الهدرة الحادية عشرة… جرو في بيتي..بقلم الكاتبة سونيا عبد اللطيف من تونس.

أنزلتني زميلتي من سيّارتها قريبا من الحيّ الذي أقطنه، شكرتها وكلّ راح في سبيل حاله، هممت بشراء بعض الغلال من عند أحد الباعة هنالك أمام المخبزة إلاّ أنّي تراجعت ولا أعرف لماذا… كنت متعبة ومرهقة فأنا منذ غادرت البيت على السّاعة السّابعة صباحا إلى هذا الزّمن حواليْ السّادسة مساء لم آخذ ولو قسطا صغيرا للرّاحة ولم أتناولْ غداء ولم أتمدّدْ…
سرت نحو بيتي، وعلى بعد عشرين مترا شاهدت جروا صغيرا يتهادى في مشيته، يميس تارة يمينا وطورا يميس شمالا وأخرى يتراجع إلى الخلف، كان يبدو عليه الاضطراب والخوف، كان يعوي بصوت ضعيف، يبدو أنّه تائه وحائر ولا يعرف أين يتّجه…
ألقيت بنظرة حوله ربّما هنالك شخص يتبعه أو يصحبه… لا أحد معه، ولا أحد يتبعه ولا أحد ينتظره أو يراقبه، فجأة لمحت سيّارة تخرج من منعرج كادت تدوسه ظننت أنّها ستتوقّف لالتقاطه، لم تفعل… وصل إليّ كان يسير نحوي في اتّجاهي… لونه أسود، بل مزيج بين البنيّ والرماديّ، ممتلئ، مكتنز، وجهه لطيف، عيناه بريئتان، نظراته وديعة، أنا التي أكره الكلاب وازددت كرها لها بعد أن عضّني واحد في الحيّ وأنا أسير في الطّريق منذ شهر… علما أنّ بعد الثّورة كثرت الكلاب السّائبة في كلّ الأماكن…
أعجبني هذا الجرو وشدّني منظره وأشفقت عليه، أحسست أنّه ضائع يبحث عن أمّه أو عن أصحابه وما عرف كيف يهتدي إليهم…
تجاوزته وتركته ورائي يمضي في طريقه مضطربا ولم التفتْ…
وكأنّي أحسّ بخطوات تتبعني، أشعر بشيء يقتفي آثاري، ألتفتُ يمنة أشعرُ به يختفي يسرة، ألتفتُ يسرة أشعرُ به يختفي يمنة، يا إلهي، هل نحن في لعبة الغمّيضة؟ توقّفت والتفتّ إذ بالجرو خلفي يكاد يلامس قدمي غير أنّه تراجع حين وقفتُ… رفع رأسه ونظر إليّ نظرة وديعة وذليلة وكان ذيله يرقص يمينا شمالا، عدتُ إلى سيري، إنّه يتبعني، يمشي خلفي، كأنّني صاحبته، عبرْتُ نهجا ولمّا كان بصدد اقتفائي خرجتْ سيّارة على حين غفلة وتوقّفتْ عنده خوفا أن تصدمه، نظر إليّ السّائق كأنّه يلومني ظانّا أنّه جروي، وبدوري نظرتُ إليه ربّما يكون صاحبه فينزل ويأخذه… عدتُ أدراجي إليه خطوات حتّى أقبل إليّ بعد أن كان واقفا متسمّرا مصدوما أمام السّيارة، مشيتُ، مشى، ثمّ تركتُه يسبُقُني، رأيته يعبر الطّريق ليتوقّف تحت جدار ربّما قد تعب أو زاد خوفه واشتدّ بعد تلك الحادثة…
في الحين شاهدت بنتا صغيرة أقبلتْ تجري نحوه وتريد أن تضع يدها على ظهره لكنّها كانتْ متردّدة وخائفة هي الأخرى، خاطبتُها قائلة: – هل هو جروك؟ التفتتْ وأجابتِ برأسها: – لا قلت: – خذيه واحمليه إن شئت… نظرتْ إليّ واستوتْ واقفة، قلت: – تأخذينه أو آخذه؟ ولا أدري من أين جاءتني هذه الفكرة؟ فكرة أخذ الحيوان، تراجعت البنت، فانحنيتُ وكنت مثلها خائفة لكن بيني وبين نفسي لأنّي لا أطيق لمس الكلاب خاصّة إذا حاولتْ لحس يدي أو قدمي أو أن تتمسّح بي… جعلت كفّ يدي اليمنى تحت بطنه ورفعته كما يرفع الرّياضيّ الكرة الحديديّة كان قلب المسكين يخفق خفقانا ويرتجف ارتجافا…
