قراءة في قصيدة”قلتِ .. وقالوا ” للشّاعرة التونسية مفيدة السياري “المرأة العربية بين نسيان الذّات و نكران المجتمع” بقلم الكاتب بولمدايس عبد المالك من الجزائر.

الحوار النّاجح فنّ من فنون التعامل مع الطبيعة البشرية سلبا و إيجابا و وفق علاقات ثلاث .. علاقة الانسان بربّه و علاقته بنفسه و علاقته بغيره ماديا كان أو معنويا ..يهدف أساسا لإذابة فطع الجليد المتراكمة بين المتحاورين تقريبا لوجهات النظر و تقليلا للصراعات النّاجمة عن القناعات و التوجّهات .. و في حوارية هادئة تعقد شاعرتنا مفيدة السياري جلسة حوار بينها و بين نفسها سالكة مجموعة من خصائص الحوار من تحديد دقيق لموضوع الحوار فلا هو بالضيّق فيترك و لا هو بالواسع فتتميّع الفكرة فيه و تضمحلّ و اعتمدت فيه على عاطفة أنثوية جياشة و إخلاص فياض مغر ، و تواضع جمّ و التزام واع مسؤول بنبل الرسالة التي تنشد تبليغها.

و يتطلّب مثل هذا الحوار النّاجع توظيف جملة من المهارات اللفظية و النّفسية و كمّا هائلا من القيّم الفاضلة و حضورا ذهنيّا لافتا مؤثرا .. و بركوب صهوة الضمير الغائب “هي” و “هم” توسم عنوانها “” قلت ..و قالوا ” لاغية بذلك ذاتيتها و أنانيتها كإعلان أوليّ مبدئي عن التزامها بالحقيقة و ليس غير الحقيقة ..و هذا يعدّ منها التزام أخلاقي لما سيؤول إليه هذا الحوار القائم بين هي و هم و هذا ملمح آخر يتضمنّه العنوان مفاده إعطاء مصداقية أكبر لهذا الحوار البنّاء .. فما الذي قالت ؟ و ما الذي قالوا ؟..هي وحيدة فريدة إلاّ من حججها و قناعاتها و هم مجتمعون متضامنون ؛ فلمن تكون الغلبة لها أم لهم ؟

عنوان القصيدة الحوارية : ” قلتِ .. وقالوا ”

آثرت الشّاعرة أن تتقمّص شخصية الطرف الثاني كناطقة رسمية مفوّضة و دون انتظار تقحم القارئ إقحاما و تدخله مباشرة في صلب الموضوع .

و بحيلة نفسية ذكيّة موظّفة مهارة الإيحاء تجيب عن سؤال افتراضي بينها و بين ناطقتها الرسمية ..و هذا أسلوب استهلالي ساحر للدلالة على أهمية هذا الحوار و مدخلاته و مخرجاته و بأنّه حوار متجذر قديم متجدّد.. عجبا لها تسأل ثم تجيب نفسها بنفسها و هذه رسالة تعليمية قويّة تذكرنا بقول رسول الله “هذا جبريل جاء ليعلّمكم دينكم” حين تعجّب الصحابة من ذلك الرجل ذي الوجه الصبيح الذي لا يرى عليه أثر السّفر حين كان يسأل الحبيب ثم يجيب … و عبر تساؤلات كبرى تقيم المرأة الحجة و البرهان على نكران المجتمع لرسالتها المفصلية في بناء المجتمع و الأسرة و الفرد .

  1. التساؤل الأول : البدايات

.. _وماذا قلتِ لهم حين عادوا؟

_لاشيء…

من خلال إجابة الناطقة الرسمية دار حديث مسهب بينها و بينهم عند عودتهم من وظائفهم و أعمالهم تشعر فيه عدم رضاها بمدخلات الحوار و مخرجاته و حزنها مّرها الشديد من إجاباتهم الصادمة ..و هذا ما حمل الشاعرة تصدير نصها بسؤال استفهامي “و ماذا ” و انتهاجها للأسلوب الإنشائي في صورة استفهام الذي لا يحتمل صدقا و لا كذبا دلالة على استغناءها عن إجابتهم ..

