الهدرة السّادسة 13-11-2018…من كتاب ميتروهات..وهدرات.. للكاتبة سونيا عبد اللطيف من تونس.

أثناء حصّة الدّرس وحين كنت منشغلة مع التّلاميذ تفاجأت بطرقات على الباب وبفتاة تقف أمامه تطلب الإذن بالدّخول…

دنتْ منّي مسلّمة، مقبّلة، قائلة: سيّدتي، هل عرفتني؟ هل مازلتِ تتذكّرينني؟ لقد درست من عندك منذ خمسة أعوام… درّستني العربيّة والأنقليزيّة… أما تذكّرتني؟ سيّدتي كنت أجلب لك دفتر المناداة من مكتب المدير أحيانا… أنا ما نسيتكِ… دائما أتذكّرك سيّدتي … لقدْ جئت إلى المدرسة العديد من المرّات لأسلّم عليك لكنّي لا أجدك… سألت عنك السّيد ربيع الشابّي وسألته عن جدول أوقاتكِ سألته أيضا عن السّيدة مادام أحلام التي درّستني في السّنة الثّانية قيل أنّها انتقلتْ إلى مدرسة أخرى…

كانتْ تتكلّم كآلة التّسجيل دون توقّف، الحكاية تلو الحكاية، كنت أنصت إليها مدهوشة، وفي ذات الوقت أتصفّح وجهها وأتمعّن ملامحها لعلّني أتمكّن من تذكّرها…

قلت: ربّما ملامحكِ تقول شيئا لكنّني نسيت والله فاسمكِ ولقبكِ ليسا غريبيْن عنّي… كذلك أنتِ، فوجهكِ مألوف عندي… امممم… لكنّكِ اليوم صرتِ ما شاء الله، آنسّة جميلة كلّ شيء فيكِ مرتّب… شعرك.. حاجباك… بشرتكِ… عيناك… الماكياج… كيف لي أن أتعرّف إليك…؟

– ولكنّكِ أنتِ لمْ تتغيّري يا سيّدتي.. أنتِ كما أنتِ… مازلتِ جميلة.

– عن جدّ؟

– إيه والله… إنت حقّا كما عهدتكِ آخر مرّة منذ خمسِ سنواتِ… فأنتِ يا سيّدتي جميلة وأنيقة … ما أحلاك… والله …

-في أيّ قسم صرتِ الآن؟

-السّنة الثّانية من التّعليم الثّانوي

-وأيّ شعبة؟

-شعبة الآداب سيّدتي..

-أحقّا؟

-إيه، والله يا سيّدتي… وصرت متميّزة في اللّغة العربيّة، كذلك في الأنقليزيّة… فقط اللّغة الفرنسية… أنا بين بين فمعدّلي فيها قد قد…

-جميل ما أسمعه، واصلي عزيزتي وستريْن ثمار جهودك… لا تنسيْ المطالعة والقراءة باستمرار وبكلّ اللّغات… المطالعة تنمّي لك قدراتك الفكريّة والعلميّة والثقافيّة وتصقل لك مواهبك…

-حسنا… سيّدتي، هل تعلمين؟ لديّ محاولات عديدة في كتابة الخاطرة… إنّي أقرأ الكثير من الأعمال الأدبيّة والشّعريّة لعدّة أدباء وشعراء وأحاول أن أحفظ منها بعض المقاطع وأحتفظ ببعض الصّور الشّعريّة التّي تروق لي… ثمّ أعيد صياغتها بطريقتي… فأزيد… أحذف… أغيّر…

-ممتاز… هل بإمكانكِ أن تعرضي عليّ البعض من محاولاتك لأتعرّف إلى مستواك ونوعيّة كتابتك؟ قد أنصحك وأعطيك رأيي لو أحببْتِ؟ ممكن؟

-بكلّ سرور سيّدتي سأجلب لك بعضها إذا تسنّى لي الوقت…

-تفضّلي، مرحبا بك متى شئتِ…

-ومتى أجدك؟

-الأربعاء القادم في مثل هذا الوقت…

-إن شاء الله، حاضر سيّدتي…

ثمّ انحنتْ تقبّلني القبلة تلو القبلة… أربع قبلات على الوجنتين.. وبدوري قبّلتها لكن ما راعني إلاّ وهي تنحني وتجذب يدي إليها وتقرّبها من فمها وتلثمها، كانتِ الحركة سريعة جدّا لم أكن أتوقّعها، شعرت بالحرارة تنال منّي وتسري في كامل جسدي لقد سبّبتْ لي تلميذتي الحرج بتلقائيّتها وبراءتها… كمْ تمنّيت لو لمْ تفعل ذلك…

جذبت بسرعة يدي اليمنى وسحبتها من بين يديْها، وبيدي اليسرى رفعت لها رأسها ووقفت وأنا أربّت على كتفها وأردّد: أنتِ ابنتي عزيزتي… أنتِ ابنتي… أنتظرك قريبا… هل سمعت؟

لا تتصوّرون مدى تأثير هذا الموقف فيّ خصوصا أنّه تمّ أمام أعين التّلاميذ المشتعلة وآذانهم المرهفة المدرّبة على التقاط الحديث وحبّ التّطفّل والإطّلاع ورصد أحوال الغير ومعرفة ما يجري من أخبار خصوصا إذا كانتْ الهدرة لا تهمّهم وتخصّ معلّميهم ليجدوا ما يروّجونه في أوساطهم وحيث يحلّون…

تهاطلت في ذهني وقتئذ أسئلة عديدة…

هل مازال أطفال في هذا الزّمن بهذه النّوعيّة؟

هل مازال تلاميذ يحترمون المعلمين والمدير والكبير ويرون فيه القدوة والمثال ويحظى باحترامهم وتقديرهم…

هل مازال من هو بمثل هذه البراءة ويقبّل يد معلّمه أو معلّمته بكلّ عفويّة؟

هل مازال أطفال بهذا الصّدق والوفاء…؟

إنّني أشكّ في ذلك… وإن وجدوا فإنّهم نادرون، أقولها بصدق لقد مات الاحترام والتقدير… اسألوني أنا التي أعيش هذا المجتمع وأشاهد الوسط الثقافي وأسمع وأرى تقريبا كلّ ما يجري… لكنّ ما حدث اليوم أعتبره استثنائيّا ويبشّر بالخير فلا تقولوا على الدّنيا السّلام… بل قولوا أهلا وسهلا يا دنيا سيأتينا السّلام…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*