميّة قصوى وواحدا من أهمّ المراجع وأثراها وقد صدر عن المطبعة الثقافية بحمّام الأنف سنة 2005.
وصورة المربّي والشاعر المختصّ في أدب الطفل هي التي جعلت زميل الشاعر وصديقه المربّي الشاعر عليّ سعيد بوزميطة ينيط بعهدته تقديم مجموعته الشعريّة الموجهة للأطفال التي عنوانها “للطّفل نغنّي” والصّادرة عن دار سنابل سنة 2010 – وقد جاء هذا التّقديم ممنهجا وذا صبغة علمية تبيّن صعوبة الكتابة للطفل وإدراك الشاعر صالح الطرابلسي لجلّ ملابسات هذه العملية وكلّ ما تستدعيه من حذر وتمرّس ومعرفة بعالم الطّفل وبنفسيته العميقة وقد جاء فيها ما يلي:
” الكتابة للطّفل فنّ عصريّ، صعب الصّعود سلّمه، إلاّ على من سبر أغوار علم نفس الطّفل فأدرك ميولاته واهتماماته ملّما بطرق تنمية شخصيته عبر كافّة مراحل النموّ، شامل الاطّلاع على مجالات ثقافة الطّفل وتربيته وسبل تنشئته التّنشئة السّليمة والمتوازنة فالطّفل رجل الغد، وكيفما ننشئه يكون…”
أمّا في ديوانه “بلبل غنّى” فقد استهلّه بمجموعة من التّعريفات لأدب الطّفل تدلّ على تعلّقه بالكتابة النظريّة في هذا المجال رغم ما خالط بعض هذه التعريفات من أساليب شعريّة وصور إبداعية واستعارات بلاغيّة. ومن بين هذه التعريفات نورد ما يلي:
“أن نكتب للطّفل، يعني أن ننحت للّغة براءتها… أن نلبسها ثوب فطرتها منسوجا من حرير الرّوح!
أن نكتب للطّفل يعني أن نطرّز المعنى بدانتيل لمّاع شفّاف… الرؤيا تخترقه كي تجنّح في أجواء من الأحلام ملأى بالتّجاوز… أن نكتب للطّفل يعني أن نرفع للقيم صرحا أسسه الجدّ والعمل وجدرانه محبّة… أخوّة… تسامح… تضامن… تعاون… وسقفه: عدل وسلام.
أن نكتب للطّفل، يعني أن نمتطي مركبة الخيال، فنعبر جغرافية الكون في ثوان…
نختصر المكان والزّمان… نختزلهما في مساحة لصفحة من جمال في كتاب!…”
إنّ هذه التعريفات الكثيرة سواء كتبت بأسلوب علمي أو بأسلوب شعري تدلّ كلّها على مدى تعلّق الشاعر صالح الطرابلسي بأدب الطفل خصوصا وبعالم الطفل عموما وتدلّ على أنّه إذا ما كتب في هذا الباب فإنّه يفكّر مليّا ويحترس في اختيار مواضيعه ويلزم الحذر في صياغة أساليبه لكي تنفذ الرّسالة التي تحملها القصائد إلى نفس الطفل بهدوء وبيسر يجعلانه يستوعب تلك المفاهيم ويتغذّى من تلك المواضيع ويتّعظ بتلك الدّروس…
ومن الطبيعي أن يكون المجال الثالث لاهتمامه بأدب الطّفل بعد النشاط التربوي والثقافي وبعد الكتابات النظرية والتنظيرية، الكتابة الشعرية في حدّ ذاتها التي ستحاول الاستجابة للمقاييس التي سطّرها لها صاحبها ووضع شروطها وقوانينها.
وبتأمّلنا لهذه القصائد وتتبّعها يمكن أن نحصر المواضيع التي تطرحها وتثيرها. ورغم أنّها مبثوثة في مجموعاته الثلاث سالفة الذكر فإننا سنحاول الإحاطة بها وتبويبها.
