صمتي الفصيح..! بقلم الكاتبة حنان بدران من فلسطين.

بهذا الجو الصيفي الحار وأنا أتابع قراءة الجريدة وأنتظر قراءة حروف صديقي حرفاً حرفاً وشهقة بعد شهقة ، بعد أن غادرت الأوطان ورحلت إلى بلاد لا تبيع الصحف والمجلات والمخطوطات العربية ولا أسمع فيها تراتيل نواح مذيعي الأخبار العربية فأنا هنا بتُ كطلقة رصاصة شُردت في ليلِ العالم الواسع تخترق أجنحة الطائرات يغسلها المطر الوحشي . فلسطين هي جرحي الأزلي ودمعي السري كلما فاجأني الحلم اصحو على كابوس ، ما زلت أزرع جروحها واحزانها وتفاصيلها المنكوبة تحت جلدي قبل أن يبتعلها الأفق المتوحش.
لأنها الحلم الضائع في المستحيل في زماننا الطحلبي .
كان لا بد من الهروب والرحيل أرحل لربما لاثبت إنه لا رحيل إلا لو رحلت عن ذاتي .
ولكن في كل رحيل كنت أبحر فيه ..أمعن إبحارا نحو حقيقتي .
وها أنا ذا لا أعرف معنى النوم العذب هنا حيث صارت المدينة من حولي فارغة كمدن الاساطير العربية التي تحجر سكانها وتحولت ابنيتها لمدن هلامية مسحورة .
أمشي بين قناطرها ، المقاهي والمطاعم والشوارع القديمة فتطالعني أعين النساء فيها الممتزجة بالخوف والذعر والجوع والخيبات المتلاحقة .
لكن هنا في صقيع التيه لا أشعر إلا أني محاصرة ، رحلت إلى نيويورك وما أجملها حين تصفو فيها الشمس ويتلصص فوق أبراجها قمر ، اتذكر تسكعنا في مسارحها عندما كان يقول لي صديقي : لا أعتقد أن المسرح ترف فكري ، بإمكان المسرح أن يكون كمدرسة شعبية لتلقين الوعي والرقي .
أبتمست وأنا أقول بنفسي : ما زلنا باوطاننا العربية نزهر كلاما لا يثمر ، ونمطر سحبا ترعد ولا تمطر . متى نتخلص من أسلوب امرؤ القيس ونحن نقف على الأطلال في قضايانا الشخصية والعامة وسلام على أرض السلام والبرتقال وسواحلها السليبة.
البارحة مشيت في شوارعها متجهة إلى محاضرة عن الحوار الحضاري الخامس ، وداخل المحاضرة احتد النقاش وأنا انفعل صارخة وأنا انطق كلمة حق بدأت الوجوه من حولي البيضاء تصبح حمراء اللون والكل ينظر إليَّ بعيون فزعة ، حشرجة صوت من دكتور المشرف على الحوار تجرأ وقال لي : لماذا تصرخين وتحتدين ما دمت تنطقين بكلمة حق ؟!
حاولت أن اصارحهم بأنني تغمرني تعاسة كبيرة هي أكبر من أحيط الجميع بأبعادها وحيثياتها من القهر والذل والتشرد والرصاص المطاطي والرصاص الطائش ، وهدم المنازل كعقاب وسرقة تاريخ وحضارة عريقة امتدت جذورها لأكثر من عشرة آلاف عام ، وأنا غارقة بالشرح الطويل وتعاسة تغمرني هي أكبر من أن أعبر عنها أو أحيط بأبعادها . ادخل محاورة عقيمة مع قوم بالكاد تصدق قصتي بعد أن اكتشفت سر غسل دماغ هذه الأمة.
تحت مطر الذعر المنهمر من عيونهم والذي كاد يحرقني ووهج القنابل المنفجرة من شفاههم ، كأنهم حقائب محشوة بالحقد والاحتقار ، نبت لهم أنياب ازدراء وكشرت عن وحشيتها من جملٍ تقذفني ككرات ملعونة ، أيادي تمتد لتطال حنجرتي ، أصوات ذئاب ترفع عقيرة عواءها لتغطي على صوتي ، دوار يملأ رأسي متسألة أين أنا ؟!
ما هذه الوجوه التي لبست وجوه حقيقتها من شفاه النار التي أحرقت منزلي ذات يوم ، لم يخيفني حريق بيتي فالبيوت حجارة والكرة الأرضية مسكن مؤقت ونحن ضيوف أينما حللنا وبيتي الحقيقي الذي حقي أن ادعي انني اسكنه هو جسدي وما… زلت أقطنه .
عدت بالزمن وأنا اسأل ساكنة جسدي السابحة في بحيرة الغربة والازدراء أين رويت ظمأ أوراقك المسافرة ؟
أين كنت ؟
وأين حللتِ ؟
ما الفرق في العذاب في مكان ما تصادف أنه جنة الأرض كسويسرا مثلا ، إذا كان الوطن في أعماقنا أينما وضعنا رحالنا حملناه معنا ؟!
