القصيدَةُ تلك الغَيمةُ ،بَحرًا سَابِحًا في الفَضَاءِ للشَّاعرة راشيل الشِّدياق في ديونها ” يَومَ رَاقَصَنِي المَطَرُ ” دراسة بقلم الشاعر ميشال سعادة من لبنان.

1 _ مقدِّمة :

         ليسَ هُناك أيُّ أَدنَى شَكٍّ في أنَّ العِلمَ لا يَقفُ عند حَدٍّ . إنه يتجاوز ذاتَه باستمرار ، كما أنَّ الأدبَ يُكثِّفُ دلالاتِهِ من

خلالِ لانهائيَّةِ القراءةِ والمُقارباتِ ، ذلك لأننا نحلُمُ . وهذا الإنسانُ الذي رُمِيَ في هذا العالَمِ ، يحيا أبدًا ، بين التفكير والحُلمِ ، كأنه يعملُ دائِمًا ، على إشباعِ وسدِّ الفراغِ من خلالِ ثٍنائِيَّاتٍ منها :

       الوُجُودُ / العَدَمُ ، الجَسَدُ / الرُّوحُ

        والمَوتُ / الحَيَاةُ .

     غير أنَّ هذه الثُّنائياتِ جميعَها ممكناتٌ لُغوِيَّةٌ . الموتُ يصيرُ حياةً ، والحياةُ تغدو موتًا عندُ أيِّ فكرةٍ سوداويَّةٍ تلوحُ .

      الحُلمُ فكرةٌ ، والفكرُ حُلمٌ . نفكِّرُ لأننا نحلُمُ ، ونحلُمُ لأننا نُفكِّرُ . نحلُمُ باللٍّغةِ ، ونُفكِّرُ في ، وباللُّغةِ . ما يعني أنَّ العلاقةَ بين الحُلمِ والفكرِ علاقةٌ بديهيَّةٌ ، إنطلاقًا من فرضيَّةِ أنَّ الإنسانَ كائنٌ لُغويٌّ بامتياز .

      هو الحُلمُ يكشِفُ ويتجاوزُ . وهذا الإنسانُ الحالِمُ ليسَ إنسانًا يُزعجُ غفوةَ

هذا الوجودِ . هو الإنسانُ بخيالهِ ، يُصالِحُ

بين الحُلمِ والفكرِ . وعليه ، فقد استنبط

باشلار G. Bachellard الكوجيتو الحالِمَ

في مُقابلِ الكوجيتو المفكِّر عند ديكارت Descarts . ما يعني أن الإنسانَ الشاعرَ الحالِمَ ، بحُلمهِ المُتَدفِّقِ يُعاينُ تدفُّقًا للقصيدةِ ، من خلالِ تلهُّفِهِ للصُّورِ الشعريَّةِ.

وقد يكونُ الحُلمُ أفضلَ علاجٍ لأوجاعِ الأرضِ . لذا ، يُطرَحُ السُّؤَالُ : كيف عالجت

الشَّاعرةُ الحَالِمةُ راشيل الشِّدياق أحلامَها وهواجِسَها في ديوانها الأخير ” يومَ رَاقصَنِي المَطَرُ ” ؟ وهل من إضافاتٍ جديدةٍ على صعيدِ اللُّغةِ والصُّورةِ والكتابةِ ؟

  2 _ نافِذةٌ على الدِّيوَان :

     هَكذا ، وفيما انا على عَتبةِ الدُّخولِ الى عالمِها الشِّعريِّ ، أرى اليها قارئةً ، كاتبةً وشاعرةً ، قد نَسجَت عالمَها المُتخيِّلَ بما تملكُ من خزانةٍ ثقافيَّةٍ ، إنطلاقًا من أنَّ العالَمَ بالنِّسبةِ لها ، ليس تَمثُّلًا ، بقَدْرِ ما هو

رغبةٌ . إنها شاعرةٌ تحلُمُ قبل أن تُفكِّرَ . وهي تُؤكِّدُ أولويَّةَ الخيالِ ، على كلِّ شيءٍ عداهُ ، في عمليَّةِ الإبداع . آمنت أنَّ القَصيدَةَ ، ليست مُجَرَّدَ استِراحةٍ من عناءِ الكتابةِ . إنها ، لعَمري ، ممارسةٌ مشروعةٌ ، معرفيَّةٌ وضروريَّةٌ ، لتأسيسِ روافدِ الفكرِ الجديدِ الذي نحلُمُ بهِ جميعًا . وقد رأت الى الكتابةِ مَزيجًا من التَّأمُّلِ الصُّوفيِّ ، والرَّصدِ الإستِكشافيِّ لحياةِ العلامات . فالكتابةُ ، بمعنٌى ما ، هي احتفاءٌ بالزَّمَنِ ، ومحاولةٌ لاكتشافِ الأشياءِ والذَّاتِ ، وسَعيٌ دؤُوبٌ لبناءِ العالَمِ بناءً جديدًا .

