الإقــامـة الـجـبـريـة بقلم الكاتب محمد الزارعي من تونس.

أكثر ما كان يتعبني في حياتي هو أن يعاملني الناس على أنني شخص مثالي ينبغي أن يتصرّف كما يتوقّع الآخرون. كان يكفيني أن أشعر بذلك حتى أُبدي للآخرين أكثر الجوانب ظلاماً وخلاعة في طبيعتي. كنت أُخبرهم بلا تردّد أو تزييف عن أفدح الأخطاء وأشنع الحماقات التي ارتكبتها في حياتي، عن ماضٍ أسود يقبع ورائي ويطاردني. وكنتُ أفعل ذلك على نحو يفترض أن يزيل شكوكهم بأنني إنسان سيئ فعلاً. هذا ما فعلته على نحو متكرّر في حياتي. أولاً لأنني أردتُ دائماً أن أكون وحيداً ، وثانياً لأنني ببساطة كنتُ أخشى أن يأتي يوم يعتقد فيه المقرّبون مني أنني كنتُ أخدعهم بطريقة ما. كنتُ دائماً شديد الصدق مع الآخرين ومع نفسي، ولم يكن ذلك ادّعاء سخيفاً للفضيلة، بل لأنني كنت أجد أن الصدق أهون من الكذب على كل حال وأقرب إلى الطمأنينة. كان البعض يكرهونني لهذا الطبع ويحقدون عليّ، كانوا يتحدّثون عنيّ بالسوء من وراء ظهري، وينتقدونني محاولين السخرية مني بكل طريقة ممكنة، كانوا يوجّهون إليّ الأحكام الغبية والباطلة بأنني أسعى إلى غاية ما من خلال صدقي هذا، وكانوا يفعلون ذلك بتحامل وشراسة كما لو أنني كنت أفضحهم من خلال نفسي، ولكنني لم أكن أكترث أبداً لكلام هذه الفئة الغبية من الناس، فئة معدومي الموهبة والأصالة الذين يحاولون دائماً المحافظة على صورة سليمة وناصعة لأنفسهم، صورة لا خدوش فيها على الإطلاق. وعلى كل حال، هناك من كانوا يصرّون على الصورة المثالية والنقيّة التي في خيالهم عنّي ، كما لو أنهم يصرّون على إرهاقي بآمالهم. لم أفهم هذا الأمر أبداً، فقد كنتُ أمرّ في لحظات من الغضب والحزن يبدو لي فيها واضحاً كحقيقة صارمة أنني إنسان ضيّق المزاج وحاد الطباع لحد متعب وبغيض. إن إيمان الناس هو أثقل الأحمال التي يضعونها على ظهورنا. توقّعهم الذي يكون بدافع السذاجة أحياناً، وأحياناً بدافع منحطّ خسيس غايته الوحيدة هي التملّك. توقّعهم بأننا سوف نتصرّف كما ينبغي، وبأننا سوف نقدم أفضل ما عندنا دائماً بغض النظر عما يعتصر قلوبنا من مرارة أو ما نشعر به من تعاسة شخصية ونفور من الناس والأشياء. إن هذا الإيمان لهو السجن الحقيقي للإنسان، وحتى المنطق الذي يحاجج الناس به بعضهم بعضاً بابتذال وسعادة غبية، فقد احتقرت هذا المنطق وكرهته دائماً، ولم أستطع في يوم من الأيام أن أراه إلا كأداة حقيرة تستخدم لجعل الناس جميعهم نسخة واحدة ومألوفة يسهل قمعها وتطويعها. هذه الأداة التي تفرض سيطرتها على البشر بقسوة لتحطّم ما يميّزهم، لتخمد النار في صدورهم وتحوّلهم في النهاية لكائنات أشبه بالحيوانات المنزلية الخاضعة والأليفة.إن المثالية ليست أكثر من مصح عقلي بشروط ظالمة وصارمة، مكان رديء وحدهم الأغبياء من يسعون لبلوغه، مكان لا يحتمل الإقامة فيه حتى المجانين…

Peut être une image en noir et blanc de enfant, plein air et mur de briques

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*