القيم وإرادة القوة عند نيتشة بقلم الكاتبة خديجة مسعودي من تونس.

إنّ البحث في أصل المفاهيم كان بمثابة التقويض لما اتجه له مفكري عصر الحداثة من أفكار واعتقادات خاطئة، باعتبارها أصنام فارغة تحتاج إلى إعادة النظر ليكشف عن فراغها وخواءها . ولقد كان لجملة الأفكار التي تم تداولها أثرا كبيرا على القيم الأخلاقية التي لم يقع التفكير فيها بعمق وظلّت أمرا مسكوتا عنه، إذ اعتبر الخوض في هذه المسألة أمرا خطيرا على الدوام، ونعني بذلك الضمير والعقاب والذنب  الذين كانوا بمثابة العائق أمام ثورة فلسفية بالأساس ضدّ القيم الأخلاقية السائدة التي تمثلت في الأخلاق المسيحية الكهنوتية المعبرة عن العجز والاستسلام، وحالت دون تحطيم الأصنام . ففلسفة كانط الأخلاقية التي تأسست على الواجب كانت تعبيرا على مجردّ مثاليات جعلتها تغرق في الميتافيزيقا ولا تمت للواقع بصلة. وهكذا تصبح الحاجة إلى فلسفة تؤسس إلى قيم أخلاقية جديدة قاعدتها القوة والانتصار على كلّ ما يمثل عجزا وضعفا ملحة أمام إشكالية القيم الأخلاقية التي طغت على الثقافة الإنسانية عامة .

ومن هذا المنطلق، ونظرا لأهمية فلسفة فريديريك نيتشه    فكرنا في البحث في قضية مركزية، المتمثلة في علاقة القيم بإرادة القوة ، وهي مسألة هيمنت على فلسفته  باعتبارها ليست مجردّ استجابة للضرورة التاريخية فحسب نظرا للطابع المميز للقرن التاسع عشر من حيث هي مرحلة اضطراب في التفكير وانقلاب القيم وتأزمها، وإنّما هي أيضا طريقة جديدة في القراءة والتأويل ابتدعها نيتشه لنقد الثقافة الأوروبية، ومراجعة منظومة القيم التي تقوم عليها هذه الثقافة. والجدير بالذكر، أنّ طبيعة بحثنا هي التي فرضت علينا أن نطلع على جلّ مؤلفات نيتشه، لأنّ كلّ كتاباته تقريبا تحمل جملة من التصورات التي تبيّن تجليات العلاقة بين القيم وإرادة القوة. وهنا يمكن الإشارة إلى جدّة مشروع فيلسوفنا وطرافته في علاقته بالقيم، إذ أصبح بمثابة المنهج الذي يفكك المفاهيم ويقرأ النصوص مما جعله يحقق منعطفا هاما في تاريخ الفلسفة، ولعلّ هذا ما يخول لنا اعتبار الفيلسوف “نيتشه” من أهم فلاسفة الغرب الذين سعوا إلى مراجعة جذرية للميتافيزيقا وصلت حدّ قلب المثالية الأفلاطونية، التي لطالما احتقرت الجسد والحياة وجعلت من عالم المثل موطنا للقيم الأخلاقية. ومن هنا، يمكن تقصي بوادر تقويم نيتشه لمسألة القيم الأخلاقية وجعلها في علاقة متلازمة مع إرادة القوة التي تعكس إثارة نقدية جريئة، كان لها تأثيرا في التيارات الفكرية والفلسفية اللاحقة. وهذا ما جعله يؤسس لتصور قيمي جديد يتنافى مع القيم السائدة.

ولقد عمل فيلسوفنا ضمن هذا المشروع الذي اختص بالقيم الأخلاقية على إضفاء القوة والقدرة داخل الإنسان. وهذا ما يظهر في جلّ كتاباته، وعلى سبيل المثال يصبح  الخير من هذا المنطلق بمنزلة  الشعور بالقوة وتجاوز مشاعر الضعف ، وهنا يمكن اعتبار فلسفة نيتشه بداية جديدة في تاريخ القيم الأخلاقية تميزت بارتباط جملة القيم بإرادة القوة التي تدفع إلى تفوق الإنسان على مشاعر الضعف والاستسلام مما استوجب قلبا للقيم السائدة ونذكر الشفقة والضعف لمزيد التوضيح أكثر التي أصبحت تحاصره وتكبل إرادته وتجعله ينزع نحو الاستسلام. ولعلّ هذا ما دعا الدكتور فتحي المسكيني في مقدمة ترجمته لكتاب “جينيالوجيا الأخلاق” إلى الإشارة إلى ضرورة الاحتراس من أيّ فهم أخلاقوي لفلسفة نيتشه كمثل أن يعتبره البعض داعيا للبربرية أو من أنصار النازية أو قوميا متعصبا، فهذه الأحكام بمثابة الأحكام المسبقة إذ أنّ فيلسوفنا يمارس أنوارا جديدة على حدّ عبارته . تبعا لذلك، حاول نيتشه أن يؤسس  لقيم أخلاقية على قاعدة إرادة القوة وفضح قيم الحداثة. وعلى هذا النحو، تصبح الحياة إرادة للقوة بمعنى أنّها توقا للازدهار والتفوق وليست مجردّ توقا للبقاء، إنّها حياة تبدع إنسانا قويا ينتصر على نفسه وعلى الطبيعة ويعبر عن انتصاراته بالفن . وفي محاولة  هذا الفيلسوف الألماني لتأسيس منظومة من القيم الأخلاقية تتنافى مع كلّ أشكال التقهقر والضعف، عمد إلى البحث بعمق في أصل القيم السائدة متقصيا تناقضاتها الصارخة، ولعلّ هذا ما يجعله فيلسوف ما بعد الحداثة بامتياز يقوّض أصنام التي سادت في عصره كاشفا عن الجذور التاريخية والفيلولوجية   والجينيالوجية  للقيم مبيّنا حقيقتها.

