الهدرة الثّامنة عشرة: وإذا الموؤودة سئلتْ …بقلم الكاتبة سونيا عبد اللطيف من تونس.

كنتُ أمشي في بهو المدرسة وأتّجه نحو السّاحة، وكانتْ تقف قبالتي متّكئة على الباب لمحتني فظلّت تراقبني… حين اقتربتُ منها ابتسمتْ فابتسمتُ… هكذا كنتُ أفعل وهذه عادتي أبتسم لمن يبتسم لي.. أحدّث نفسي ربّما ذلك الشخص أعرفه ويعرفني لكنّني نسيته بسبب ذاكرتي المثقوبة فإذا لا أبتسم له ربّما يلحقني اللّوم والعتاب، فابتسمي يا سونيا فالابتسامة في وجه الآخرين صدقة… فابسمت لها ثم تجاوزتها وانصرفتُ لقضاء شأن لي…
حين عدتُ وجدتها غيّرتْ وجهتها وصارتْ تقف من الجانب الآخر كيْ تظلّ قبالتي وكأنّها كانتْ ترقبني وتنتظرني… اقتربتُ منها… ابتسمتْ… ابتسمتُ… ومشيْتُ… فجأة قالتْ :
-صباح الخير سيّدتي… أنتِ معلّمة ابنتي…
-ابنتك؟ ومن تكون؟
-لينا… ألا تعرفينها؟ هي سمراء وبجسم ضامر، قصيرة ونحيلة… ألم تتعرّفي إليها؟ لقد حضرتْ لك في نادي الأدب السنة الماضية وشاركتْ بقراءة قصيدة لأبي القاسم الشابي…

أعتذر منك والله فنحن مازلنا في بداية الموسم الدّراسي ومازلتُ لم أحفظْ الوجوه والأسماء…

ابنتي ممتازة تحبّ اللّغة العربيّة ومولعة جدّا بها وهي شغوفة بالمطالعة…

يسعدني سماع ذلك سيّدتي، لابدّ أنّك مثل ابنتك…

يا حسرتاه… كنتُ أكتب الخواطر وأرسم …

وما الذي تغيّر؟ هل أنتِ تعملين في ميدان التّعليم؟
-لا … لكنّ شهادتي باكالوريا آداب وبعدها تكوّنت في الفنّ التّشكيلي وشاركت في عدة مناسبات برسوم ولوحاتٍ لي… لكنّني منذ تزوّجت فارقت العالم وانزويتُ…

ولماذا؟ هل يوجد مشكل معيّن؟ هيّا عودي وارجعي سيّدتي إلى هوايتك ومرحبا بك…

لقد كرهت كل شيء وفقدت الأمل وما عادتْ لي رغبة في شيء…

لماذا هذا اليأس يا مادام؟

زوجي صعب جدّا وأنا أعاني منه المرّ فهو لا يريدني أنْ أفعل شيئا… وظيفتي هي مرافقة أبنائي إلى المدرسة والطّبخ والتّنظيف…

وهل أنتِ راضية؟

لا… فهو عنيف ويضربني… باستمرار… في إحدى المرّات أردتُ مجادلته في موضوع فضربني على رأسي بلكمة لزمتُ بعدها المستشفى مدّة شهرين كاملين ولديّ ملفّ مسجّل في الموضوع هنالك…

نعم …؟ ولم تصنعي شيئا؟ ألم تقدّمي بشكوى ضدّه؟

في المستشفى سجّلوا حالتي بعد معاينتها وبلّغوا الشّرطة بالمشكل وكان سيحاسب لكنّ أصدقاءه توسّلوا إليّ وقالوا أنّهم سيتولّون الأمر وأنّه يعاني من أزمة نفسيّة وسيجعلونه يخضع للعلاج النّفسي ولكن بعد أن سامحته صار عفريتا أكثر…

وما رأي أهلك؟ أين هم؟

أنا من عائلة متواضعة وزوجي رجل أعمال جزائري الجنسيّة كان يشتغل في ألمانيا لكن بعد الثّورة لم يسافرْ ولم يرجع ونادرا ما يذهب إلى الجزائر فهو يتواصل مع الشّركات عبر الانترنات…

تزوّجتما عن حبّ أليس كذلك؟

ههههه عن حبّ؟ لم أعرفه من قبل في حياتي فهو قد رآني في الشارع أمشي… أعجبته فتبعني حتى باب بيتنا وطلب يدي من عائلتي وتمّتْ الصّفقة… هو يكبرني بثلاثين سنة…

يا إلاهي… هل حقّا ما تقولين… وهل أنتِ مجنونة… على الأقلّ هل أنتِ سعيدة؟

ما عرفت السّعادة يوما ولا أعرفها ولا أريد أن أعرفها… يكفي أن ينفق على أبنائي الثلاثة ويحقّق لهم مستقبلهم فأنا ما عندي شيء أعطيهم إيّاه أو أقدّمه لهم يكفي أن أعيش لأجلهم فحياتي ما عاد لها معنى..

