نــَدبَــاتٌ تُذكّرُنـاَ… بقلم الكاتب محمد الزارعي من تونس.

ربما نستطيع أن نشفى من بعض الآلام كالوحدة والخذلان والحزن المفاجئ والفقد والفشل العاطفي، ولكن ما من حقيقة يمكنها أن تنقذنا من التعاسة الباردة التي تنفذ إلينا بهدوء مع مرور الزمن وتقدّمنا في العمر وحتميّة ما ينشأ عن ذلك من خوف وتحمّل للمسؤولية وتراكم للقرارات الخاطئة وزيادة في الأعباء. ما من خلاص يمكنه أن يعالجنا من هذا الشعور بالضعف الذي يتراكم بداخلنا شيئاً فشيئاً في مواجهة الحياة اليومية وخيباتها المتوالية وحتى تلك التي نعتقد أننا قد تجاوزناها حين تهاجمنا أشباح الماضي وتذكّرنا بالندبات والأشياء التي تُرِكت دون أن تُقال. ما من قوة تخلّصنا من شعورنا بالاغتراب عن الآخرين وعن أنفسنا.. من حقيقة أننا نصبح أشخاصاً يصعب فهمهم ويسهل جرحهم، أشخاصاً أكثر وحدة وتعقيداً وحزناً. من ينجدنا من حقيقة أن النار التي فينا تبرد، ثم تخمد ويستحيل معها أعزّ ما فينا إلى رماد؛ ماضينا، ذكرياتنا العزيزة، الأرض التي غادرناها، شغفنا القديم، سعادتنا الأصيلة بأبسط الأشياء، قوّتنا العاطفية، عجزنا عن الخداع، براءة طفولتنا وأحلامنا الكبيرة التي دفناها هناك، اندفاعاتنا النبيلة، نقاؤنا، إيماننا بأنفسنا وبالآخرين. إن الحياة تلوّثنا رغماً عنا ونرتكب مزيداً من الأخطاء مع كل يوم جديد. نجرح مزيداً من الناس ونخسر من نحبهم لشدّة اضطرابنا. أقرب من إلينا نسيء فهمهم ويسيئون فهمنا ونصبح فجأة غرباء. إن الحياة تهزمنا بأبشع صورة ممكنة وما من عزاء بعد الآن بوسعه أن يبعث الدفء في صدورنا أو أن يعيدنا كما كنا في يوم من الأيام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*