فما استفهامها بهدف معرفة حقيقة مشاعرهم و مواقفهم من المرأة و إنما هو من باب الاستفهام البلاغي الذي لا يتطلب أصلا جوابا شافيا كافيا و إنّما يُأتى به من أجل تحقيق أغراض بلاغيّة كالتّشويق و التعجّب و التهكّم و السّخرية كما هو واضح من إجابتها التهكمية الساخرة ” لا شيء” محاولة منها إعطاء حوارها مزيدا من المصداقية و التأثير و الإقناع و الحركية و لا يخفى هذا الأسلوب البلاغي على أهل اللغة و الأدب و يفهم هذا الأسلوب البلاغي من خلال السياق العام للكلام … و بعد لفت انتباههم و انتباه القارئ تنهال عليهم بجملة من القرائن و الشواهد لتنسف أعمدة عرش “لا شيء” .. و عبر زخات عاطفية مؤثرة تخاطب في الرجل وجدانه و عقله تدلي ببعض منتجات مخزونها الأنثوي ..

الزخّة الأولى :

ضمدتُّ جراحهم من التطواف

نزعتُ شوكَهم… دثّرتهم بودادي

وألبستهم فؤادي

ثم تركتُهم ومضيت.

لاشيء…

تفصح الشاعرة عن الزخّة الأولى من عطاءاتها و نضالاتها كامرأة تشغل حيّزا معلوما و حساسا في نسيج المجتمع الإنساني و تستلّ منها مشهدا يصوّر لقطات من عاطفتها الجيّاشة و حنانها المتدفق متجسدا في سلوكيات أمّ أو أخت أو موظفة تشغل وظيفة ما أو ثائرة و كيف كانت تستقبل الرجل أبوها أو أخوها أو زميلها تضمدّ جراحات نفسيته النّازفة و تمدّه بجرعات أمل جديدة و تسبغ عليه بفيوضات حبّها المتدفق .. تنزع عن طريقهم الأشواك حتى لا يتأذوا و تغطيهم بستر ودادها الدافئ دون أن تنتظر منهم مقابلا أو شكرا أو مديحا ..فقط عطاء مستمر و لا أخذ منتظر ” ثم تركتُهم ومضيت” ..أكلّ هذا العطاء الحاتمي قد عميت عليه أنفسكم و طمست بصائركم على تلمّسه و رؤيته فلا تبصروه و تواصلون عنادكم و إصراركم على موقفكم المخزي منّي ” لا شيء” إجابة قطعت قول كلّ محتج مكابر ..”لا شيء” تهكمّ و سخرية منها و كأنّها تقول لهم أتنكرون الشمس في هاجرة النّهار ..ويحكم أفلا تبصرون .

الزخّة الثانية :

ملأت قناديلهم المعتمة بالزّيت

وذبحتُ لهم آخر خيط بوح،

ثم… تواريت

لم يعودوا كما رحلوا… ولم أبق كما تركوني

فعند رحيلهم تأذّيت..

لا شيء…

و بصورّ تشبيهية و استعارات مكنية و تصريحية بديعة مرهفة تتواصل زخّات غيماتها الحبلى و كأنّها تعاتبهم أو تذكّرهم بأحسن لفظ و أرق معنى و أصدق شعور ..كم مرّة خارت قواهم و تلبّدت سماء أرواحهم و أقبلت عليهم سحب مظلمة من اليأس و التذمر فكانت لهم المنقذ المخلّص و هرعت تملأ قناديلهم بزيوت الحبّ و الحنان و التشجيع فعادوا لطريقهم مبصرين و لهممهم يركبون و لأهدافهم يعملون و يجتهدون …

كم مرّة جادت عليهم بكرمها الحاتمي فآثرتهم بآخر ما تملك من خيوط البوح الرقيق مستغنية عن الكنانة و ما فيها و هي في أمسّ الحاجة إليها ثمّ تتوارى عن الأنظار و تختفي و كأنّها لم تكن موجودة أصلا دون انتظار لثناء أو ظفر بغنيمة أو نيل لمصلحة ..و لكنّهم في كلّ مرّة يقابلون عطاءاتها الكبيرة و تضحياتها الجسيمة بالنكران و الصدّ و الهجران و بكثير من العناد ..ونفس الصورة المحزنة القاتمة تتجدّد عند عودتهم إلى الديّار سالمين غانمين … يعودون و قد تغيّرت أخلاقهم و تبدلت أحوالهم و لكنّني من شدة ما بذلت و ضحيت أراني أنا كذلك قد تغيّرت و ضعفت و استهلكت الكثير الكثير من طاقتي و نشاطي و عطاءاتي…

أكلّ هذا الذي يرونه رأي العين من حالي قبل و بعد رحيلهم و مجيئهم ثمّ يمرون عليه مرّ الكرام ..”لا شيء” تعلنها بسخرية و كثير من الحسرة و التذمر …لا حدث ..لا التفاتة ..لا اعتراف و لا شكر .

