ذكرياتي مع فيروز … ( الجزء الأول والثاني) بقلم الشاعرة رانية مرعي من لبنان.

في بيتٍ غارقٍ في أحلام الياسمين والجوري ،وعابقٍ برائحة الحبق .. تنشّقتُ رائحةَ الأمل.. وبدأتْ طفولتي ترسمُ ملامحي التي يقولُ لي كلّ من عرفني أنّها لم تتغيّر .. هناك ، بدأت علاقتي مع فيروز ! كنتُ دائمًا أعتقدُ أنّها تسكنُ في الجوار .. وكم بحثْتُ عنها من شرفة منزلنا كلّ مساء لأسمعها وهي تغنّي ” يا قمر مشغرة .. يا بدر وادي التيم ..” صوتٌ كنتُ أسمعُهُ من ذلك الراديو الأسود الكبير الذي وضعَتْهُ أمي في غرفتها.. كانت تتسلّلُ إلينا كلّ صباح وأمي تغنّي معها .. أمي التي تملكُ صوتًا عذبًا واعتقدتُ أنّي كما أشبهها بملامحي ، سأشبهها بحلاوته.. وكم حزنْتُ عندما اكتشفت عكس ذلك..وكان ذلك أوّل خذلان ! ما كانَ ليبدأ يومنا دون ” يسعد صباحك يا حلو ..” ولأني كنت الفتاة الوحيدة كانت كلماتها لي وحدي حتى وجدت نفسي يومًا مضطرةً أن أتقاسمها مع أخي.. “شادي ” شادي الذي ضاعَ من تلك الأغنية ووجدتُه يومًا يغطُّ في نومٍ عميق في السرير الثاني في غرفتي .. وأذكرُ مطالبتي أمي أن تجدَ أغنيةً لاسمي كما فعلت مع شادي ! لأرضيَ كبريائي أمامه وحتى أمام أمي وأبي.. نعم ، كنْتُ الوحيدة التي لم تغنِّ لها فيروز !! فلشادي أغنيته .. وللرباب أغنيتها .. وللزين أغنيته .. أمي كانت تشدو بأغنية ” عالزينو ..الزينو ..أسمر ومكحّل عينه ” فيفرح أبي وأبي يترنّمُ ” بسلِ الرياحين عنّي ..وسل حنين الرّباب ” فتفرح أمي وأنا الحانقة دومًا ..كم تساءلتُ لم تكرهني فيروز ؟! ولم ينتهِ ذاك الشعور إلا بولادة أخي الثاني ” لؤي ” الذي شاركني نفس الهم ..في ذلك العمر !!

لطالما كنتُ أسأل نفسي ، كيف تعرفُ فيروز ما يجري في منزلنا ! لا يكادُ شيءٌ يحصل إلّا ويكونُ طيفُها حاضرًا.. وصوتُها محمّلًا بالأحاسيس التي تجتاحُنا ولو خلسةً.. ” يا جبل البعيد .. خلفك حبايبنا ” كانت أغنية الحنين التي تنشدها الرّباب كلّما اشتاقت لجدي المسافر .. وكنت لأواسيها أقول :” لا تحزني أمّاه ..والدُ فيروز أيضًا مسافر وهي مثلكِ تشتاقه ..” وسؤال أذكرُ كم أضحك أمي ومسحَ عَبَراتها عن وجنتيها ..” هل والدك ووالد فيروز صديقان .. هناك .. خلف الجبل البعيد ..؟ ” وأذكرُ أنّي كنتُ أدّعي النعاس لأختليَ بصوت أمي ، لا لأسمعَ الحكايا بل لأنعم بوصلةٍ شجيّة من أغنية ” يلا تنام ..يلا تنام ..” وأنا ..لا أنام ! بل أمعنُ في السّهر لأستمتعَ بتلك النّغمات التي كانت تبرعُ في دندنتها .. وللعيدِ في ذاكرتي زاويةٌ خاصّة.. فهناك وجوه كلّ أطفال العائلة .. كنّا نجتمعُ في بيتنا ليلة العيد .. أمهاتُنا يصنعْنَ ” المعمول ” وأنا كنت أرتّبُ الكراسي ليجلسَ الجميع وليسمعوني أنشدُ ” ليلة عيد ..الليلة ليلة عيد ” .. وما أجملها ليلةَ العيد ! ما كنّا لننامَ ونحن نحدّقُ في ثيابنا الجديدة.. فرحُنا الكبير في زمنٍ ..ليته يعود ! كلّ هذا الحب لفيروز .. ولم أكن أعرف ملامحها ، كنتُ أرسمها فتاةً بجديلة مع فستان زهريٍّ يشبه الفستان الذي خاطته لي زوجة عمي .. وفي يومٍ ناداني أبي وقال :” عندي لكِ مفاجأة سارّة ..” ألبستني أمي أجمل ما عندي ، ووضعَتْ وردةً في شعري القصير ..دائمًا ! دخلنا مكانًا واسعًا .. جلستُ مستغربةً أمامَ شاشةٍ كبيرة .. وأجزمُ أنّي عندما صرخت ” أمي .. هذا صوتها .. فيروز هنا ” سمعني كلّ من كان في سينما ” روكسي ” في قريتي الوادعة مشغرة .. دهشةٌ رافقت كلّ دقيقةٍ من فيلم ” سفر برلك ” مع عدلا وعبدو .. والمختار الوطنيّ .. وأبو أحمد المقاوم .. وبحري الخائن .. وفي تلك الليلة .. فهمْتُ لم أحببتها كانت تشبه مشغرة .. كانت لبنان !

(يتبع…)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*