قُبلة تَكْفِي العَالَم… بقلم الكاتب عزّ شويّة من تونس.

هذا النصّ اهداء إلى من نحتَني، إلى والدي

هذا العالم أطفأني كشمعةٍ، حين أردتُ أنْ أُنيرَ ما حولي وجدتُني بلا نورٍ،
أصبح صدري محرقةً لا تكفُّ عن ابتلاع الوجع وكلّ مرّات الاحتراق خلّفتْ رمادًا.
أذرفُ الشّوق دموعًا وأحمِله بين راحتيّ المرتجفتين لأسقي ذلك الرّماد،
ربّما تنبت زهرة؟
حربٌ تليها حروب وهذا الجندّي يُقاوم كجفنين أنهكهُما النُّعاس،
يُقاوم لأنّه يعلم أنّ السُّقوط هو فِعل انكسار،
يُقاوم حتّى يَقْرأَ رسائل حبيبته ومعها قُبلة تكفي العالم.
هذا العالم أطفأني قبل أنْ أكتُب قصيدةً أحِبَّ فيها العالم.
أنا رجُلٌ مبنيٌّ بالحظّ،
أنجبتْني أُمّي بعد حولين من الصّبر، وهي تناجي الله، عساها تُرزق بي وتَصمُت العشيرة،
حتّى أبي لم يكنْ يعلمُ أنّني أتيتُ فاتحًا صدري لهذه الحياة اللّزجة،
كلّ الوديان تعرفه وكلّ أساسٍ في هذه المدينة العرجاء يحمِلُ بعضًا منه،
أبي سيّدُ الفجر وصديق الندى، يرتّل صلواته مع العصافير والحمائم والنّمل، والسّماء التي بدأت تطردُ النّجوم لتغتسل بضوء شمسٍ قادمةٍ من خلف الوادي،
يرتّل صلواته حتّى تستفيق الدِّيَكة الكسلى وتُنبئ بيوم جديد.
وحتّى أكبر أنا.
يشتغِلُ نحَّاتا؛
كان يَعلم أنّ هذا العالم تنقصه ضحكة، فنَحَتَ داخل صدري آهاتٍ وقال لي “لا تبدِها أبدًا، فلن يصدّقك أحدٌ، فقط اضحك مثل المجانين والسكارى،”
ونحتَ لي شفتين لأبتسم لهذا الحزن وأغيظه كلّما عنّ له الاقتراب، ألا يعلمُ أنّني أصبحتُ صخرة؟
شكّلني هذا النّحّاتُ الذي لا يرتدي ساعة يدٍ، لأنّ آثار التعب على وجهه تمثّلت قبل الوقت،
شكّلني وهو يغرس معولًا في صدع الحياة حتّى يحررّ لي طريقًا مختصرا للوصول.
كلّ يومٍ يقول لي؛ ستصل يا ولدي، ثق بذلك،
حتّى وإنْ أصبح صدرك شاهقًا فالفرح بالغه لا محالة،
وتُمطِرُ غيمتك وتنبتُ زهرة في رماد المحرقة.
عزّ شويّة / تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*