أمرك عجيب يا فتاة… أنتِ مازلت شابّة…

عمري اثنان وثلاثين…
وبعدما حدث ما حدث وسامحته وتنازلت عن حقّي ألزمني على إمضاء عقود في البلديّة بعد أن وعدني أنّه سيتغيّر وتصوّرت أنّه تاب وأنّه لن يعنّفني ولن يعرّضني إلى المذلّة ثانية…
وكان ما كان فقد أمضيت له توكيلا في البلديّة تنازلت فيه عن كلّ حقوقي وكلّ ما نملكه أصبح تحت تصرفه… أمضيتُ له خمسة عقود لمدّة خمسة عشر سنة… قلت ليأخذ عمري كلّه فأنا مستعدّة أن أمضي له عن بقيّة حياتي شرط أن يتركني أعيش مع أطفالي في أمان…

وكيف هي حياتك الآن… هل فعلا تاب ورجع له شاهد العقل…

مع الأسف… زاد… وازددتُ تشاؤما بالحياة… أنا بالنّسبة له حشرة أو حيوان.. هو نرجسيّ جدّا ومريض… كلّ واحد منّا يعيش في غرفة لحاله… وكان لا يتواصل مع أبنائه… هاتان السنتان الأخيرتان أصبح أفضل.. صار يلعب معهم قليلا ويتحدّث إليهم من حين لآخر…

وكيف كانتْ علاقتك به في البداية؟ هل كانت بينكما مودّة؟

أبدا… فمنذ زواجنا يكاد لا يقربني أو يلمسني… لا ينام معي…. حاولت… لكنّه كان يطردني من غرفته…

كيف أنجبت منه الأبناء إذن لقد دوّختني يا امرأة…

كان قبل الثّورة يأتي مرّة في السّنة وإثر كلّ زيارة أحمل منه… قال لي أنّه فعل ذلك أوّلا من أجل الأبناء لأنّ في سلالتهم لا ينجبون واسم عائلته مهدّد بالانقراض ولأنّ أخاه قال له إنّ في الدّين والشّرع حرام عليه ألاّ يضاجع زوجته ويعطيها حقّها في الفراش وهي تحت ذمّته… الآن قال أنّ لديه ثلاثة أبناء… انتهى الفراش…
-هل حاولتِ معه… هل تقرّبت منه… هل… وهل…؟

حاولتُ وفعلتُ كلّ شيء… لكنّه كان يرفض بشدّة… لقد تأقلمتُ… مضى علينا الآن أكثر من ستّ سنواتٍ كلّ واحد على حدة…

لماذا لا تطلبين الطّلاق مادامت الحلول مستعصية وأنتِ لستِ سعيدة…

وعلى ماذا سأحصل؟ وأين وكيف سأعيش؟ ومن سيكفل أبنائي؟ لا أبحث عن شيء؟ ما عادتْ لي رغبة في شيء وقدْ أمضيتُ له على كلّ شيء… ثمّ إنّ ابني الذي أنجبته بعد أختيه شفع لي قليلا… لأنّ حلمه قبل ذلك أن يكون له ذكر يخلّد اسمه ولقبه…
أعتذر منك يا مادام… لابدّ أنْ أتركك لقد تأخرتُ ولابدّ أنّ السيّد زوجي في انتظاري فأنا أخرج في الوقت وأعود في الوقت…. فقط لأوصل أبنائي إلى المدرسة ولأنتظرهم وقت العودة….
وإذا الموؤودة سئلتْ بأيّ ذنب قتلتْ…
ويحدث في بلاد الحريّات مثل هذه الغرائب والعجائب وأكثر… يحدث مثل هذا في بلاد حقّقتْ فيه المرأة ما أرادت افتكّتْ حريّتها صارت لها شخصيّتها، فرضت المساواة في الحقوق في كلّ شيء مع الرّجل حتّى مسألة الميراث طالبت أن يكون حظّها مساويا لحظّ الرّجل ولا كما قال االشّرع… أليس كذلك…؟
ويحدث في بلاد الحريّات…. الشّعارات الكاذبة… لأنّنا مازلنا نعيش في مجتمع ذكوريّ يهيمن فيه الرّجل وتحتقر وتهان فيه الأنثى وتمنع من التّحدّث عن نفسها وعن مشاكلها تخجل من طلب الطّلاق لأنه عيب ولأنّ العادات تفرض نفسها في كثير من المواقف فتكون حاضرة بقوّة…

One Reply to “الهدرة الثّامنة عشرة: وإذا الموؤودة سئلتْ …بقلم الكاتبة سونيا عبد اللطيف من تونس.”

  1. هدرة مؤسفة لكن موجودة بكثرة في مجتمعاتنا…محادثتك مع السيدة جميلة الشهل الممتنع…تصلح سكاتش مؤثر و مثير مع بعض التعديلات المسرحية…برlفو bravo…واصلي صديقتي….
    تعرضت لاكثر من حالة يقسم للاستعجالي
    حين كنت اباشر عملي بمستشفى ( معهد للاعصاب)…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*