قراءة نقدية لقصيدة الشاعر الملتزم المتسلح بالحرف والقلم لهدم جدار الظلم والقهر محمد بوحجر وهي دون عنوان! بقلم الكاتبة حبيبة محرزي من تونس.

وقد يكون تغييب العنوان لتغريب الممكن الوحيد. وهو المكان الفاعل، والذي بتجاهل مقصود من الشاعر يحكم عليه بالعدم وهذا هو الهدف
على المستوى الدلالي فالقصيدة لا يمكن ان تكون الا ضمن خطاب ثوريّ يروم نقد موجود مترد للتّأثيث لمنشود يكون البديل وفيه سفينة النجاة، فالقصيدة وان بدت خاصة بفئة معينة الا ان ابعادها الشمولية اكتسبتها من براعة الشاعر في نبش المدرك والمتداول والظّاهر والباطن او المضمر..
فالظّاهر “سعداء بهذا الصّرح العظيم” وهو مركّب شبه اسنادي قائم على الصفة المشبهة، فالسعادة انية مغشوشة مرتبطة “بالصرح العظيم” والصرح هو كل ماعلا شانه وذاع صيته لخصلة فيه او لخدمة راقية جليلة تتعدى الذات المفردة الى الجماعة المطلقة، وقد يكون مادّيّا عينيّا ظاهرا كالناطحات او البروج او من العجائب السبعة كمنارة الاسكندرية وضريح ارتميسيا وحدائق بابل المعلقة. او معنويّا فكريّا ينهض بالبشرية الى الاعالي كصرح العلم والادب وصرح العلوم اي كل ما يحتمى به وكل ما يضمن العلو والتطور، ومن تتبّع مسيرة الشاعر النضالية في سبيل الحرية ونصرة المظلومين سيرتد بفكره ويستشف هذه السخرية اللاذعة من “صرح يشيد” ليعقّب باستفهام “هل هو للبحث العلميّ ام مشفى” والاستفهام يقتضي طلب تعيين احد الامرين، لا ثالث لهما، الا لفائدة شعب يتخلص من المجرمين، الا انّ التفصيل لما ورد مجملا يحيد بالمقصد من الايجاب الى السلب ومن المنفعة الى المضرة..
والمكان يصبح محور النص دون منازع “السّجن” والذي لا يخلو منه نص او قصيدة او رسم كاركاتوري كما فعل ناجي العلي بحنضلة المقيد في سجن ابدي، والادباء والشعراء الذين افردوا” السجن” بان يكون مسرحا لفضائع التعذيب مثل Henri Charierفي رائعته le papillon او اميل حبيبي في المتشائل او محمود درويش او نزار قباني ومفدي زكريا او سميح القاسم الذين برعوا في تعديد فظائع السجون، والشاعر يجعله مؤطر لمجموعة “الفقراء والمساكين” وما ضمير الغائب “اغلبهم “الا لبناء مواجهة غير متكافئة مع “السجانين” والمعبر عنه ب”نظامكم من الحياة “فالقضية الاصلية تتمثل في صراع بين حاكم ومحكوم بين فاعل ومفعول به وهي قضية تشعل الاوطان والمجتمعات المخربة، والانحراف نتيجة حتمية للطرد، وما تكثيف معجم الانحراف والرذيلة الا لتصوير واقع متردّ، وبهزة ارتدادية عدد الشاعر اسباب الانحراف “غادر المدرسة”” يرعى الاغنام”” متسول”
معاناة وهم نازف بمدلولات صريحة، فالشاعر قد تبنى هذه القضايا في قصائده كلها.. فنجده يشحذ قلمه ليكون سلاحا يرعب الطغاة ويقضّ مضجعهم الى حد انكار الذات والتجند للدفاع عن قضايا انسانية اجتماعية “ليصبح طبيبا” ليستثني الحكام من الراتب العالية عمدا..
والاستفهام الانكاري يتضمّن الجواب “من المذنب، من المجرم؟” والجواب سيكون منادى بالصفة “يا قادة البلد”نداء فيه بعد معنوي ومادي تفرضه العلاقة العمودية بين الحاكم والمحكوم، ليعقبه تعديد لمظاهر الظلم والغطرسة “يا من جعل الفقراء حطبا لهذا الجحيم، “جعلتم” افعال تحويل ترسخ الجريمة في “قادة البلد” هذا المعنى فيه تناص مع نزار قباني حين يقول” حكام بلادي”
والتفصيل ب” اما”لتثبيت التقابل بين فئتين متقابلتين”” فئة ابناء الفقراء وفئة ابناء حكام البلد”، مع ” كم”الكثرة من الظلم والتجبر، فالمكان خاص بالمعدمين لكن السبب الاصلي والذي تدرج نحوه الشاعر بمنهج منطقي معقول هو” العدل غائب”
والشاعر وان بدا ناقلا للأحداث ومصورا لواقع فانه شانه شان كل شاعر ملتزم ينضم الى الفئة المفقرة” فلنا” جمع المتكلم اي انه يشارك المظلومين همومهم الإجتماعية والنفسية والسياسية للوقوف في وجه “حكام البلد” الى حد انكار الذات والتعبير عن الرغبة في تخليص المجتمع من عصا حاكم متجبر لتنغلق القصيدة على طلب فيه مرارة ومعاناة جماعية
واصلوا وابحثوا”امر فيه تحقير لفعل مشين متعمد” ليطول عمر الحاكم الظالم،
هي قصيدة بل صرخة من غياهب “السجن” ماوى الفقراء المهمشين المنبوذين ،،
محمد بوحجر ومن يعد الى كل قصائده النثرية الحداثية يتاكد من انتمائه “التشي قيفاري” وانه على خطى محمود درويش وسميح القاسم وابي القاسم الشابي همه الوحيد الصدح بمعاناة المفقرين المظطهدين في نظم دكتاتورية ثارت عليها الشعوب لتركز اباطرة اخرين منهم من يتغلف بجبة الدين ومنهم من يتوشح بوشاح الطائفية النازفة لتظل الشعوب رهينة للسجون تشيد مل يوم عوض صروح العلم والمعرفة والمستشفيات.
حبيبة محرزي
تونسسعداء بهذا الصرح العظيم
هل هو مركز أبحاث
أم مشفى لمرضى السرطان!!!
لا إنه سجن للمجرمين!!
فيه يجتمع الفقراء و المساكين..
أغلبهم أطرده نظامكم من الحياة..
ليصبح منحرفا ليمضي عمره في زنزانة..
ينبذه الجميع ليعيش العدم..
فحين بلغ عمره عشر سنين غادر مدارسكم..
ليصبح راعي أغنام يشقى ليوم ثم ينام..
و آخر كان متسولا على قارعة الطريق…
حين كان فقرهم متعمدا..
داس عليهم الجميع..
عاشوا عمرهم منبوذين..
ليكون مستقرهم سجنا حقير..
ماذا لو عاش ذاك الطفل طفولته..
و أكمل دراسته..
ربما كان سيكون طبيبا..
أو قاضيا يحكم بالعدل و يخشاه الجميع..
من المذنب من المجرم..
إنه أنتم يا قادة البلد..
يا من جعل الفقراء حطبا لهذا الجحيم
جعلتم من أبناء الفقراء ملاعين..
أما أبنائكم ففي رغد يعيشون..
كم كنتم متجبرين و آثمين..
لما السجون لو كنتم عادلين..
لكن العدل في بلدي غائب..
فلنا نظام يزداد عمره..
كلما زاد عدد المنحرفين…
فواصلوا بناء المعتقلات..
و ابحثوا جاهدين عن المساجين..
صرح عظيم…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*