ويجب التنويه هنا  إلى أنّ الموضوع الذي نختص بدراسته يساءل مسألة تعدّ الأهم في فلسفة نيتشه، فالعلاقة بين القيم وإرادة القوة تكشف عن تقويم جديد للقيم، لذلك حارب فيلسوفنا كلّ تصور جعل من القيم الأخلاقية بمعزل عن النقد والبحث والتمحيص مثلما ذهب إلى ذلك امانويل كانط  ، كما يعدّ البحث في القيم الأخلاقية بمثابة إعادة التفكير جينيالوجيا للتأسيس لمشروع يتعارض مع الانحطاط ومشاعر الحقد والانتقام.  ورهان فيلسوفنا ضمن هذا المشروع، هو تأريخ للقيم حتى يتمكن من معرفتها والوقوف على حقيقتها وكشف أصلها، وهذا ما سيخوّل التفكير في آليات تأسيس منظومة من القيم الجديدة ترتبط بإرادة القوة، لتجعل من الإنسان كائنا قويّا يتفوق على كلّ المخاطر، توجهه قيم الشجاعة والتغلب على الألم. تبعا لذلك، تكون مهمة نيتشه الأساسية، قلب تراتب القيم ومحاربة كلّ أشكال الضعف.ومن هنا، تكون قيم إرادة القوة مشروعا من أجل تصويب الخطأ وحياة أفضل تحيي الثقافة التراجيدية من جديد بماهي حكمة ديونيزوسية، ومن أجل فلسفة تدعو إلى الإقبال على الحياة وتنبذ التشاؤم.

إنّ عمق هذا المشروع الذي تجسد في تصور علاقة جديدة  تجمع بين القيم وإرادة القوة، ينفصل جذريا عن التصورات الفلسفية المثالية مثل الفلسفة الأفلاطونية التي ذهبت إلى تصور القيم الأخلاقية ضمن حدود ميتافيزيقية مثالية. ومن هذا المنظور، يبدو أنّ القيم الأخلاقية التي أرساها فيلسوفنا تتحدى كلّ التقييمات القائمة في ذلك الزمن، وتتنافى مع ضروب الميتافيزيقا. مما يجعل فلسفته ممارسة فلسفية نوعية، أحد أهم التيارات في تاريخ الفلسفة مثلت منعرجا حاسما في عصر ما بعد الحداثة وقضت على تصورات كلاسيكية أسست القيم على أحكام دينية وأخلاقية خاطئة. ولقد حاولنا من خلال هذا البحث تتبع تجليات العلاقة بين القيم وإرادة القوة، والوقوف عند أهم أسس هذه العلاقة، مما جعلنا نتعرف إلى خبايا الفكر النيتشوي واكتشاف تفاصيله من خلال قراءة متأنية لكتاباته. وهذا ما دفعنا للتسليم بأنّ فلسفته بمثابة إطلالة فكرية تجعلنا نعيد القراءة للمفاهيم، ونكشف معانيها ونبدع قيما جديدة أكثر إيجابية.

إنّ صعوبة  قراءة النص النيتشوي جعل البعض يعتبر أنّ جملة الأفكار التي يحملها لا تخلو من  الغموض، وذلك لاستعماله جملة من المجازات والاستعارات هذا فضلا عن الطريقة التي يوظفها في شكل شذرات، لكنّ فكر هذا الفيلسوف الألماني قد قدّم الكثير في الحضارة الأوروبية والعالمية ككلّ، جعلتنا نعيد التفكير في القيم الأخلاقية ونتساءل عن أصولها ونتعرف على طبيعتها التاريخية والنفسية. ومن هنا، يمكن الإقرار بأهمية هذا التصور الذي يركّز على القيم الأخلاقية. أمّا راهنية هذا الفكر فتتمثل في حاجتنا اليوم إلى قيم أخلاقية تخلصنا من مشاعر الضعف والخوف والوهن وتقوّض الأخلاقيات  القائلة بالخضوع والاستسلام. ولقد نبّه نيتشه من تجاهل التفكير في مسألة الخير والشرّ وذلك نظرا للرقابة التي تسلطها منظومة الأخلاق القائمة على الضمير والخوف من العقاب ومن رجال الدين  وفي ذلك فيه حثّ على البحث ومراجعة لهذه المسألة التي تحدّد معالم ثقافة الشعوب، ولعلّ منهج فيلسوفنا من أهم المراجع التي تساعد على التمرد على الأخلاقيات السائدة وإحياء إرادة النقد في نفس الإنسان.

