المنهج العقلاني في فكر الدّكتور محمد الطالبي … في الذكرى الرابعة لوفاته. بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.

الدكتور محمد الطالبي

منذ البدء سنتّخذ لمقالنا موقفا محايدا لا يميل إلى هذا الرأي ولا إلى ذاك إذ أن الأمر في رأينا لا يتعلّق بالرّجل الدكتور محد الطالبي ولا بتعريفه أو التعرّض إلى مراحل حياته التي امتلأت صفحات الجرائد بها، فمسيرته الفكريّة الطّويلة والمفعمة بالنّشاط الفكري المبدع والجريء الّذي لم يتوقف لحظة إلى آخر أيّامه منذ ما يقرب عن القرن من الزمن تدلّ على هويّته وتعكس قامته الفكرية والعلمية ، كما أنّنا لن نتوقّف عند أفكاره ومواقفه من الدّيانات ومن القرآن ومن الشّريعة ولا حتّى من اجتهاداته المتعلّقة بقضايا حياتيّة يوميّة كقضّية الخمر والبغاء إلخ…فمؤلفاته ومحاضراته ولقاءاته وكتبه المتعدّدة ومخزونه الفكري النقدي تناولت هذه المسائل بكلّ عمق وتوسّع وهي أفضل برهان وأعمق دليل على ما يقول ويعتقد. وإن الطّريق إليها سهل وميسّر لكل من يرغب في البحث والمعرفة فيكفيه تناول كتاب من كتبه وإيلائه ما يستحق من العناية والاهتمام.

        إنّ الأمر إذن لا يتعلّق بالضّرورة بشخص أو بموقف بقدر ما يتعلّق بمنهج فكريّ وطريقة في البحث والتّدقيق والتّمحيص، لذلك نعتقد أن المكانة التي ميّزت الدكتور محمد الطالبي هي أولا وبالذّات مكانة منهجيّة. وكلّنا يعلم أن الثورات مهما كان صنفها ونوعها هي في الأصل ثورات منهجيّة، ثورات في كيفيّة التّفكير وطرق بناء المعارف والعلوم بالاعتماد على سلاح النّقد البنّاء الّذي يقودنا إلى تحديد الزّاوية التي نرى منها الوجود وكل ما يحتويه من معارف وعلوم وضعيّة كانت أم دينيّة. وللثّورات أسس ومبادئ وقيم تُعتبر الرّكائز الأساسيّة لنجاحها ومواصلة طريقها الصّاعد والقدرة على تجاوز ما يمكن أن يعترضها من عوائق وعراقيل وتحدّيات… لذلك نعتبر أن قيمة الدكتور محمد الطالبي تكمن في بعده المنهجيّ “الابيستمولوجيّ” الجريء وفي فكره النقدي الشّجاع الّذي مكّنه من تناول الموروث الدّيني الإسلامي وما ارتبط به من قريب أو بعيد من غزارة محاولات التّأويل والفهم والتّفسير متغافلين إن عن قصد أو دون قصد عن الأصل، بكلّ جرأة وشجاعة وثقة في النّفس معتمدا في كلّ ذلك على منهجيّة علميّة تقدميّة حداثيّة عيبها الوحيد أنها صادمة للعامة من المثقّفين وغير المثقّفين، مبدؤها الأول الاعتماد على العقل وحده كأساس صلب لبناء المعارف والعلوم، العقل بما هو خاصية جوهريّة وقسمة عادلة عند كلّ البشر، مع ضرورة الحذر من الظنون ومخاطرها والأوهام ومزالقها والتّصدّي لكلّ من يُسيء للمعارف والعارفين بالتّشكيك في قدراتهم الفكريّة وقيمتهم العلميّة، ألم يُعلن المعرّي في حينه عن هذا الصّراع القديم المتجدّد بين العقل والظن ، بين الحقيقة والوهم حين قال:

