المسافة إلى المستقبل: راهن الفكر ومأزق المصير بقلم الكاتب عاطف بن عبد القادرمن تونس.

تمرّ الشعوب والمجتمعات في هذا العصر الذي نحيا تحت ظلاله عامة وخلال هذه السنوات الأخيرة خاصة، بمرحلة هجينة تحمل في طياتها متغيرات عميقة مسّت كافة جوانب الحياة اليومية سيّما مع زخم التطورات العلمية والتكنولوجية في ميدان تقنيات الاتصال والاعلام التي سبقتها سلفا وتزامنت معها وستلحقها في قادم الزمن بل وصلت حدّ المساعدة على حدوثها وتفاقمها في أغلب الحالات. وقد دخلت البشرية مرحلة أخرى من تاريخها متسمة بمتغيرات جديدة وسريعة في العلم والتكنولوجيا الذي أضحى سلاحا ذو حدين أيقضنا على أزمة عالمية لا مثيل لها إطلاقا.

إنّ لكلّ مرحلة تاريخية في الزمن قضاياها الفكرية ومعاركها السياسية وأزماتها الاقتصادية والاجتماعية، واليوم هاهنا نحن نتحدث عن حقبة صحية طالت البشرية جمعاء دون استثناء وتمييز. ها نحن الآن نرصد ملحمة الدولة والشعب حول ثنائية جدلية بين الحفاظ على صحة اقتصاد البلاد ضمن نطاق العولمة وإكراهاتها من جهة وبين الحفاظ على صحة العباد وسط حالة متردية لوضعية الكائن من جهة أخرى.

ولا غرابة أن يقتحم عام 2020 كتب التاريخ كعام كشف عن المستور وراء أقنعة التقدم والرقي بتداعي منظومة الصحة الشاملة على الصعيد العالمي ” macrosystème ” وتسليط الضوء على العيوب الكامنة فيه وكيف خلّف الوباء معادلاته الغير المسبوقة وتداعياته الصارخة وأرقامه الرهيبة على شاشاتنا.

سوف لن نتحدث عن الأمور الطبية والأنظمة الصحية والمآلات البشرية اللاحقة فلقد استنزفت الكثير من الحبر والأوراق هذه الأيام، وإنما سنطرح إلى حين مسألة كبيرة شغلت أذهان النخبة والجمهور على حدّ السواء حول مدلول قضية التخلف ومواجهة الغزو الثقافي خلال القرن الواحد والعشرين المتسم بالانفجار المعلوماتي.

نحن في العالم العربي الإسلامي وأنت تدرك عزيزي القارئ تمام الادراك أننا نعترف بتنوع رؤى الانفتاح في هذا العالم التعدديّ، غير أننا نعيش تخلفا فكريا يمنعنا في الحقيقة من فهم واقعنا المعيش ومن رؤية مختلف المخاطر التي تحدق بنا من كلّ جانب ومن مواجهة الصعوبات في متعدد المستويات. وما يزيد من استغرابنا أننا نحاول نتكيّف معها أو بالأحرى والانسجام معها على نحو سلبي مستسلم.

يجب أن نتذكّر خاصة، بأنّ الناس منذ خمسين سنة أو أكثر وهم يستمعون إلى بعض الساسة ويصغون إلى الإعلاميين والمفكرين من يقول ويردد: ” إننا نمرّ بمرحلة صعبة دقيقة وحاسمة وسوف نتخطاها سويا ونعبر إلى برّ الأمان وطريق الخلاص .. “، واليوم هم كذلك وأكثر من ذي قبل يسمعون الكلام المتردد نفسه ولكن بوجوه مغايرة في مجتمع يسري عيهم ينبع منهم ويعود إليهم. فما الجديد إذن !؟

ما أشبه أزماتنا ومشاكلنا بالأمراض المزمنة تعاقب عليها أجيال بعد أجيال ولا مناص من التخلص منها بل نتعايش معها ونتركها ليصارعها من هو بعدنا، ولكن الأهم اليوم ليس في وجود المرض في حدّ ذاته وإنما إحساس الناس وشعورهم بأنّ هناك مرضا خطيرا يجب معالجته جماعيا دونما أنانية وانتهازية كالأوبئة التي هي ليست حكرا على نخبة أو غير نخبة أو غنيّ أو فقير … هي امتداد للإنسان كافة.

