أرَى الأشْيَاءَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ..! بقلم الشاعر عادل سعد يوسف من السودان.

فِي الخَامِسَةِ والأرْبَعِينَ
بَدَأتُ أرَى الأشْيَاءَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ
لَمْ أعُدْ أفَكِّرُ فِي المَرَايَا/ المَرَايَا الَّتِي تَنْبِضُ بِشَعْرِيَ الأبْيَضِ وَلا تَعْرِفُ انْطِبَاعَاتِي الشَّخْصِيَّةَ عَنْ مِشْنَقَةِ الضَّوْءِ، لا تَعْرِفُ أسْبَابًا لِمَهَارتِي الجَدِيدَةِ فِي حِيَاكَةِ الفَرَاغِ، لا تَعْرِفُ لِمَاذَا أبْدُو كَقِطْعَةِ ثَلْجٍ فِي غَسَّالَةِ المَلابِسِ.
لَمْ أعُدْ أفَكِّرُ فِي رَبْطَةِ العُنْقِ المُشَجَّرَةِ، فِي شُحُوبِ الأزْرَارِ عَلى البَالْطُو القَدِيمِ، فِي مُشَاكَسَةِ الحَمَامِ الجَبَلِيِّ عِنْدَ جَلْسَةِ الشَّاي، الأوْرَاقِ المُتَسَاقِطَةِ مِنْ القَمَرِ الشَّتَوِيِّ عَلى وِسَادَتِي
لَمْ أعُدْ أفَكِّرُ فِي الأشْباحِ الإيرُوتِيكِيَّةِ الَّتِي تَخْرُجُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ قَارورَةِ العِطْرِ
لَمْ أعُدْ أفَكِّرُ فِي الصَّبَاحَاتِ النَّظِيفَةِ كأقْدَامِ رَاهِبَةٍ كَاثُولِيكِيَّةٍ
لَكَأنَّنِي
أجْلِسُ بِحِيَادٍ حَيَاتِيٍّ مِثْلَ بُومَةٍ
فِي مَرْكَبَةِ عَامَّةِ.
………………………
………………………
فِي الخَامِسَةِ وَالخَمْسِينَ
كَانَ عَلَيَّ أنْ أرْتَكِبَ أخْطَاءً كَثِيرَةً
أخْطَاءً لا يُمْكِنُ تَبْرِيرُهَا قَطُّ
أَلَّا أذْهَبَ لِلقَاءِ اِمْرَأةٍ وَحِيدَةٍ
وَحِيدَةٍ كَوَاحَةٍ فِي مُخَيِّلَةِ رَجُلٍ صَحْرَاوِيٍّ
وَلأسْبَابٍ أجْهَلُهَا أبْتَكِرُ حِجَجًا مَقْبُولَةً لِأوْجَاعِيَ النَّفْسِيَّةِ
أتَعَلَّلَ بِأنَّ حِذَائِيَ المَثْقُوبَ يَحْمِلُ رَائِحَةً كَرِيهَةً بِحَجْمِ غُرْفَةٍ فِي نُزُلٍ رَخِيصٍ وَلا يَلِيقُ بِنَظَّارَتِهَا السَّمِيكَةِ، الثَّرْثَرَةِ العَائِلِيَّةِ المُقدَّسَةِ، نُوسْتَالْجِيَا العِشْرِينِيَّاتِ
وَلأسْبَابٍ لا أفْهَمُهَا؛ أفَضِّلَ عَلَيْهَا فِلْمًا كِلاسِيكِيًّا مِنْ بُطُولَةِ الْبِرْت لانْكِسْتَرْ وَكِيرْك دُوغْلاسْ، أوْ جَلْسَةَ نَمِيمَةٍ سَاخِنَةٍ مَعَ الأصْدِقَاءِ، أوْأتَأمَّلُ مَشْهَدًا مُتَوَحِّشًا لِغَابَةٍ مِنْ الفِئْرَانِ فِي جَارُورِالأحْذِيَةِ.
كَانَ عَلَيَّ أيْضًا
بَعْدَ الثَّامِنَةِ والخَمْسِينَ
أنْ أرْتَكِبَ أخْطَاءً عَنِيفَةً كَسَائِقِ نَاقِلَةٍ بِتْرُولِيَّةٍ
أنْ أكْنُسَ عَوَاطِفِي بِمَقَشَّةِ ذَابِلَةٍ وَأعُضَّ قِطَّتِي ذَاتَ الفِرَاءِ المَخْمَلِيِّ
أنْ أنْزَلِقَ بِصُورَةٍ غَرِيزِيَّةٍ فِي مِقْيَاسِ الوَقْتِ
أصْنَعُ لِشَجَرَةٍ البُونْسَاي أصِيصًا مِنْ فُخَّارِ اللاجَدْوَى
أنْ أدْعُوَ جَارِيَ البَبَغَائِيَّ لِفُنْجَانٍ مِنْ السَّخْطِ العَامِّ
وَأنْ أقُولَ لِصَاحِبِ البَقَّالَةِ دُونَ مُجَامَلَةٍ لِمَاذَا تَبْدُو- كُلَّ أوَّلِ شَهْرٍ- مِثْلَ قِطْعَةِ جُبْنٍ مُتَعَفِّنَةٍ؟
ثُمَّ أفْتَعِلُ مَعْرِكَةً مَعَ عَرَبَةِ النِّفَايَاتِ
لَكِنَّنِي
وَمِنْ المُؤْسِفِ جِدًّا
بَعْدَ السِّتِينَ مِنْ العُمْرِ
أتَذَكَّرَ الكَذِبَ الَّذِي مَارَسْتُهُ بِوَقَاحَةٍ/ السَّرِقَاتِ الصَّغِيرَةَ لِكُتِبِ دَارِ التَّقَدُّمِ الرُّوسِيَّةِ وَغُبَارَهَا الأيدُيُولُوجِيَّ/ طُفُولَتِي البَاكِرَةِ وَدَرَاجَتِي ثُلاثِيَّةَ العَجَلاتِ/ ذَهَابِيَ بِمَلابِسي الدَّاخِلِيَّةِ لِحَفْلٍ مُوسِيقِيٍّ/ ابْتِسَامَةَ المُعَلِّمَةِ وَهِيَ تَنْطِقُ عَلامَتِي السَّيِّئَةَ فِي مَادَّةِ الرِّيَاضِيَّاتِ/ التَّلَصُّصَ عَلى امْرَاةٍ مَشْغُولَةٍ بِمَسحِ أرْضِيَّةِ الغُرْفَةِ/ الخ الخ…
وَمِنْ المُؤْسِفٍ جِدًّا
أتَذَكَّرُ كُلَّ ذَلِكَ
وَأمْعِنُ فِي كِتَابَةِ الشِّعْر.

One Reply to “أرَى الأشْيَاءَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ..! بقلم الشاعر عادل سعد يوسف من السودان.”

  1. كان سيكون من المؤسف جدا ان لا تجتر هذا الشريط النستالوجي المواكب والراهن المعاش في هذا الثوب القشيب من الجمال العادلي المعهود..
    كنا سنفتقد هذا العبق..
    شكرا للاسف الذي ينضح عطر الاسعاد والسعادة..
    شكرا للفخيم عادل سعد يوسف احد ركائز الابداع المعاصر بتعدد واجهات إبداعه الشعري والفكري والفلسفي الممزوج بالتجربة الحياتية العامرة..
    شكرا للاسف الاسيف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*