في هذا المقطع التّالي تورد بعض الدلائل المادية و المعنوية الأخرى لرسالة المرأة و تأثيرها على مجريات الحياة و جزئياتها و بأنّها رقم فاعل في رقعة شطرنج المجتمع الإنساني إن على مستوى الأفراد أو المجتمعات أو الحكومات ..

تغيرتْ أشياء في أطلال البيت

أصبحتْ أكثرَ خرابًا

لكن حين قوّضَها الرحيلُ،

بان نورٌ من ركام أحجاري القديمة

وبانت روحهم …

من تحت الغبار غريبةً عني.

تاذّوا. . هذه المرة

رغم وجعي عليهم ، ها قد تعافيت!!

لا شيء..

و تبقى عاطفة المرأة و حنانها الدافق بوصلة الحياة و علامة فارقة في رقيّ و انحطاط الأسر و الجماعات ..فإقصاؤها عن رسالتها في الحياة و العمل على إبعادها من دواليبها مؤذن بخراب الدول و الجماعات فبدونها تتحول الأشياء إلى أطلال مهملة هنا و هناك و يطال بعضها الخراب و النسيان و يصبح الرّحيل حصادهم المرّ ..و لولا بعض نقاط النّور المشعّة من جنبات روحي المركومة تحت أطلال الأتربة و الهاربة من سراديب الظلمات تهدي حيرتهم و ترتق رحيلهم لهلكوا و قضوا ..فبرغم نكرانهم الشديد و تجاهلهم المقيت لا زلت أحنّ عليهم و أتوجع من تأذيهم ؛ فعافيتي في عافيتهم و العكس صحيح …

أكلّ هذا و لم يدركوا بعد قيمة وجودي و تضحياتي ” لا شيء ” ..؟

الزخّة الثالثة :

أشعلتُ نار سمرٍ، خمدتْ بعد ليالي البِعاد

آويتُهم من صمتهم

ورتّلنا معا أحاديث البلد الحارقة

واعددتُ لهم فناجين الحروف الثورية

ولما استووا كأبهى ما يكون العزف فينا،

نادوا الجفون الناعسة على الرفوف،

لتراقص الأنس فيهم بشهد الليالي العابرة.

كنت حينها… جَزْرًا بلا مدّ

بلا ظلهم، بلا وداعهم…

أومأت للفجر…. و مشيت

و ها هي شاعرتنا تستحضر التاريخ و التراث و على عادة العرب تشعل نار السمّر في ليلهم الطويل الحزين برغم جراحاتها النازفة المتقرّحة لتعيد الحكاية من جديد و تنسج شالاتها الدافئة ..لتعيد حكايات عادة ألف ليلة و ليلة ..تلم شعثهم و تدندن على وتر الحكايا و تأويهم في مسكن دفئها و حنانها من جديد ..تكسر جدار صمتهم ..تعدّ لهم قهوة ساخنة على أنغام موسيقى ثورية منتفضة ..تحثّهم على النهوض من جديد و تدفعهم إلى الحركة و المضيّ نحو أهدافهم المشروعة ..و هذه إشارة قويّة لمشاركة المرأة أخيها الرجل ربيع ثورتهم و وقوفها جنبا لجنب في مواجهة الخطر الداهم و الموت المحدق بهم ..

و لمّا تحققت آمالهم و اشتدّت عيدانهم و أورقت أشجارهم و أثقلت قطافهم مضوا ليراقصوا نصرهم و يحيوا أعيادهم من دوني لأحكي صورة جزر بلا مدّ كدلالة على الهوة الكبيرة بينها و بينهم ..مهملة و مهمشة و محطمة ..و عند أول ومضة للفجر الصادق بعد أحداث ليل دامية صاخبة أومأتْ للفجر معلنة رحيلها و اختفائها مرّة أخرى من نهارهم الزاحف .. في هذا المقطع أشركت الشاعرة القارئ في دواليب مأساتها الإنسانية تاركة له المجال و كامل الحرية في الحكم و القرار ليجد لسانه يتمم ” لا شيء” حاكيا لسان حالها ..

بعد هذ الصور الدرامية المتلاحقة تطلق الشاعرة تساؤلها الثاني لتزيح الستار و تميط اللثام عن بعض مشاهد المآلات و النهايات التي آلت إليها رحلتها المصيرية ..

  1. التساؤل الثاني : النّهايات و المآلات

و ماذا قالوا لكَ حين رحلت؟

_الكثيرَ…

تسأل نفسها و تجيب ..أسلوب تعليمي مؤثر ..و قد أرهفت سمعها لتتلقّف بتوق و شغف كبيرين إجابتهم فلعلّ قلوبهم ترقّ لها و تشفع لها أعمالها الجليلة و تضحياتها الكبيرة ؛ فلعل و ؟ …و لكنهم قد قالوا الكثير ..

