الحُجرة المُظْلَمة…! بقلم الكاتبة ليسا جاردنر من اليمن.

أنزوي هناك في قاع تلك الحجرة المظلمة بعيدة كلّ البعد عن كلّ ما يثير فضولي، في عزلة تامّة عن كل الأشياء والأحياء، لا أرغب حتى في الحديث مع أيّ كان من البشر ولا الحجر ولا الشجر…!

لكن في كثير من الأحيان أجدني أتحدّث إلى الظلام مستمتعة بديجوره، متأملة في سواده المثير للسكون الذي يبعث فيَّ حالة من الإحساس المزدوج ..إحساس بالمتعة والخوف..! لأني كثيرا ما أشعر وأنا في هذا العمى من النور أنني أصبحت لا أمسك بذيول الخطأ والصواب وكأنهما هما أيضا انتابهما هذا الخوف وهذه المعاناة من الظلمة الشديدة حتى كدْت أتيقّن يقينا غير ثابت ولا واضح أنهما مظلوميْن..! فالصّواب يَنْدُبُ حظّه لأنه وُلِد في حجرة مظلَمة …وما هو في ظلام لا يقين يضيئه…!

وكذا الخطأ يتحسّر على حظّه المنكوب لأنه عاجز عن التحرُّك والفعل والعمل…!

وبينما كنت في خضمّ دوامة التأمل العقيم إلى حدّ أني خِلْتُ نفسي كذاك الأنسان الأعمى الذي يبحث عن قبعة سوداء في غرفة مُظلمة لا وجود لها… بدت لي من بعيد في نفس حشرة صغيرة تتحرّك بسرعة هاربة ومتّجهة بحركة جنونيّة من هذا الرّكن إلى ذاك وكأنها جندي هارب من وابل الطلقات الناريّة …! هذه الحشرة تكره جدّا الرطوبة… ويا للأسف الشديد كانت الغرفة المظلمة تعاني من هذه الرطوبة التي أكلت جدرانها وأخذت في التعفن وفي الموت البطيء نتيجة انعدام تسلّل نور الشّمس داخلها…

فأردتُ أن أسرق شعلة من نور الشّمس لأضيء بها الحجرة ولأهديها للحشرة البائسة لكن يا ويلة عجزي وفشلي في إنجاز هذا العطاء لأني أدركت يقينا عندها أن الحرب ورجال الحرب قد سرقوا ضوء الشمس وخلّفوا وراءهم رائحة الموت الرّطبة والمُتعفِّنة وزادوا في حِلْكة ظلام الغرفة البالية والمنسيّة والتي هجرها العقل الباطن متجها إلى ظلمة القبر…!   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*