الزوجة البدينة بقلم الكاتبة نسرين محمد من السودان.

إن تعطرت هذه البلاد بالعطور التي تُعدّ للعروس، ستظل نتنة.
قال وهو يترنح في خطواته بحذرٍ؛ كأنه يتعلم المشي للتو. يمسك بقارورة ماء؛ سقطت من يده ، نسي أمرها. عاد إلى سريره الخشبي الذي صنعه بنفسه وقت كانت سيرته تغطي السوق.
يده “تلتف بحرير”، كما يُقال عنه. قدماه ثابتتان، لكن مخيلته الخربة تنتج أفلامَ سريالية. يقهقه بفم مثرم؛ في كل مرة يتشاجر فيها تكسر له سن.
تراءت له صورة زوجته البدينة، حوقل ثم استعاذ من الشيطان ونام. كان صوتها عاليًا، كأنها تتحدث مع سكان آخرين في السماء. هو أمامها، لكن صوت شخيره يغطي الأرض. كان يصدر أصواتًا غريبة أثناء النوم؛ يضطر الجيران إلى ترك المنزل خوفًا .
مكث في البيت أعوامًا حتى استأجره رجل معسِر لا يملك خيارًا آخر. كان يقضي الليل كله مشيًا عندما تضايقه زوجته البدينة؛ كما يناديها. ذُكر أنه يتحول إلى حيوان يتجول ليلًا، ثم يعود إلى هيئته الآدمية صباحًا؛ يثمل وينام طيلة النهار.
سئم جاره الجديد من تلك الحالة، فهو يحتاج لساعات النوم القليلة تلك حتى يستطيع خوض معارك الصباح، كغيره.
السابعة صباحًا إنتهى وقت بائع الحليب. تبعه صوت صاحب الخضراوات بعربة (الكارو)، قادمًا من آخر الزقاق. يصيح طفل يشارك الصغار لعب البلِّي منتصف الطريق:
“يُمَّه بتاع الخدار جاء”
كانت منشغلة بتحية الصباح مع جارتها التي يفصلها عنها حائط.
تبادلن موجز الأنباء، ليكملن الأخبار مع بقية النسوة حول عربة الكارو. تُمسك بطرف التوب والآخر يكنس الأرض. تهرول نحو الباب حتى لا يفوتها الخضار الجيد. كن وافقات هناك يفاصلن معه في السعر. كان يحدق بعيدًا؛ أبعد من الصوت القادم من المقهى الكامن في نهاية الشارع. يبدو أن مزاج الصبي كان جيدًا. دخان بخور التيمان يعانق السماء، جردل الماء في يده يغازل حبات الرمل، كراسي مرصوصة؛ كما لو أنه سيقام حفل زفاف عروسين، حاربا طويلًا للظفر بتلك اللحظة. كان يحدق في كل ذلك، وقد غاب مع صوت عركي الذي كان يصدح:

ووااااحشني يا الـ خلَّيت ملامحك في ذاتي.
عاد إلى زمن تجازوه كليًّا، لكنه لم يبرح مدخل النفاج الذي يترقبها فيه في وقتٍ محدد بحذر؛ إن رآه أحد لن ينجو من الموت. لم يكن يخشى الهلاك، لكنه لم يكن يقوى على فراق خطوتها في ذلك الوقت. تذكرهم جميعًا؛ صراخ عمومته الذين لا يعجبهم صنعه، دعوات جدته وهي تخرج حبات الفول المدمس من سحارتها الخشبية، حيث كانت تخبئها له. كان مميزًا عندها؛ حفيدُها الذي يجود عليها من المال الذي كان يسرقه من محفظتها الجلدية. رحلة الصيد التي تدوم لساعات وحفلة شواء الطيور… تلاشى كل ذلك بسرعة البرق عندما صاحت زوجته تطلب منه الإفصاح عن الطريق. لعن يومها. كرر: “الحياة بدونها أجمل”.
أخذ قاروته وغاب في ملكوت الخمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*