قالوا لم يتفاجؤوا بهذا التغيير

أوجعهم … شرخُ وجعك..

بعد الغياب،

أخذهم رمل السراب. .

إلى دروب قديمة

عبثا كان… فقد صدّتهم كل الأبواب.

وهذا الأواب ،خاتمة المسير.

و للمرّة الألف لا تصدمها إجاباتهم الجاحدة المنكرة .. فعيونهم مطموسة عن رؤية شرخ و صدع وجعها الممتدّ بله ملاحظتهم و التفاتتهم لغيابها عنهم فهم في لهوهم يتقلّبون و لرمل السراب يسعون و يحصدون .. المساكين سيعودون لحالتهم القديمة و يتقهقرون من جديد فهي نصفهم الغائب و نبض قلوبهم المبعد ..فحينما تصدّهم الأبواب و تغلّق الأقفال و تحول بينهم و بين آمالهم يكون مصيرهم قد تحدّد و خاتمة مسيرتهم أوشكت على نهاية سفرهم و حصاد إيابهم الأخير..

و تركت للقارئ أن يتخيّل حجم حسراتهم و ضخامة ندامتهم و حصاد سرابهم المزعوم .. و لات حين ندم .. و عبرّت عن ذلك المشهد الختامي الكئيب حين قالت :

قالوا الكثير…

قالوا… مازالوا على العهد كما كانوا

ومازالوا يذكرون الندوب الأليمة

أوجعوك.. لكن وجعك كان الأخير

وكان عميقا …. كوشم أمازيغي

كأجراس الروح تولول. .. كالتميمة

في مسامات الصخر المنسي،

او.. كرسم خرافي.

حينما تهبّ الرّياح العقيمة…

خببٌ عزفُه والحافرُ على صهوة الليل، يغني.

كم جميلا أن يحملوها حين استكانوا ،

بعد أن احرقتِ مراكب الصفح!!

حصاد مرّ و ندم صاخب حين يقفون على حجم خسائرهم الفظيعة و الأفظع منه و الأشنع خسارتهم لتلك المرأة التي كانت ترّقّع هزائمهم و تمدّهم بالأمل و التحدّي و تقوّي هممهم الخائرة و تذكي عزائهم المنخورة المتهاوية ..حينها يتذكرون ذلك القلب النابض و الذرع الحامي فيلتفتون فلا يرون إلاّ بعض الآثار المتبقية مرمية هنا و هناك ..بعض التمائم المحروقة و الرسومات المنسية على شواهد صخور هدّتها بعض الرياح العقيمة و أثار وشم أمازيغي هارب يغنّي على وقع خبب خيل مرسلة..

  1. الخاتمة:

تعتقد الشاعرة بأنّها بلّغت و بأمانة بل و بالغت في تبيان رسالتها لكنها تستدرك لتؤكدّ على تعنت الأخرين و عنادهم الشديد و جدالهم الكبير في الردّ على حججها الدامغة و شواهدها القاطعة.

قلتِ الكثير…… لكنهم قالوا…. وقالوا.. وقالوا..

سلكت الشاعرة في هذا النّص الأسلوب الحجاجي لتقيم البيّنة على المجتمع و أفراده و بأنّها سعت للنصح و عملت ما في وسعها لإقناع أفراد المجتمع الإنساني المقصود و التّأثير عليهم بما أتيح لها من عواطف و دلائل و قرائن و حجج و أساليب بلاغية و بذلك تكون قد أخرجت آخر أوراقها الرابحة تبرئة لذمتها و تنفيذا لرسالتها المقدسة كأنثى عموما و أمّ على وجه الخصوص.. و يبقى القرار النهائي بيد الرجال و هم يتحملون نتائج خياراتهم المتخذة ..فالشاعرة تؤثر في نهاية المطاف الانسحاب برفق و صمت و هدوء عن هذا العالم الذكوري لتيقنها من انقطاع سبل الحوار بينها و بينهم بعد احتراق سفن الصفح بتعبيرها و تهاوي أشرعة التواصل المشرعة

.

االجزائر في 27.01.2021

One Reply to “قراءة في قصيدة”قلتِ .. وقالوا ” للشّاعرة التونسية مفيدة السياري “المرأة العربية بين نسيان الذّات و نكران المجتمع” بقلم الكاتب بولمدايس عبد المالك من الجزائر.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*