لن أنسى ذلك الصيف وأنا أمشي على رؤوس أصابعي خوف أن تنفجر تحت قدمي قنبلة ، ابنتي تسألني:
أمي هل تنتهي الحرب ولا نهاجر ؟!!
تأملتها طويلا وأنا أنظر بعينيها لأبثها الأمان والطمأنينة ، وقبل أن انبس بحرف سمعت صوت دوي انفجار احتضنتها وارتميت أرضا أزحف تحت مطر النار والذعر ، انزف من مكان ما واحرق وجهي وهج النار ، تصرخ ابنتي فزعا جنونيا بالكاد أرى ملامحها المعفرة بالرماد والذعر حتى وصلت عند زاوية الطريق كانت سيارتي ، اجلستها بجانبي ، لأن المقعد الخلفي كانت حقائبي المحشوة بالتشرد والخوف والقهر ورائحة البارود ..
نفيت من وطني لوطن آخر.. والوطن الآخر نشبت فيه الحرب وعند أول تجربة للبقاء اضحت جنونا إذ صار مجرد المشي في الشارع مغامرة تحفها رصاصة تحيطك من كل جانب .
أخذ عقلي يفكر بسرعة بين ضرورات المحافظة على الحياة وضرورات الأمان ، كان هناك لا بد من ضرورات الهروب إلى صقيع الغربة للمرة الثانية ولا بد من ضرورات القسوة على القلب ، تصدع زمني العربي ، بات العدو يربض فوق الأراضي والصدور ، والناس ساهمة بصمت بحالة من الذهول ، وأنا الكاتبة اترقب ..
ماذا بقي لي من دور هنا؟
حتى خرج لسان حال الكاتبة من داخلي يجيب : لم يبق سوى الصمت !
الصمت العميق المخلص لنفسي بعيدا عن الصمت الغبي المرهف وأنا أراجع ذاتي وكل المفاهيم اعيد النظر فيها على ضوء الاحداث ووهج الحقائق المستجدة كان الصمت الديناميكي الجميل المحيا بعيدا عن الصمت الهروبي المشلول لم يبقى لي سوى الابتعاد واعادة بناء داخلي بعد إعادة بناء ذاتي فحروف المكابرة أبدا لا ولم تمنح أدبا.
وأنا أقود السيارة بلا وعي وبسرعة جنونية هاربة من ملك الموت …لأجد نفسي على باب المطار أحمل أبنتي وهي تنتحب على كتفي وأجر خلفي حقائبي وتفجر في اعماقي مجهولا قادما يثيرها غبار لغة غير مألوفة لي ، أرحل بنهم الجنون من مكان إلى آخر ، ما زال بداخلي نهمي الفضولي للعبة الرحيل . وأنا لم أنسى آني قادمة في زيارة قصيرة لكوكب الأرض ، وبعد أن أموت ارحل لكوكب آخر مجهول .
لم يبقى لي في هذا الكون الشاسع سوى يوم أموت لن يكون بوسعي مغادرة متر مربع هو مساحة القبر ،
فليكن شعوري بشهوة حقيقية نحو جسد الأرض كدنيا من الاكتشافات لا كمجرد مقبرة مؤجلة .
استيقظت من شرودي بيد الدكتور المُحاضر في المحاضرة تهزني من كتفي ألملم جسدي الممزق واتذكر موضع الأنف والأذنين وأقاسي وأنا الملم اعضائي المتناثرة ، وأستعيد هيئتي الخارجية الآدمية تأتي المهمة الأكثر صعوبة : محاولة لملمة اعضائي النفسية التي تم تمزيقها فوق تلة عالية وأحاول استعادة شبكتي العصبية المتشابكة ككرة صوف عبث بها قط واشتبكت وصار التقاط طرف الخيط . إذا كنت لزمت الصمت أو أكمل كيف مرت عليَّ الأحداث ؟
وأنا المتعمدة بالخوف والجوع والرصاص ، صلبت على عامود النار مرات ومرات في ليالي النار كاللحم البشري المقدد ، حاول كثيرون انقاذي من بحيرة النار وأنا الناجية من الموت الجسدي إلى الموت النفسي في صقيع الغربة في اليوم مرات ومرات.
من أعماقي خرجت الأخرى تمد لي لسانها مستهزءة نعم أنت وجدت عملا وطفلتك وجدت مدرسة لماذا تكابرين ؟
ما جدوى البقاء في مكان يمتلأ بطوفان النار ، وكل ما حولك يجلدك بسوط لسانه وحاله بعنف ، كل الوجوه حولي تحولت لرصاصات وكل الصور عن الأمان المنشود أصابه التصدع والأنهيار ، وما بين ضرورات العمل وبين الشوق إلى شوك الوطن لملمت ما بقي وغادرت بصمت وكل خلية برأسي تصرخ بوجهي :
بين الأمان الممزق وضرورات العمل يأتي في المقام الثاني ، وبين الكرامة والقلب انتفض الكبرياء ، فإذا بي أحمل ابنتي وحقائبي ، أيقنت الآن أن الموت داخل الوطن قتلا خير من الموت في الغربة حقدا وقهرا …!!!!
حنان بدران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*