قصّة قصيرة ” مُذكّرات امرأة في سلّة المهملات” للكاتبة العراقيّة فوز حمزة الكلابي.

أيامي جميعُها متشابهه، بإستثناءِ الأيامِ التي لا أتمكنْ فيها من ممارسة الجنس، هي المختلفة، وهذا اليوم من الأيام المتشابهه ..

لعنتُ كلَ شيءٍ حينَ أستيقظتْ، لأني منحتُ النومَ وقتاً أكثر مما يستحقُ على حسابِ الحقيقة ..

كانَ اليوم سيمرُ مثل غيرهِ، لولا إن شبيهي فيهِ موقعهُ كموقعِ يوم الجمعةِ بينَ الأيام ..
لا أستطيعْ أن أبوحَ أكثر ..

ساظلُ طيلةَ المذكرات بدونِ اسم، ليسَ خوفاً، إنما لعدم شعوري في الحاجةِ إليهِ، كوني بعيدةٌ عن كلِ مايمّتُ بصلةٍ إلى عالمي الحقيقي ..

أظنني الآنَ بدأتُ أكذبُ ..

ذاعَ صيتي في عالمِ الرجالِ المتشابهين، بإنني أنُثى تَستحقُ ما يغدقوني بها من أموالٍ وهدايا، ففي المقابل أمنحهم مُتعاً جنسية يفتقدونها، لمْ يكنْ ذلكَ صعباً عليّ لأنني أنطلقُ بأفكاري معهم عن حبٍ قديم وما أجدُ فيهِ من ملاذٍ جسدية، أي أنني كنتُ أجترُ ِخبراتَ الماضي، ثم أن تكرارَ المشهد قد أكسبني براعةً كبيرة في أختراعِ تفاصيلَ جديدة، أشدُ أثارة، أجبرتْ الشركاء المتشابهين على كتمِ الأصواتِ ومتابعةِ الحدثِ بصمتٍ، والذي عادةً ما ينتهي بالفوضى التي لابد منها لإستمرارِ الحياة ..

حقيقة، لا أتذكرُ في أيُّ كتاب قرأتُ هذهِ العبارة ..

وعلى غيرِ عادتهِ، جاء شبيهي لهذهِ الليلةِ مبكراً، فالأزماتِ التي تواجههُ تجبرهُ على التخفي أحياناً ريثما تهدأ الأمور، قضى الليلةَ متحمساً، مركزاً ذهنهِ في الوصولِ لأعمقِ نقطةٍ في الخلافِ، كافحَ بعنفٍ وجاهدَ بصبٍر لإيجاد الحلول، ولأنهُ كان مؤمناً بأنّ الحياة من أجلِ أن تستمرَ، لابدَ أن نقدمَ لشركائنا بعضَ التنازلات، فرضخَ وأستسلمَ ومن أجلِ أن يُثبت حُسنَ النوايا، سّلّمَ عن قناعةٍ وإيمان زِمامَ القيادة، ومع أذانِ الفجرِ وبيّنما كانَ يحاولُ أن يُزيلَ أثارَ فوضاهُ، توصلَ إلى سّر الغضب المنزل فينا .. 

عندما فكرتُ أن أدخلَ عالم الكتابة، لمْ أواجه صعوبة في ذلك ، فأحدُ أشباهي وكان كاتباً، منحني أسّرار هذا العالم، علمني كيفَ أختار العنوان الذي يثيرُ فضولَ القارىء، وأنّ أسبق الأحداث وأفترضُ الحلولَ لها، وهذا سّرَ تفوقُ الكاتبِ في مجتمعهِ وأيضاً، سّرَ غربتهِ .. 

لا أنكرُ أنّ الفوضى معهُ لها طعمٌ خاص، ليس فقط لإنها فوضى خلاقة مبدعة، بل لأنهُ كانَ حريصاً على أنّ لا يغادرَ قبل أن يضعَ نقاطهُ على الحروفِ من أجلِ أن تتوضحَ الفكرة وتؤدي رسالتها ..

حقاً، كانَ فنانًا صانعًا للجمالِ ..

أحدُ العناوين الجريئة التي أخترتها، أثارتْ إهتمام شبيهٌ مهم، لكنْ، بعد أن أثارتْ لديهِ أشياء أخرى .. 

كطيرِ الظلامِ، يأتي تحتَ جُنح الليل ويغادرُ تحتَ الجُنح الآخر، لا يتحدثُ كثيراً، وحينَ سألتهُ مرة عن سببِ ذلك، ردَّ 
– لقد بلعتُ صوتي، لستُ متأكدة مما قال ..

وأنا أزيلُ فوضاه بعد مغادرتهِ، شعرتُ بالخوفِ، لمْ أكنْ في حاجةٍ لمثلِ هذا السؤال الغبي، فأنا لا أخشىى الأرتفاع، لكني

أخافُ السقطة، هذه الجملة التي لا أتذكر أينَ قرأتها، تَصفُ حالتي، لكني لا أستطيع إخفاء أعجابي بهِ لإنه يعرف كيف يعيد تنظيم الفوضى دون أن يتركَ أثراً .. 

أيامي جميعها متشابهه، إلا الأيام التي لا أمارسُ الجنسَ فيها هي المختلفة، وهذا اليوم كانَ من الأيام المختلفة التي تمنحني وقتاً لأراقبَ الأحداثَ عن بعدٍ، بعد أن عرفتُ ما الذي يؤثرُ في سيرها وتحركاتها عن قرب ..
في برنامجٍ تلفزيوني، وفي يومي المختلف هذا، أجتمعَ أشباهي الثلاثة، أختلفوا في كل شيء لكنهم في النهاية، أتفقوا لتقديمِ الحلول التي تجعل كل أيامي متشابهه ..
في نهايةِ اللقاء، قدموا الدليلَ على إنهم سيظلّون متشابهين دوماً ولنْ يختلفوا يوماً، ثم كانت الساعة الخامسة فجراً حينَ صحوتُ من نومي، إنه موعد أذان الفجر ، ثمةُ قاذورات فوقَ سريري وجدتها، يا إلهي !! إنها من فعلِ أوراق مذكرات تلكَ المرأة المجهولة التي وجدتها في سلةِ النفاياتِ، ولكنْ!!! ما تلكَ النسخة النظيفة الثانية منها في دُرج مكتبي ؟؟ ..

Avatar

عن فتحي جوعو

فتحي بن الطّاهر جوعو، تونسيّ الجنسيّة، من مواليد 1956 بمدينة حمّام الأنف الموجودة في الضاحية الجنوبيّة للعاصمة تونس،متحصّل على شهادة الباكالوريا اختصاص آداب، ومتحصّل على الإجازة في الفلسفة من جامعة دمشق بالقطر السوري، مارس تدريس الفلسفة بالمعاهد التونسيّة طوال ثلاثة عقود ونصف، له كتابات متعددة ومتنوعة في الفكر والأدب والفلسفة والفن. صدر له كتاب: "انفعالات نرسيس، مقاربات فلسفيّة لنصوص جلال المخ الشّعريّة".سنة 2016 وكتاب:" الجسد هو الأصل: قراءة في مفارقات الجسد" سنة 2018 وكتاب:" أزمة المعنى" سنة 2018 وقيد النشر : كتاب " انتفاضات برومثيوس": مقاربات فلسفيّة لكتابات جلال المخ السّرديّة وكتاب" قراءات في الآداب والفنون"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*