الإسكافيّ… بقلم الكاتب محمد جعيجع من الجزائر.

وسطَ الشارعِ الرئيسيِّ الذي يَقسمُ الـ”فيلاج” إلى شطرينِ، يسارهُ قاعةُ العلاجِ ويمينهُ دكانٌ صغيرٌ  لبيعِ البقَّالةِ يملكهُ عمي الطاهر  بن السعدي وأمامَها يجلسُ عمي امحّمد المكنّى بـ”بِلفْرَّدْ” “رحمهُما اللهُ” كلَّ صباحٍ على كرسيّهِ ذو  القوائمِ القصيرةِ الأربعةِ وبجانبهِ صندوقٌ خشبيٌّ غُلّفت أوجُهُه بصفيحٍ معدنيٍّ مصدرُه عبواتُ زيتِ دوّارِ الشّمسِ “زيت صانڤو” ذاتُ الخمسِ لتراتٍ؛ بداخلِهِ أدواتٌ ومعدّاتٌ بسيطةٌ ومجموعةٌ متنوّعةٌ من إبرِ الخيّاطةِ مستقيمةِ الشّكلِ وأخرى مُنحنيةٌ وخيوطٌ قد دهنَها بمادةِ الشّمعِ ومطرقةٌ وسِندانٌ وقِطعٌ منَ الجلودِ الصغيرةِ وعلبِ مساميرِ  “السومارس” بمُختلفِ الأحجامِ ، وثاقِبةٌ حديديةٍ حادّةٍ لها ذراعٌ خشبيٌّ لثقبِ الجلودِ المرادِ خياطتُها، ومجموعةٌ من الأحذيةِ والحقائبِ القديمةِ التالفةِ، وموادُّ أوليةٌ أخرى كمساميرِ “الريفي” ؛ يجمعُ بين دفتَيهِ قفلٌ صغيرٌ  من السّهلِ فتحُه دونَ مِفتاحٍ …

عمي امحمّد في العقدِ السّادسِ من عمرِه، متوسطُ القامةِ مرفوعُ الهامةِ ، تعلو  وجهَه ابتسامةٌ دائمةٌ تبرزُ منهُ عَينانِ بُنيتانِ ، تعلوها أهدابٌ طويلةٌ وحاجبانِ مقوّسانِ كثيفا الشعرِ، شعرُه ما بين الحمرةِ والسوادِ يتخللُه بياضُ الشّيبِ ، وبشرتُه غلبَت عليها بقعُ البرصِ ، نظرتُه مكسورةٌ خلفَها حزنٌ دفينٌ عن مشقّةِ الحياةِ وعسرةِ العيشِ التي دفعتهُ إليهِ عزّةُ النّفسِ …

يبدأ عمي امحمّد عملَه الذي اعتادَ عليهِ بعدَ أن كان يشتغلُ بالبساتينِ كـ”ربَّابْ” وبالمزارِعِ كـ”خَمّاس”، المتمثلِ في مهنةِ إسكافي (مُصلّحِ الأحذِيةِ) وهي مهنةٌ شاقةٌ تحتاجُ إلى شيءٍ منَ الصبرِ  والعزيمةِ ، رغمَ محدوديةِ ما يدرُّه عليهِ هذا العملُ ؛ إلّا أنّه كان يأخذُ منهُ كلَّ وقتِه وجهدَه ، ونظرًا لكثرةِ زبائنِه كان يعطيهِم مواعيدَ قد تصلُ إلى أسبوعٍ لتسليمِ أحذيتِهِم وحقائبِهِم ؛ وكان معظمُهم من فئاتِ المجتمعِ من مُثقّفينَ وعمومِ الشّعبِ ؛ وهناك نوعٌ آخرُ  من الزبائنِ المتمسّكينَ بأحذيتِهِم وحقائبِهِم ، كونَها من طرازٍ  خاصٍّ أو لخصوصيَةٍ معيّنَةٍ ، فيذهبون إلى الإسكافيِّ لإطالةِ عمرِها قدرَ  الإمكانِ …

مهنةُ الإسكافيِّ شاقّةٌ للغايةِ ، وتفرضُ على مُمتهَنِها التعاملَ مع الأحذيةِ القديمةِ والمهترئةِ التي تحملُ الجراثيمَ طوالَ دوامٍ كاملٍ لمواجهةِ شَظَفِ العيشِ ؛ حيثُ كان عمي امحمّد يُدخِلُ يدَه دونَ قفازٍ  ودونَ تَعفُّفٍ ليتلمّسَ مكانَ انثناءِ المساميرِ  ليتأكّدَ من سلامةِ رِجلِ منتعلِ الحِذاءِ ودونَ اشمئزازٍ  من رائحةٍ ولا من قذارةٍ قد يحملُها ظاهرُ  الحذاءِ وباطنُه (بعضُ الأطباءِ اليومَ وما أكثرُهم ، أكثرَ  حرصًا من لمسِ أجسادِ مرضاهم) ؛ وبسعرٍ  زهيدٍ لا يُسمنُ ولا يُغني من جوعٍ ؛ وتلقاهُ سعيدًا من إحساسِه بأنّهُ شخصٌ مفيدٌ في المجتمعِ ؛ ولا يكودُه المكوثُ طويلًا على كرسيٍّ صغيرٍ  فيَضعفُ جِسمُه وقد يصابُ بأمراضٍ مختلفةٍ كالديسك والتكلّس فلا يستطيعُ مزاولةَ مهنةٍ غيرَ  الإسكافيّةِ …

في نهايةِ الدوامِ يجمعُ عمي امحمّد أدواتِه داخلَ صندوقِهِ ويرمي بهِ في إحدى زوايا الدُّكانِ ، ويأخذُ طريقَه إلى الغُرفةِ الوحيدةِ بجانبِ البساتينِ ، بعدَ أن أخذَ وجبَةَ عشاءٍ في المطعمِ الشعبيِّ الوحيد بـ”الفيلاج” ؛ ويبدأُ رحلتَه مع الأوهامِ يَبني ويهدمُ ليُعيدَ البناءَ بمجرّدِ أن يستلقيَّ على فراشِهِ، حتّى الصباحِ الجديدِ ليومٍ جَديدٍ …

الإسكافيّ كأنّهُ يعملُ على خياطةِ التَّمزّقِ الذي يُصيبُ القلوبَ لقسوتِها وجفاءِ حنينِها وتصليحَ التي أصابَها تلفٌ ، ليُسعدَ أصحابَها ويبعثَ فيها بهجةً وسرورًا فترجعُ إلى خفقانِها من جديدٍ وتدفعُ الدِّماءَ في كاملِ الجسمِ “المجتمع” تَتغذّى وتُغذّي .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد جعيجع من الجزائر  ـ 24 مارس 2021 

One Reply to “الإسكافيّ… بقلم الكاتب محمد جعيجع من الجزائر.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*