لا نستغرب أن يكون الموضوع الأوّل هو “الطّفل” فالشاعر ينظم قصائد من قبيل “الطفل” أو “طفل صغير” يحاول أن يقدّم لنا فيها تعريفا شعريّا لهذا الكائن ولأهميته لكونه رجل الغد والمستقبل ويدعو إلى عدم اعتباره كائنا أدنى أو مخلوقا قاصرا فهو رغم صغر سنّه ذو عقل كبير وعوالمه رحبة فسيحة وأحلامه لا تحدّ ولا تنتهي وعالمه ممتدّ وخال من كلّ ما يملأ عالم الكبار من بغضاء وحروب وتشاحن وتطاحن وحقد… وفي هذا التعريف للطّفل وعوالمه مهاجمة لعوالم الكبار الذين تموت فيهم الطّفولة ليحلّ محلّها الأنانية والمنفعيّة والحسابات الضّيقة لتحقيق الأرباح المادية على حساب كلّ ما هو إنساني في الإنسان.
إنّ أوّل خليّة تلتقف الطّفل هي الأسرة لذلك أهدى الشاعر ديوانه إلى كلّ أسرة في بلاده لأنّها هي العشّ الأوّل الذي يحضن الطفل وهي المسؤولة الأولى على مصير هذا الكائن وتحديد اختياراته في الحياة ويبرز في هذا الصدد دور الأمّ في تربية الأطفال ويتغنّى بها في إحدى قصائده:
أميمتي
يا بسمة الآمال للصّباح
حملتني
في بطنك من طينة
تكوّنت جنين (أغنية إلى أمّي)
وتأتي المدرسة في المحلّ الثاني تعقب الأسرة وتساهم في نحت شخصية الطفل والشاعر رجل مدارس أفنى عمره فيها ويعرف الأهمية القصوى التي تكتسيها هذه المؤسسة في تكوين النشء. واحتفلت نصوص كثيرة بها وبكلّ ما يتعلّق بها من ذلك “معهدي” و”كتابي” و”اقرأ واكتب” وتنتشي شخصية المربّي في هذه القصائد لأنّها تمتزج بشخصية الشاعر وتساهم الشخصيتان في صياغة النصوص وإلقاء الدّروس.
ثمّ تنفتح القصائد على آفاق أرحب من خلال التغنّي بالوطن وزرع حبّه في نفوس اليافعين وفي هذا الغرض ندرج نصوصا مثل “رسالة الوطن” و”العَلَمُ” و”هُويّتي” و”تونس المباهج” و”نشيد الخضراء”، ومن ذلك:
التّـــــــــاء قبل النّــــــــــــــــــــون واوٌ مــــــــــــــع السّــــــــــــكون
والسّيــــــــــن زيزفـــــــــــــــــــون
يا تونـــــــــس يا أمّنـــــــــــــــــــا يا أمّنــــــــــــــــــا الحنـــــــــــــــون
(تونس المباهج)
ثمّ ينفتح الوطن بدوره على العالم والكون ليتغنّى بالإنسان عموما من خلال نبذ العنصريّة والعداوات ويدعو الشاعر في هذا المجال إلى حماية هذا الكون وطبيعته والحفاظ على بنيته في عدّة نصوص متفائلة وجذلى تزرع المحبّة والمودّة في النفوس والعقول والقلوب مثل “التشجير” و”بلبل غنّى” و”فراشة الرّبيع” و”أنشودة المطر” و”أنشودة الشّتاء” و”سنغنّي للحياة”.