لا ينبغي علينا أن نكون كلنا مفكرين مصلحين بل حري بنا أن نخرج من الوعي الملابس لنا وأن نكون واعين مدركين لمستجدات الواقع عارفين لكيفيات الاشتغال والنجاة الجماعي، فالطبيب المختصّ شخّص المرض وتعرّف على الداء وتعامل مع الجسد المريض ثم اقترح الدواء ودعا إلى المعالجة المناسبة، إلا أنّ الكثير من ” الأبطال ” مهملون أو بالكاد يحذرون من التعامل مع شيء هو من صناعة ” إرهاب المعرفة القاتلة ” المتقنّع خلف الخطأ البشري.

بطبيعة الحال، توجّب على الدوّل (العظيمة أغلبها) حتمية العزلة لتحصين الداخل جيدا من كلّ عدوان خارجي بنشر الوعي والتحسيس للحال والمآل لأنهما يظلّان العامل الحاسم والأساسي لمجابهة الضغوطات الحينية.

وعلى أيّ حال، فالتفكير السطحي موجود في كلّ أنحاء العالم وهو حقيقة سمة من سمات العقل البشري لا يمكن إنكاره البتة، إلاّ أن الوعي الجمعي يبقى في حد ما من المسؤولية المنوطة على الشعب في الأزمنة الصعبة الهشة. ولكن لا يمكن فعليا نشر المفاهيم العلمية والمعقدة والراقية أحيانا في مجتمعات تبلغ نسبة الأمية فيها 30% أو ما يقارب، وهنا يمكن التحدث عن الانسان الأمي كالذي تحصّل على شهادة علمية متوسطة ثم هجر الكتب والمطالعة منذ زمن بعيد، هذا الانسان الذي يفكر ويتأمل على نحو سطحي بسيط لأنه لم يتعوّد التبصّر بواسطة الكتابة وعبر استخدام الورق والقلم والقراءة حول المشكلة التي يرغب في الحصول على حلّ لها أو نية تفريع طياتها.

وعلى كلّ حال، فتحسين فهمنا لعمل العقل مرتبط بمسار تحسين المستوى المعرفي لدينا، ولا ريب أنّ الخطوة الأولى تتمثل في توضيح الجهل والفقر الفكري الذي نعاني منه منذ عقود غابرة على صعيد فهمنا لذواتنا وأدوارنا وإنجازاتنا.

وما أشد تخوفنا حين مُضينا اللاواعي في رواسب الماضي والاقتناع الراضخ للمعتقدات القديمة والتقاليد البالية والأحكام المسبقة التي تجاوزتها الأحداث دون سعي حثيث نحو البحث والاكتشاف للحقائق والتعرف الذاتي لزيف المغالطات والتلاعب بالعقول والمعقول.

وفي هذا الصدد، يمكننا استحضار مقولة دقيقة جدا لواقعنا: ” لا مشكلات دون معرفة “. لقد تعددت مصادر المعرفة ومراجع المعلومات، إذ ليست المعلومة حكرا لأحد وإنما متاحة للجميع أكثر من أيّ وقت مضى داخل أسوار المدرسة والجامعة وخارجهما، تصفّح .. اقرأ .. طالع .. تعلّم بمفردك فأنت تستطيع ذلك بسهولة، واعلم عزيزي القارئ حتى وإن لم تصل إلى قراءة حدود هذه الأسطر بأنه في الآونة الأخيرة حصل اهتمام واسع لتسخير التكنولوجيا المحمولة لأغراض التعلّم في أي وقت وفي أي مكان من هواتف محمولة وحواسيب لوحية ذكية … رواج بعد رواج هو كسب ثمين وإثراء بناء عليك التحكم فيه إيجابيا.

وفي الختام، لا تجعل العيب فيك وتبقى جاهلا في عصر رميت فيه المعرفة من كلّ صوب حذوك، وتذكّر أنّ تعلم الانسان عملية مستمرة باستمراره لذلك تعتبر المعرفة واحدة من القيم العليا، فاللهم زدنا علما إنك أنت العليم. ألم يقل تعالى في محكم التنزيل:

﴿ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعملون ﴾.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*