مسافة للأمان ../ قصة قصيرة / بقلم الكاتبة فوز حمزة من العراق.

ما عدتُ أسمعُ منذ شهور سوى صوت نقر أصابعه فوق الحاسبة ..
عندي حساسية مفرطة تجاه الأصوات ..
أعجبتني كلمة مفرطة حين سمعته مرة ينطق بها .. فخجلتُ أن أسأله ..
لكني وفي إتصال لي مع أختي علمت منها ما يعني الأفراط ..
هو كما شعوري نحوه .. حين أجده في حالة صمت مطبق ..
ابتسمُ الآن وأنا أستخدم كلماته ..
فأنني عادة ما أشغل نفسي في المطبخ أو النظر في المرآة أو متابعة مسلسلي المفضل .. أو مكالمة هاتفية مع أختي التي كثيراً ما تزعجها أسئلتي فتغلق الهاتف في وجهي بعد أن تسمعني أقبح الكلمات ..
أضحك أحياناً على نفسي .. وأحياناً استغرب منها ..
هل أنا مخبولة ؟!
هل أنا سعيدة بمرض زوجي .. من يصدق ذلك ؟!
لإن المرض أقعده في البيت .. فأنا أحبه .. أحب قربه .. أحب وجوده لجواري دائماً لكن علتي معه هذا الصمت الرهيب العجيب الذي يعتريه دائماً ..
أعجبتني يعتريه هذه فهي من ضمن ما ألتقطته منه ..
فرحت حين طلبت منه الشركة التي يعمل بها إنجاز ما يخصه من أعمالها في البيت ..
وأخيراً .. ستمحين من قاموسك كلمة إنتظار أيتها العاشقة .. هكذا أخبرتني أختي حين علمت بالأمر ..
……………..
قبل فترة كنا قد أنهينا العمل على تغيير الديكور في بيتنا .. كانت لي فيه متعة هائلة لإنها جعلتنا قريبين من بعض حد التلاصق حتى أراني أتحرش فيه كعاشقة تهوى العناق والقبل وكان لي الكثير منها .. حيث كان غيابه سبباً مباشراً لأختناقي وضجري وكثرة مشاجراتي معه ..
هاهو الآن معي .. فوجوده قربي يطمئنني .. ثم تلك اللحظات التي كنا نجلس فيها على طاولة الطعام ..
كم لها سحر وعذوبة ؟!
فأخذ يشاركني في إعداد الوجبات .. ويجالسني على التلفاز بينما قد أحضر لوازم السهرة وحيث أخذت أتفنن له بالعطور وتسريحات الشعر وأنواع أحمر الشفاه .. فأضفى ذلك بحميمية أدفئت البيت كله ..
ما الحياة سوى زوج محب وبيت يملؤه الدفء .. حتى أنني لم أعد أتذمر من شقاوة الأطفال وطلباتهم التي لا تنتهي ..
كنت سعيدة بهذا التغيير المفاجىء الذي طرأ .. فالحب في قلبي لزوجي يشبه كرة نار في غابة يابسة الأشجار ..
قرأتها في فيلم أجنبي فراقت لي .. ربما لإنها لامست شيء في داخلي ..
وصفتني أختي بالشريرة حين أخبرتها بما أتمناه من عدم شفاءه وكانت تهذي على مسامعي بأنعت الأوصاف التي لا يطيب لأحد سماعها .. أغرب وصف سمعته منها هو أنني أملك قلب يضخ الدم لكنه عديم الشعور ..
مرت عدة أسابيع ..
البهجة التي غمرتني لوجود زوجي في المنزل أخذت تختفي مثل مصباح كان وهاجاً فخفت ..
صرت أطيل الصمت .. الأحاديث باتت متكررة .. فشعرت بسخفي وتفاهتي حين كنت ألمح ذلك في نظرة عينيه عندما ينظر إلي وهو يحمل رأسه فوق كفيه ..
نظراته كانت تخجلني .. وكأنه يتعمد ذلك ..
لم أعد أترقب وصوله حين يخرج في مشوار قصير .. لم أعد أشعر بذلك الشغف والقلق في إنتظاره ..
الغريب أن الوقت يمر سريعاً في غيابه عكس ما كان يحدث سابقاً ..
قد أخبرتني أختي أن الوصول للنهاية يفقد الأشياء رونقها .. لم أعي ذلك في وقتها حتى مرت ثلاث شهور ..
بدأ الملل يتسلل إلي من أتجاه غير معلوم وصارت الوحشة تزحف نحوي شيئاً فشيئاً ..
بدت الأيام متماثلة ذات لون وشكل واحد ..
بدأت أشعر بوخز في قلبي .. أعتقد إنه وخز الضمير .. إذ كثيراً ما كنت أتناسى وجوده معي في الغرفة وأحياناً أهمل طلباته دون وعي مني ..
نعتتني بالسخيفة ومرة بالغبية حين أخبرت أختي بذلك .. لكنها في النهاية ضحكت لأنها كما تدعي لم تسمع بوخز للضمير في القلب ..
……………………..
شهران كاملان مرا على شفاء زوجي من مرضه وعودته للعمل في مقر الشركة قبل أن يلاحظ أنني كففت عن أختلاق المشاكل بسبب ساعات غيابه الطويلة حتى إنه أبدى أستغرابه لعدم تذمري من اتصالاته المستمرة والطويلة التي يجريها أو يتلقاها ..
أكتفيت بطبع قبلة ساخنة على شفتيه بعدها همست في أذنه:

لابد من ترك مسافة أمان لئلا تفقد الأشياء رونقها وبريقها ..
ابتسم قبل أن يقول لي:

من أي فيلم سرقتِ هذه المقولة !!!
…………….. فوز حمزة ………………….

Peut être une illustration de 1 personne et fleur

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*