امرأتنا و وقعُ الزمكان.. بقلم عاطف بن عبد القادر من تونس.

rpt

صورة أخرى تنضاف إلى سجلات عجمة الأشياء التي نستدل بها على الخواء والهلاك المستبدّ الذي يتوارى بوهج الكلمة والفعل لحظة تعطّل إرادة اللغة عن التكلّم وتفقد الحروف مراجعها في زحمة الخراب وانهيار الكائن واستفحال القوّة وتراجع السلطة وتفاقم رغبة الذات ومحو الآخر بدافع مزيد من التملّك والاستعباد …

لا يختلف اثنان بأنّ تركيبة المجتمع الحديث قد تغيّرت بين الرجل والمرأة، إذ أصبح الجنس الواحد عاجزاً لوحده أمام تحديات الحياة ورهاناتها وأمام إصراره على دوام استمراريته، صار لزاماً عليه الاحتكام إلى الجنس الآخر دونما تمييز أو تهميش في ملامح توزيع الأدوار والمسؤوليات من حيث القيمة والوظيفة، الوقعُ والمنصب.

آن الأوان لتحسين سجل المرأة الرديء الذي لطالما طغت عليه لسنينٍ طوالٍ سيَر التاريخ ومآسيه وأفكار المجتمع المتخلفة ورواسب الجهل وتراكمات التربية المحافظة ومعتقدات العقلية الذكورية الجامدة.

اليوم وأكثر من ذي قبل، تعتبر المرأة ركيزة المجتمع ليس كشعار وهميّ وإنما بالفعل، ويتضح ذلك من خلال أدوارها ووظائفها وتأثيراتها العميقة في سلّم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فمساهماتها طالت جلّ أصعدة المجتمع في الأسرة، سوق العمل، التعليم، الصحّة، الزراعة، الإدارة، الدفاع والجيش وغيرها كأمثلة لا للحصرِ.

غير أن واقعنا المعيش الذي يسري فينا – ينبع منّا ويعود إلينا – لا يزال يكشف نظرة المجتمع لحقوق المرأة وحرياتها أو بالأحرى لم يستطعْ جهض فاعلية السلبية المفرطة المنتشرة في عصارة تفكيرنا وأسرهِ، أو بعبارة أخرى بقي متشربًا لفكرة أدوار المرأة الثلاث المختزلة في الأمّ والزوجة والخادمة ولكن دورا رابعًا ظلّ منسيًا ألا وهو دور المرأة الانسان ..

والحذر كلّ الحذر، إن بقيت صورة المرأة في عرف المجتمع إنسانًا فاقد الأهلية أو قاصرًا يهمّش ويحتكر ويعنّف ويعذّب ويسلّط عليه شتى أنواع التفقرقة واللامساواة. فرغم كثيرٍ من تلك الحقوق والبنود المسطّرة التي تحمي حقوق النساء وتعاقب كلّ من يظلمها أو يمارس عليها مختلف الانتهاكات المادية والمعنوية، فإننا لو سلّطنا الضوء على عديد من المجتمعات باعتبار مجتمعنا أيضًا نجدُ أنّ المرأة لا تمتلك حتى أبسط حقوقها خاصةً إن توغلنا في حيثيات التوزيع الجغرافيّ. ها هنا يطرح سؤال مفصليّ: لماذا رغم تطوّر ” العقليات ” وتفشي ثقافة ” التحضّر ” نجدُ شعوباً ما تزال متقوقعةً في جهلها وتعاملها المعلنِ للمرأة بقسوةٍ؟

تبقى المرأة صمّام رقـيّ المجتمع ليس حبراً على ورقٍ وإنما سيبيّنه المستقبل بجلاء إلى حينٍ، وحتى ذلك الوقت على المرأة أن تكون حديديّة أمام صعاب الحال والمآل مؤمنة كلّ الإيمان بإقامة مجتمع ما بعد الحداثة يقرّ بأنّ العلاقة بين الرجل والمرأة يفترض أن تكون علاقة إنسان مقابل إنسان آخر وليس علاقة مشروع تكامل انسانٍ بآخر. فاقد الشيء لا يعطيه إذ لا يستوي مجتمع من المجتمعات إذا كان نصفه ميتًا أو مكسورَ الجوانح أو مبتور الارادة.

جربة في 25/ 11/ 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*