واصلت سيري وكانت بعض الأعين تنظر إليّ عندما أمرّ بهم كما كنت بدوري أنظر إلى الوجوه لعلّ أحدهم يستوقفني ويسألني عن أمر هذا الجرو ومن أين جئت به أو كيف عثرت عليه أو يقول أنّه له…
وصلت العمارة التي أسكنها، كانت ابنتي تقف في الشّرفة، لمحتني وأنا أحمل الجرو في يدي فصاحت: – لن أفتح لك…
هي مثلي لا تطيق الكلاب ههههه واستغربتْ أمري…
طرقت الباب… بعد إلحاح فتحته وهرعتْ إلى الخارج…
جعلت للجرو صندوقا من الورق المقوى كان لطاقم كؤوس اشتريتها، وضعت له شيئا من الجبن والماء… كان ساكنا، ساكتا…
بعد العشاء جلست لتقشير بعض الخضر حين بدأ هو في العواء والصّراخ وكان يحدث ضجّة كبيرة لمحاولة الخروج من الصّندوق كنت كلّما لمحته يطلع رأسه ورجليه الأماميّتين أقوم لأمنعه وأنهره ليسكت ويهدأ…
دون جدوى، ذهبت إليه عدّة مرّات ونهرته عدّة مرّات لكنّه كان يهدأ لحظة وحالما يراني أبتعد يعود إلى النّواح، ظللت معه وقتا قرابة السّاعة، لم يكفّ عن عوائه بل هاج وماج، بدوري توتّرت ولعنت نفسي أنّني حملته وجلبته… كنت قد حدّثت نفسي أن أتركه في شرفة المطبخ حتى صباح الجمعة وعندما يقصد زوجي مدينتي قليبية أسلّمه إيّاه كيْ يوصله ويعطيه لأخي فهو يحبّ الكلاب وكذلك أبناؤه…
لم يسكت اللّعين فبقدر إعجابي بشكله ولونه ومنظره فأنا قدْ خمّنت أنّه من فصيلة كلاب خاصّة فهو يختلف عن الكلاب العاديّة بقدر ندمي على حمله وخوفي أن تشكوني الجيران أو تقبل إلى بيتي جارة تستجوبني عن سرّ هذا العواء…
لم أعرف ماذا أفعل، اتّصلت بأخي على الماسنجير، أعرف غرامه بالكلاب والحيوانات فهو مولع منذ الصّغر بتربيتها، لا يوجد نوع من الطّيور لم يربّه ولا فصيلة من الدّجاج لم يفرّخها، فهو كلّما سافر إلى بلد لابدّ أن يعود بفصيلة نبات أو بذور أو بيض… ذات مرّة سافر إلى لندن وفي عودته جلب بيضا لنوع من الدّواجن والإوزّ وجعله تحت دجاجة تحضنه… وأذكر أنه جلب مرّة لابنيه غزالا صغيرا لا أدري من أين حصل عليه، كما أذكر أنّه اشترى لابنته زهرة وابنه أحمد لمّا كانا صغيريْن جحشا ليلعبا معه… وكان كثيرا ما يربّى الماعز والخرفان من كلّ لون وشكل، أمّا القطط فلا أذكر عددها ولا أنواعها، ثمّ لا أنسى أنواع النباتاتِ… فكلّ الأشجار والورود جرّب غراستها وكلّ أنواع البذور نثرها وزرعها، أكلنا من عنده حبّ الكرز والملوك والموز والعنّاب والتّين واللّيمون والبرتقال والبابايا والكيوي والزيتون… غرس شتلات عديدة من الزّهور النّادرة… فهو عاشق للطبيعة والبيئة… اتّصلت به فأخبرني أنّه سافرإلى ألمانيا منذ يومين، حكيت له القصّة وسألته ما الحلّ لذلك الجرو الذي جنّني… قلت له أنّي أفكّر في إعادته إلى الشّارع ورميه، فطلب منّي أن أصفه له أو ألتقط صورة له وأرسلها إليه… تذكّرت الكاميرا ففتحتها… تفرّج على الجرو الفظيع، أعجب به واستحسن نوعيّته… قال ربّما هو جائع أو يريد أن يقضي حاجته وطلب منّي أن أتحقّق من أمره وأطلعه من الصّندوق