      كذب الظنّ لا إمام سوى ال   **** عقل مشيرا في صبحه والمساء

        إن الدكتور محمد الطالبي ناضل طوال حياته فكرا وسلوكا من أجل قيمتين جوهريّتين لا يكون الإنسان بدونهما إنسانا ولا يستقيم مجتمع بغيابهما وهما ” العقل ” و”الحرّية”. كيف لا والرّجل مفكّر مسلم كان ديدنه أسّ الإسلام وهو “الإنسان” المتدبّر الّذي ميّزه اللّه بالعقل وحثّه على استغلاله واستعماله في أمور الدّنيا والدّين؟! كيف لا والدكتور لم يتوان على الدّفاع عن الحريّة التي اعتبرها دينه ومذهبه، حريّة التّديّن وحريّة الرّأي والموقف والسلوك والاجتهاد. أخذ من الحريّة ركيزة التعقّل ورهان كل تطوّر وتقدّم للبلاد والعباد، جاهر بها وناضل من أجل إرسائها في زمن ساد فيه القمع ومنع الحريّات، رفع شعارها عاليا وقدماه مشدودتان إلى أرض الوطن. استنار وأنار بسلطة العقل دون رهبة ولا خوف معتقدا أن العقل والتعقّل في كلّ الأمور دينيّة كانت أو دنيوية هو مفتاح الانتماء إلى المدنيّة وهو الطريق المؤدّية إلى إدراك الأسس المتينة للمعارف والعلوم وهو السّلاح القاطع نهائيّا مع الظّلاميّة والجهل وهو أسّ إرساء دعائم التّقدّم في فهم الدّين والدّنيا وهو الحصن المتين من كلّ انزلاق في منحدر مخالب التعصّب والتحجّر والتزمّت التي لا تُعمّق إلاّ مظاهر التّخلّف في المجتمع الواحد وتدعّم التّناحر في علاقات أفراده ومؤسّساته برفضها للتّفاهم وتؤكّد الانغلاق دون الانفتاح على الآخر والاعتراف بمبدأ الاختلاف، فتحلّ في المجتمع البغضاء والعدوانيّة ورفض الآخر محلّ التّسامح الفكري والاعتراف بالآخر بما هو شرط الوجود داخل المجتمع ورهان إمكانيّة التّعايش السّلمي معا رغم اختلاف مواقفنا وتنوّع معتقداتنا.

ولعلّ الدكتور محمد الطالبي لم ينج خلال الفترة الأخيرة من حياته من هذه الظّاهرة التي ظهرت مؤخّرا في بلادنا وهي ظاهرة الجهل بالمعرفة الحقيقيّة المؤدّي حتما إلى ما تعرّض إليه الدكتور من سخرية وتكفير وتهديد بالقتل لا لشيء إلاّ لأن بعضهم جهل المقاصد الحقيقيّة للدكتور في بحوثه ودراساته وآرائه ومواقفه وفي اجتهاده الفكري بعيدا كلّ البعد عن الفقه والإفتاء وقد عبّر أكثر من مرّة عن هذا الاجتهاد الفكري الشّخصي الّذي يُلزمه وحده ونادى في أكثر من مناسبة عن حقّ الإنسان المفكّر في أن يجتهد دون أن ينزع عن الآخر هذا الحقّ. وقاوم بشراسة الجهل والجهلة واعتبرهم أصل التّخلّف في المجتمعات وأكبر عائق نحو الانعتاق إلى الحريّة كحقّ كوني ومكسب إنساني، وأيسر الطرق إلى الوقوع في التحجّر الفكري والظلاميّة المقيتة الّتي ما يزال مجتمعنا يكابد مخاطرها على الفكر والمعيش اليومي إلى.  

         لسنا بحاجة إلى التأكيد أن مجتمعنا اليوم يعيش أزمة، أزمة في أصلها فكريّة منهجيّة تفتقد إلى التعقّل بالمعنى المنطقي والحكمة بالمعنى الفلسفي والتوازن والاعتدال بالمعنى الأخلاقي.. وقبول الرأي المخالف في أمور الدّنيا والدّين. لذا يفتقد مجتمعنا إلى ثورة فكريّة معرفيّة وأخرى أخلاقيّة تعيدان للذّهن وللمجتمع توازناتهما، ثورة سلاحها النّقد البنّاء الموضوعي والنّزيه تستمدّ جذورها من أصحاب العقل النّيّر والفكر المبدع الخلاّق في البحث والتّمحيص في كلّ المجالات دون استثناء أمثال محمد الطالبي من تونس ومحمد أركون من الجزائر ومحمد العابد الجابري من المغرب وحسن حنفي ونصر حامد أبو زيد من مصر وغيرهم كثيرون من الذين استماتوا في الدفاع عن جوهر الدّين ضدّ مخالب الظلاميّة التكفيريّة. ولا يخفى أن ثورة ما لا يُكتب لها الانتصار إلا حين تكون ملازمة لثورة منهجيّة بالأساس تقطع مع ما لحق بالماضي من سلبيّات ومظاهر فشل ورداءة وتتبنّى إيجابيات الماضي وإبداعاته لتبني عليها حاضرا ومستقبلا أفضل. فلم تنجح الثّورات التي عصفت بتاريخ البشريّة وقوضت المعارف المهتزّة إلا بعد أن قطعت مع أخطاء الماضي التي أضحت موضع خجل للعقل وللعقلانيّة وانطلاقا من كشف تلك الأخطاء بروح علميّة موضوعية نقديّة شجاعة وجريئة حقّقت بها المجتمعات أشواطا واسعة من التقدّم والرقيّ.