إنّ طرح قضيّة القيم وعلاقتها بإرادة القوة باعتبارها الأهم في فلسفة نيتشه هو بمثابة المحاولة لتتبع أسس المشروع النيتشوي والخوض في مسألة القيم الأخلاقية وهو عمل على الاستفادة من الموروث الفلسفي لفيلسوفنا وإرساء هذه القيم القائمة على نظرية إرادة القوة والتي تؤسس لإنسان أرقى ينتصر على مجتمع التقاليد والعادات والمثل العليا.

نيتشه، كتاب ما وراء الخير والشرّ-تباشير فلسفية، الفارابي، بيروت، من تقديم الطبعة العربية، ص. 9.

[1]  نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، فتحي المسكيني، دار سيناترا للنشر، المركز الوطني للترجمة، 2010، تونس&1.ص 81.

[1]  نيتشه، هذا هو الانسان، علي مصباح، منشورات الجمل، بيروت&2. ص. 7.

[1]  ولد فريديريك نيتشه سنة 1844، كانت عائلته قساوسة لوثريين، ونشأ في نومبورغ مع أخته الصغرى إليزابيت، اختار فقه اللغة مفضلا اياه عن اللاهوت، أعجب بالفلسفة من خلال فلسفة شوبنهاور، عين أستاذ للفيلولوجيا سنة 1869 في جامعة بال، كان شديد الاعجاب بفاجنر، أعجب بعد ذلك بلو سالومي، ولقد ساعدته أخته بنشر كتاب إرادة القوة وذلك بسبب إصابته بالجنون سنة 1889.. تميزت مؤلفات هذا الفيلسوف بالأسلوب الشذري والشعري والقصصي، واختصت فلسفته بالاعلان عن أفول أصنام الفكر الانساني بما فيها من قيم وافكار تحيل إلى الوجود والحقيقة، أسس المنهج الجينيالوجي الذي يختص بالبحث في أصل القيم وشروط تكونها لكي يستطيع بذلك تشخيص أزمة الانسان الحديث التي مردها تشريع لوحة قيم تتلخص في مبدإ “يجب عليك” وما تعنيه من قيود اجتماعية و أخلاقية زائفة. هادفا بذلك إلى تأسيس مشروع فلسفي قيمي بالأساس على قاعدة إرادة القوة التي تقطع مع الضعف والاستسلام وتحتفي بقيم الانتصار والتغلب على الآلام. عبد المنعم الحفني، موسوعة الفلسفة والفلاسفة، مكتبة مدبولي، الطبعة الثانية، 1999، ص-ص. 1437، 1438

[1]  يعتبر نيتشه أنّ إرادة القوة تتعارض مع معنى الحياة الذي يقدمه كلّ من النفسانيين الانجليز وسبانسر وخاصة مع التصور التشاؤمي للحياة الذي يمثله شوبنهاور، إنّ نظرية إرادة القوة تتجلى باعتبارها نقدا جذريا لهذا التصور التشاؤمي. كما تمثل إرادة القوة نقدا جذريا للتصور التشاؤمي، وعلى هذا النحو تتنافى هذه الإرادة مع فعل الحياة ولا تتلخص في إرادة الحياة العمياء لشوبنهاور، بل هي مبدأ إعلان عن الابداع والخلق والتجددEncyclopédie philosophique universelle, Les notions philosophiques, Dic 1, puf.

[1]  نيتشه، عدو المسيح، جورج ميخائيل ديب، دار الحوار، سوريا& 2، ص. 25.

[1]  نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، فتحي المسكيني، المصدر السابق،ص. 10.

[1]  دكتور عبد المنعم الحنفي، موسوعة الفلسفة والفلاسفة، جزء 2، مكتبة مدبول، ص. 1439.

[1]  يعلن نيتشه في بداية كتابه “جينيالوجيا الأخلاق” أنّ تربيته التاريخية والفيلولوجية هي التي دفعته إلى التساؤل عن ظروف اختراع الانسان قيم الخير والشرّ. نيتشه (فريديريك)، جينيالوجيا الأخلاق، فتحي المسكيني، تونس،&3، ص. 34.

[1]  الجينالوجيا هي علم النسابة ودراسة نقدية لبنية الأفكار الأخلاقية.Dictionnaire de philosophie ,Noella Baraquin, Anne Baudart,Jean Dugué,Jacqueline Laffitte,Frnaçois Ribes,Joel Wilfert,Arman Colin,2011.

[1]  ينقد نيتشه فلسفة كانط الاخلاقية ويتجاوزها معتبرا أنّها ضربا من الميتافيزيقا ولعلّ هذا يتجلى لنا من خلال جلّ كتابات فيلسوفنا.

[1]  نيتشه، الفجر، محمد ناجي، أفريقيا الشرق، 2013،  بيروت&3، ص. 8.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*