ليقضي حاجته وأن لا أفرّط فيه ثم قال ساخرا: ” احذري قد تشكوك الجيران بسبب هرجه أو يسمعه صاحبه فيجيء سائلا عنه… وضعت للجرو المسكين واللّعين كلّ شيء في الصّندوق لكنّه لم يسكت… وضعت له الحليب ووضعت له الماء ثم وضعت له الجبن والخبز دون فائدة حتّى البيض قمت بتغليته له… كان يرفع جسمه متحدّيا إيّاي ليخرج… كنت أنهره ليسكت… إلى أن وجدته في إحدى المرّات قد فعلها… الصّندوق مبلّل، لقد استراح وارتاح وأراحني من عوائه وهرجه… صمت قرابة الرّبع ساعة ثم عاد إلى زوبعته وضجّته وصياحه، يا إلهي، ماذا أفعل؟
دخل زوجي البيت لم يعجبه ما رأى ولا فكرة مجيئي بالجرو، لم يكلّمني وتركني حائرة في المطبخ أحاول إخماده بكلّ السّبل لكن دون جدوى…
الليلة، ستشكوني الجيران، في الأسفل تحت شبّاك النّافذة سمعت نباح كلبين جاءا عندما سمعا عواء الجرو المتواصل، أقبلا يطالبان بإطلاق سراحه… الويل لي، ماذا أفعل يا ربّي؟
خطرت ببالي فكرة، قلت لزوجي ما بالك لو ذهبنا اللّيلة إلى قليبية ونحمل الجرو إلى بيت أخي ونقضي الغد هناك الخميس هو يوم عطلتي وبإمكاننا أن نعود يوم الجمعة إلى تونس؟
أجابني بالمستحيل… تواصل عواء الجرو وازداد صياحه كأنّه يحتجّ على سجنه، كما ارتفع نباح الكلبين أو الكلبتين أسفل نافذة مطبخي وما انقطعا… تشنّجت أعصابي وقلت ثانية لزوجي: إذا لم ترافقني أنت الآن إلى قليبية سأذهب بمفردي…
كانت السّاعة حوالي الثّامنة والنّصف مساء، والظّلام ناشر جناحه على الكون، السّياقة بمفردي في اللّيل تعتبر مجازفة ومغامرة في بلادنا بعد الثّورة خصوصا إذا كانتْ السّائقة امرأة… صمت زوجي برهة ثم قال: – الآن وإمّا فلا…
أسرعت وكأنّ باب الفرج قد فتح، حضّرت ما يلزم وفي خلال نصف ساعة كنت جاهزة…
رفعت الجرو في يدي تماما كما حملته حين عثرت عليه، وألقيت عليه منديلا لا أدري كيف خطرتْ ببالي هذه الفكرة ولا لماذا ربّما لم أشأ أن يراني أحد وأنا أنزل الدّرج به وأمسكت بالصّندوق في يدي الثّانية ثمّ خرجت وركبت السّيارة بسرعة قبل أن تصلني الكلاب وأغلقت ورائي بابها…
ههههه… حين لحقت ابنتي ورائي لتركب كان الكلبان جنب الباب يتشمّمان رائحة الجرو وينبحان، المسكينة خافت كثيرا وتردّدت، حاولت نهرهما ليبتعدا قليلا وارتمت في السّيارة لمّا فتحه لها والدها وأطبقت الباب خلفها بحركة مجنونة وانطلقنا نطوي الطّريق طيّا والكلبان يجريان ويجريان معنا ثمّ وراءنا وهما في نباح شديد لقد أدركا أنّ الجرو في رفقتنا…
الخبيث، لقد صمت ولبد تراه هل فهم أنّه مسافر…؟

One Reply to “الهدرة الحادية عشرة… جرو في بيتي..بقلم الكاتبة سونيا عبد اللطيف من تونس.”

  1. ,هدرة لطيفة …تعبير كعادتك في السهل الممتنع الازاحة و الرجوع الى للفكرة الاصلية من اختصاصك يدل على تمكنك من اللغة العربية ..كتايلتك ليست بالمملة بل بالعكس يجد فيها للقارئ نكهة خاصة ….ملاحظتي مسكين ززجك اتته صاعقة من حيث لا يدري…لنشاء الله الجرو لباس….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*