Avatar

عن فتحي جوعو

فتحي بن الطّاهر جوعو، تونسيّ الجنسيّة، من مواليد 1956 بمدينة حمّام الأنف الموجودة في الضاحية الجنوبيّة للعاصمة تونس،متحصّل على شهادة الباكالوريا اختصاص آداب، ومتحصّل على الإجازة في الفلسفة من جامعة دمشق بالقطر السوري، مارس تدريس الفلسفة بالمعاهد التونسيّة طوال ثلاثة عقود ونصف، له كتابات متعددة ومتنوعة في الفكر والأدب والفلسفة والفن. صدر له كتاب: "انفعالات نرسيس، مقاربات فلسفيّة لنصوص جلال المخ الشّعريّة".سنة 2016 وكتاب:" الجسد هو الأصل: قراءة في مفارقات الجسد" سنة 2018 وكتاب:" أزمة المعنى" سنة 2018 وقيد النشر : كتاب " انتفاضات برومثيوس": مقاربات فلسفيّة لكتابات جلال المخ السّرديّة وكتاب" قراءات في الآداب والفنون"

4 Replies to “المنهج العقلاني في فكر الدّكتور محمد الطالبي … في الذكرى الرابعة لوفاته. بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.”

  1. على ما أذكر استاذي العزيز أن المفكر محمد الطالبي تطرق إلى مسألة المقاصدية ، و الذي أثار شكوكي و غضبي إلى حد ما تناقضه بخصوص عمل المرأة . بخصوص التجديد في الفكر الإسلامي كمفهوم من المفروض أن يصنع جديدا يمكنه من تجاوز النموذج الماضوي فاذا به غارق في التكفير و لا توجد له علاقة بالتجديد
    ماذا عسانا أن نفهم من هنا ؟؟؟؟

    • مرحبا بك أستاذة أمل وأشكر تفاعلك… لكل مفكر ولكل كاتب محتويات ومضامين في كتاباته تثير الجدل وهذا إيجابي جدا ودليل على ما لها من إثارة للفكر وتساؤلات بعضها يجد القارئ لها إجابة وكثير منها يثير أسئلة أخرى وإن مقالي ذاك لم يركز ،إن لاحطت، إلا على المنهج العلمي الموضوعي الذي اتبعه الدكتور في كل أعماله ولم أولي أهميّة كبرى لمحتويات كتاباته احتراما لموضوعية التعامل والتناول . شكر مرة أخرى على تفاعلك واهتمامك بما ينشره الموقع وما تثيره نشرياته من إثارات

      • من المؤكد أن لاي كاتب محتويات و مضامين في كتبه تثير الجدل و كما قلت تعتبر ايجابيات
        كل الاحترام والتقدير للمفكر المرحوم محمد الطالبي دام فخرا لنا رغم ما اكنه داخلي من تساؤلات عدة، البعض منها وجدت لها إجابة و البعض الآخر و المهمة منها مازالت مجهولة و يمكن القول أنها رؤية اقل ما يقال عنها ضبابية

        • ليس مشكل أبدا أن تتحصلي على إجابات على بعض الأسئلة وأخرى تبقى تنتظر ولعل ذاك دافع لمواصلة البحث والتقصي ومتابعة منتجات الفكر عن قرب وبتمعن . أشكر تفاعلك ومرورك على إنتاجات الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*