الهدرة السّابعة عشرة: الميترو أربعة متى تنهض تونس؟ بقلم الكاتبة سونيا عبد اللطيف من تونس.

-تعاليْ سيّدتي اجلسي جنْبي …
-بارك الله لك، شكرا قريبا أصل وأنزل …

لكن يبدو على وجهك التّعب، الوقوف يضاعف من ذلك ثمّ إنّ الانتظار في المحطّة قبل صعودنا الميترو قدْ أنهكنا وقتلنا…
-نعم أنتِ محقّة، زدْ على ذلك حرارة الجوّ التي لا تحتمل…

لمْ نعدْ نفهمِ الطقس، هل نحن في فصل الخريف أم الصّيف أم الشّتاء؟

نطلب اللّطف والعفو من الله فقدْ صرنا نعيش في اليوم الفصول الأربعة تماما مثل أوروبا…

نعم حين نخرج من منازلنا في الصّباح، يكون الهواء باردا ولافحا وبعد تجاوز السّاعة العاشرة يتغيّر الجوّ فترتفع درجات الحرارة فنسخن ونعرق ونندم أّننا ارتديْنا معاطفنا ونندم أكثر إذا لمْ نجلبها معنا، الطّقس أصبح غادرا وماكرا…

كل شيء تغيّر في الحياة… الفصول… الأشخاص… العقول…

إيه… لو تريْن كيف هي الحياة في روما… كنت هناك منذ أشهرٍ لقدِ استمتعتُ بالنّظام والنّظافة والثّقافة… هل تعلمين؟ يلزمُنا مائة عام كيْ نلحق بهم…
-ومنْ قال أنّنا سنلحق بهم…؟ تحلمين…

لماذا لا نلحق بهم يا عزيزتي… يكفي أن نحبّ بلادنا حبّا حقيقيّا، يكفي أنْ نسهر على نظافتها فلا نلقي بالأوساخ في الشّوارع وعلينا أن نساهم في الحفاظ على سلامة البيئة وعدم إتلاف الحدائق واحترام القوانين… فماذا ينقصنا…؟ هل تعلمين أنّ بقيّة تلك السّيجارة التي يلقون بها في الشّوارع هي كارثة وسبب كاف لسدّ القنوات فهي لمّا تتراكم وتتكدّس ثمّ تجرفها السّيول والمياه والأمطار وتأخذها معها تيبس وتصير كالإسمنت داخلها وذلك ما يسبّب في الفياضانات… في أوروبا يعاقب كلّ من يلقي بسيجارة في الطّريق العامّ…
-تخرفين أنتِ… منْ سيسمعكِ… كلّ النّاس تجري وتلهث خلف مصالحها… منْ سيهتمّ بما تقولين…؟
-في أيّ محطّة نحن الآن؟ أخبرتُ ابني أنّي سأنزل في باب سعدون ليعترضني ونذهب إلى مستشفى العيون لديّ موعد…
-ياااه… لقدْ تجاوزتها…
-يا لحظّي… انشغلتُ بالحديث… ماذا أفعل الآن…؟
-انزلي في المحطّة القادمة واركبي الميترو القادم وارجعي بمحطّة…

يجب أن أقتني تذكرة أخرى في هذه الحالة فهذه ما عادتْ تصلح…
-ههههه، تذكرة أخرى… لماذا؟ لا داعي… اركبي بتلك التّذكرة… منْ سيتفطّن لك…

لا، مستحيل… لا أفعل هذه الحركات.. حرام عليّ من جهة… وهذه تعتبر سرقة من جهة ثانية…
-لا عليك… لو اعترضك مراقب التّذاكر قولي له أنّك أخطأتِ وفي عجلة منْ أمرك… سمّ باسم الله وتوكّلي على الله…
-لا يا أختي لو كلّ واحد يصنع مثل هذا الصّنيع فإنّ شركة النّقل ستفلس والبلاد ستبرك … يكفي أنّنا نعاني الفقر والبطالة والجوع والغلاء… حرام يا أختي وأنا لا أتعمّد الحرام .. بالله من أين سيدفعون رواتب الموظّفين؟ من أين سيأتون بالمال… لا… لا مستحيل… أنا لا أفعل هذا ولن أفعل.. وأبدا أفعلها…

هههه ما أطيبك أيّتها السّيدة، لو يوجد منك خمسين في تونس قولي عشرة فقط… سنصبح في نعيم وتصبح تونس بخير وعافية… إنّ ما تقولينه لا وجود له ولا وجود لأشخاص مثلك… هل الحكومة توقّفتْ على ثمن تذكرتك… أنتِ مستعجلة يا أختي وليستْ في نيّتك الاختلاس… هيّا انزلي الآن في هذه المحطّة واصعدي أوّل ميترو يأتي من الاتّجاه المعاكس حتّى لا تضيّعي الوقت…
-هكذا تريْن؟ والله عندك حقّ… لقدْ تأخّرتُ وابني بلا شكّ في انتظاري… ها هو يتّصل بي ويطلبني بالهاتف… سأفعل كما نصحتني… نهارك زين أختي وربّي معاك…
شكرا أختي ونهارك زين وعين…
يا توانسه… عشرة من أمثالكنّ… يا نساء ليس خمسين… وتونس تبقى بألف خير…
شكرا لضمير المواطنة …احصدي يا تونس الشّوك … مادمت لم تغرسي الورد…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*