الزاوية الأخرى.. قصة قصيرة بقلم الكاتبة فوز حمزة من العراق.

رائحة الدم النفاذة أيقظتْ مشاعر خوف قديم كان يظّنُ إنّ النسيانَ قد التهمها فاذا بها تكشرُ عن أنيابها ٠٠ أخذ يبحثُ عن مهرب في خيط نور تسلل عبر نافذة صغيرة ليستقر في المكان الذي هو فيه .. فتقاسم معها الوحشة والعتمة ..
صرير باب يُفتح وصوت خطوات تقترب منه أعادتْ له الذاكرة الهاربة .. همس لرجالٍ تناهى إلى سمعه لم يتبين وجوههم .. حملتْ ثيابهم رائحة الألم الذي يشعرُ به ..
لم تصدر منه سوى كلمتين ..

من أنتم ؟؟
جاءه صوت أحدهم بارداً :

هل ظننت أن بمقدوركَ النجاة بما فعلت؟؟
لم أعهدكَ غبياُ .. أو لعل حدسي خانني هذه المرة ..
هل تدري؟
كلماتكَ تروق لي .. لطالما راقت لي .. أحرصُ على قرائتها دائماً .. لا أدعُ حرفاً يفلتُ مني .. أذكر جيداً أنك كنتَ موهوباً .. على انغام قلمكَ راقصت كلماتكَ السطور ..
نحلّقُ معك بعيداً إلى سماء الأحلام ثم نهوي سوية إلى أرض الواقع البشع ٠٠
هربَ خيط النور الوحيد الذي كان يفترشُ أرض الغرفة وتركه وحيداً مع صوت من الماضي ظنّ أنه لن يسمعه ثانية .. لكن ها هي الأيام تسخر منه الآن .. ودون أن يبعد عينيه عن النافذة .. سأل صاحب الصوت:

مَنْ أنت ٠٠ هل أعرفك من قبل ؟
لكن الصوت لم يأبه له واستأنف يقول :

كنتَ إنساناً إلى أن قدمتَ نفسكَ قرباناً لأفكارهم ..
أراقوا دمكَ ليسقوا به زهور الشيطان .. استغلوا قلمك بعد أن نفثوا سمومهم في مدادكَ .. فتلوثت كلماتكَ..
رائحة السجائر الرخيصة التي ملئت المكان .. حملته بعيداً وألقتْ به في دهاليز الذكريات وأزقة الماضي لا يسمع فيها سوى صدى ضحكات صبيين افترقا عند أول منعطف للحياة ..
تحسسَ بقع الدم على ثيابه .. وجدها يابسة وقاسية ..
بدأت جراحه تستيقظ .. الأشياء التي يعرفها لم تعد كما هي .. الكلمات التي يحسن قولها فقدتْ معانيها .. الصور التي ما زال يحتفظ بها في مخيلته .. اختلطتْ ألوانها وتشوهت ملامحها ..
ثمة كلمة قالها غيرتْ الوجوه والأماكن وتاهتْ بعدها الخطوات ..
لم ينقذه من نفسه إلا صوت انبعث من الزاوية الأخرى ..

الطريق التي اخترتَ السير فيه .. ضيق جداً لا يسمح بالعودة .. لأنك لم تبتع تذكرة الغفران ..
الخطوات وهي تدنو منه أخبرته بالنهاية ..
أنفاس باردة اقتربت لتهمس في أذنه ..

بكم بعتَ الوطن ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*