الهدرة الثانية عشرة: “الطّوفان” بقلم الكاتبة سونيا عبد اللطيف من تونس.

وصلنا قليبية بعد أقلّ منْ ساعتين تقريبا، مررنا ببيت أخي كما كان الاتّفاق… فتح لنا ابنه أحمد الباب ليتسلّم الجرو وكان الوقت حينئذ الحادية عشر والنّصف ليلا…

الحمد لله، تخلّصت منه وتنفّست بعمق، لقدْ سلّمته لابن أخي، فأطلق سراحه فوق السّطح، كنتُ قدْ صعدتُ معه… هنالك جرو آخر من فصيلة أخرى وقطّة صغيرة كفيفة ، هكذا أعلمني ابن أخي والله استغربتُ للأمر ولم أصدّق خصوصا أنّها كانتْ تجري خلف الجرو إلاّ بعد أنْ شاهدتُ عينيْها المغمضتيْن ولاحظت أحيانا اضطرابها في الرّكض عند الانعراجات… لقد فرح الحيوانان بالضّيف الذي حلّ عليهما وراحا يجريان وينطّان ويجوبان السّطح فرحا وغبطة حتى أنّهما رقّصا بصري وأتعباه… أمّا حضرة الجرو فجرى نحو طابونة تستعمل لإعداد الخبز ودخلها من فوهتها المفتوحة وأبى أن يخرج رغم محاولاتنا، اكتفى بالنّظر ومراقبة ما يحدث من الفوهة، وكأنّه كان في ورطة ونجا بجلده… انفجرنا ضحكا… ثمّ التقطتُ له بعض الصّور وهو يطلّ من الثّقب كذلك فعلت للجرو الآخر والقطّة الصّغيرة وانصرفتُ…

توجّهنا إثر ذلك إلى بيتنا، فتحنا الباب، ضغطنا على زرّ الكهرباء للإنارة فلم يعمل ولم يشتعلْ الضّوء، تفقّدنا دارة المفاتيح الخاصّة بتوزيع الكهرباء لكن لم نجد بها خللا، نزل زوجي إلى الأسفل حيث العدّاد فوجده متوقّفا، وحالما رفعه اشتعل النّور الكهربائيّ، وما إن دخلتُ البهو حتّى وجدت طوفانا يغمر الأرضيّة، مياه ملوّثة، عكرة، رائحتها بدأت تتصاعد، لونها يميل إلى الأصفر الفاقع على أحمر قرمزيّ على أبيض موسّخ، اندهشت بادئ الأمر ثمّ توجّهتُ مباشرة نحو الثّلاجة وأدركتُ السّبب…

كلّ ما خبّأته من لحوم وسمك وهريسة وأكل وعصير وجلبّان وفول وطماطم وفلفل وفراوله وغيره… قد ذاب ثلجه وصار مائعا البعض فقد قيمته… لم يعد في الثّلاجة أثر ثلج أو لشيء من البرودة…

علمتُ فيما بعد، أنّ صاعقة سقطتْ قريبا من مدينة قليبية ذات زوبعة قامتْ قيامتها منذ ثلاثة أيّام وأنّ الكهرباء ليلتها قد انقطعتْ على كامل المدينة…

شكرا أيّها الجرو، إنّ الله أرسلك ليجعلك سببا لأذهب إلى قليبية، فلو طلب منّي أحد أن آخذ هذا الجرو هديّة لن اقبل ولو أرسل لي شخص دعوة لأنتقل إلى قليبية في خلال أيّام الأسبوع لأحضر حفلا او مناسبة لاعتذرتُ منه وما وافقتُ وإن كان الأمر على غاية من الأهميّة وإن كان لابدّ من انتقالي فإنّي أؤجّل سفرتي لنهاية الأسبوع… لكنّ الله سبحانه وتعالى جعل لي من الأسباب مسبّبات وجعل في قلبي رحمة لألتقط ذلك الجرو ولأنقذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان وإلاّ كنتُ وجدتُ بيتي مستنقعا للدّيدان والرّوائح الكريهة التي يصعب بعدها تنظيفها والتّخلّص منها بسهولة وكم يلزم من الوقت لتزول وتتنحّى آثارها من البيت…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*