على باب المدينة… بقلم الشاعرة جميلة بلطي عطوي من تونس.

كلّ يوم أراها
تلك الكُتلة السّوداء تُحاصر الأفق
تعلّقُ الظّلال على باب المدينة،
تسرقُ الابتسامة منّي،
منْ عمق الشّفق،
ترسمُ وشاحها على القسمات.

الشّمسُ في علاها كالعرجون مُعلّقة
في غربة المنبوذ،
عن درب ضاع في الضّباب تبحث،
عن ديار كانت تُشرّعُ أبوابها للضّوء،
عن حكاوي البحر في أذن السّفينة.
هي اليوم كالمنبتّ
يُضنيها الشّتات،
يؤلمُها عزف النّاي
والشّوق يكوي فؤادها
كلّما هفتْ في الخاطر ذكرى المولعين بالدّفء
يهوون شعاعها،
لكنّهم لمْ يَدْلقوا خلفها ماء ساعة المغيب
فعاقبتهم الأفكار الموغلة في التّطيّر،
نَفَت الشّمسَ إلى كهف سحيق.

الضّوءُ يبكي كما طفل أضاع لعبته
شوقا إلى المرابع ،
إلي الشّاطئ فيه تتبرّج الحسناء،
يقبّل الرّمل حسنها في سكينة،
تُعابثة في غفلة الرّيح،
تسقيه الفرح في فناجين عجيبة
وهو يُلبسها ألوانه،
يُرصّع لها العقود درّا ومرجانا،
يكتب على صفحة اليمّ ميثاق العودة
لكنّه في زحمة الظّلال لا يعود.

تظلّ مأسورة،
ترتجي وقت سراح
ثمّ
منْ عمق القهر ترفع عقيرتها
تشدُّ بما تملك من الشّوق ضفيرتها
تهتف:
يا أهلي ، يا أصحابي
ما عاد فيّ نفس
ما عُدتُ قادرة على العوم في بحر الظّلمات،
لقدْ هدّني زئير العَسس.

هاتوا أيديكم
معًا نشقُّ بطن الحوت،
نكسرُ باب التّابوت
نستردُّها خفقة الرّوح
نستميتُ كي لا نموت،
هي ذي الأشواق في النّفس تَنِزُّ
قطرة …قطرة..
شوقا إلى حقول الضّوء
إلى الخضرة،
إلى الماء يبلّل الشّفاه الظّمآى
إلى الشّمس تُلبسني جديدا رداء الدّفء
فتتأرجح في نبضي مفاتيح العودة
إليَّ..
إلى الجلّنار يمسحُ الطّلُّ دمعه،
إلى الدّيار نفتحُ منافذها،
إلى المدينة نخلّصها منْ حصار الظّلال
ونجتثُّ منها عروق الضّغينة .
تونس …..24 / 1 / 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*