وقد تتداخل هذه المضامين في نفس القصيد لتؤلّف مزيجا متناسقا من القيم الخلاّقة والبنّاءة التي يدعو الشاعر الصّغار واليافعين للتعلّق بها والعمل على تحقيقها عاجلا وآجلا وقد يتجاوز الأمر الصّغار ليتوجّه الشاعر بالخطاب إلى الشباب من خلال نصوص مثل “الشاب” و”رسالة إلى الشباب” حرصا منه على مصاحبة الطّفل بعد طفولته ومراهقته في شبابه لذلك يحيطه بنصحه وتوجيهه ويساعده على السير في الطرق القويمة المؤدّية إلى الحبّ والإخاء. وقد تجاوزت هذه العلاقة بالشباب المجاميع الشعرية الموجّهة للأطفال لتصبح كثير من قصائد الشاعر الأخيرة المكتوبة خاصّة بعد أحداث جانفي 2011 تتّجه بالخطاب إلى الشباب وتتّخذ قالبا نصحيّا وأسلوبا فيه كثير من المواعظ والتوجيه خوفا من الشاعر على انسياق الشباب في مسالك مهلكة قد تؤدي به وببلاده إلى التّهلكة…
وما يلاحظ في الأسلوب الذي استخدمه الشاعر في صياغة هذه القصائد هو البساطة والوضوح وسلاسة التعبير فلا نجد استعمالات معقّدة ولا ألفاظا ولا مفردات عسيرة الفهم وصعبة الاستيعاب. والشاعر الذي يكتب قصيدة النثر في معظم أعماله الشعرية استخدم في هذه النصوص البحور الخليلية لكنّه تجنّب منها المركّبة واقتصر على التي تقوم على تفعيلة واحدة واستعمل عدّة بحور مجزوءة ومشطورة ليحافظ على سلاسة النصوص ووضوحها.
وقد عمد إلى صياغتها في شكل أناشيد يمكن أن تكون أناشيد مدرسيّة يردّدها التلاميذ بكلّ جذل فتغرس محتوياتها في عقولهم إلى الأبد وكثيرة هي عناوين النصوص المتعلّقة بهذه العوالم الموسيقية مثل: “بلبل غنّى” و”سنغنّي للحياة” و”أغنية إلى أمّي” و”نشيد الخضراء” و”أنشودة المطر” و”أنشودة الشّتاء”.
وهذه الدّعوة إلى الغناء دعوة إلى الإقبال على الحياة بشغف ودعوة إلى العمل والبناء من أجل تحقيق حياة سويّة وناجحة تساهم في نجاح المجتمع وتطوّر البلاد وتحرّر الإنسان.
إلاّ أنّ ما يحسب للشاعر صالح الطرابلسي هو مراهنته على قصيدة النّثر ليكتب من خلالها للأطفال وهي مغامرة جريئة نجح فيها إلى حدّ بعيد ليشدّ اهتمام الطفل خصوصا والقارئ عموما لا بإيقاعات البحور العروضية كما يفعل معظم شعراء الأطفال بل من خلال صور شعريّة مستحدثة ولغة نقيّة منتقاة. ومن ذلك:
الطّفل
شمس غد
تمتطي صهوة فجر جديد
يطلع
من سُدامة الرّحم…
تكشفه الضّياء
فينتشر في باحة الدّنيا
نهارا يهطل
بفائض الآمال
فيزهر… (الطّفل)
ما كان للشاعر صالح الطرابلسي أن يكتب هذه القصائد الطفولية وغيرها لو لم يبق الطفل حيّا فيه يركض في ذاته ويحلم في عقله ويصرخ في نبضه. وما الشعر في كثير من الحالات إلا تمسّك بعوالم الطفولة البريئة والرّحبة ورفض لواقع أثخنه الكبار والرّاشدون بالأطماع والويلات والثّبور وقتلوا فيه الأحلام ودفنوا الحبّ…
حمّام الأنف07 جوان 2017

Avatar

عن فتحي جوعو

فتحي بن الطّاهر جوعو، تونسيّ الجنسيّة، من مواليد 1956 بمدينة حمّام الأنف الموجودة في الضاحية الجنوبيّة للعاصمة تونس،متحصّل على شهادة الباكالوريا اختصاص آداب، ومتحصّل على الإجازة في الفلسفة من جامعة دمشق بالقطر السوري، مارس تدريس الفلسفة بالمعاهد التونسيّة طوال ثلاثة عقود ونصف، له كتابات متعددة ومتنوعة في الفكر والأدب والفلسفة والفن. صدر له كتاب: "انفعالات نرسيس، مقاربات فلسفيّة لنصوص جلال المخ الشّعريّة".سنة 2016 وكتاب:" الجسد هو الأصل: قراءة في مفارقات الجسد" سنة 2018 وكتاب:" أزمة المعنى" سنة 2018 وقيد النشر : كتاب " انتفاضات برومثيوس": مقاربات فلسفيّة لكتابات جلال المخ السّرديّة وكتاب" قراءات في الآداب والفنون"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*