فالشاعرةُ راشيل تقدِّمُ الوَجهَ المُجَسَّدَ للحياةِ ، وتتجاوزُ اللَّحظةَ العَرَضيَّةَ الزَّائلةَ كي تَلِجَ الكونِيَّ والعامَ ، وتكونُ الغايةُ في ما لا يقولٍهُ النَصُّ الذي هو أوسعُ وأشملُ من قَصديَّاتِ المُؤلِّف .  وقد يكونُ ما يراهُ القارئُ غيرَ مُدرَجٍ في هذه القصديَّةِ . هذا ، لأنَّ التَّأويلَ ” L’herméneutique ” ليس من شأنِ المُبدعِ ، بقَدْرِ ما هو من شأنِ القارئ . والتَّأويلُ هو ، أوَّلًا وأخيرًا ، تأويلٌ للذَّاتِ ، والذَّاتُ هي هذهِ المِرآةُ الكاشفةُ للنَصِّ في عملياتِ القراءةِ ، والفهمِ والتَّأويلِ . وتأويلُ الذَّاتِ سابقٌ على تأويلِ الموضوعِ ، نصًّا ، علامةً وحَدَثًا . وكذا معرفةُ الذاتِ سابقةٌ على معرفةِ الغَيرِ . فمَن لا يعرفُ ذاتَهُ غيرُ قادرٍ إطلاقًا على معرفةِ غيرهِ . وإذا كانت غايتُنا ان نفهمَ ، فالفَهمُ هو الإنصاتُ ، وهو مُكوِّنُ الخطابِ

بعبارةِ هيدغر Heidegger  :

” Comprendre C’est toujours entendre . L’ ouir est conatutif du  discours . “

       وعلى هذا الأساس ، يلجأُ هيدغر الى الشُّعراءِ ، بوصفهم حُرَّاسَ الكلمةِ ، وهم أقدرُ الناس على سَماعِ نِداءِ اللُّغةِ/ لغةِ الوجودِ . أليستِ اللٍّغةُ هي التي تحمِلُ همومَ الشَّاعِرِ ، وتُعبِّرُ عن أحلامهِ وأفراحِهِ وأحزانهِ ؟

     أمَّا بعدُ ، فقد كان لي هذا كلُّهُ لأنني أواجهُ ديوانَ الشاعرةِ راشيل الشدياق

” يومَ راقصني المَطرُ ” ، ( دار الجيل ، طبعة اولى ، بيروت ، 2015 ) ، وقد وقَّعَتهُ في حضورِ حَشدٍ من الشُّعراءِ والفنانين والأهل ، بمناسبةِ انعقاد المهرجان اللبناني للكتاب للعام 2015 ، من تنظيم الحركة الثقافية / إنطلياس ، الدورة 34 . وهو الديوان الثاني بعد ديوانها الأول ” عفوًا منكَ ” ( دار الجيل ، 2012 ) .

     لا أُخفي ، قرأتُ هذا الديوان أكثرَ

من مرَّةٍ ، وكان لي شرفُ الأطلاع على مُسَوَّدتهِ . وقد رأيتُ إليه فتحًا جديدًا يُضافُ الى ديوانها الأول .

     وَقفتُ في حضرتهِ وُقوفًا مُتهيِّبًا ، شأني شأنُ مَن يَقفُ أمامَ أيِّ نصٍّ فَنيٍّ ، جُلُّ مَسعَايَ ينصبُّ عليه كشفًا واكتِشافًا ،

وأكادُ أقولُ ، تجاوزًا . ولا أُخفي أيضًا ، أنِّي أتَهيِّبُ الدُّخولَ ، باعتبارِ النصِّ ، أيِّ

نصٍّ ، يُشكِّلُ بِناءً ، عَمارةً وبيتًا . وعليهِ ،

فإنَّ للدِّيوانِ / البيتِ عتباتٍ منها :

عَتبةُ العنوان ، عَتبةُ الغلافِ ، عتبةُ الإهداءِ

وعتبةُ الشُّكرِ . هذه العتباتُ تتعدَّدُ أيضًا ،

ومنها :

      القصديَّةُ ، العفويَّةُ ، وعتباتٌ شارحةٌ      وتنبيهيَّة . وثمَّةَ عتباتٌ إخراجيةٌ ( ديكوريَّة ) ، وأخرى جماليَّة .

     أما عَتَبَةُ العنوانِ فلها من الأهميَّةِ ما يفوقُ ، ربَّما العتباتِ الأُخرى . ذلك لأنَّ العنوانَ يمُدُّنا بزادٍ ثمينٍ يُسهِمُ في تفكيكِ النصِّ ، ودراسته ، ويقدِّمُ لنا معونةً كبرى لضبطِ انسجامِ النصِّ ، وفهمِ ما غَمُضَ منه . إنه المحورُ الذي يتوالدُ ويتنامى ، ويُعيدُ إنتاجَ نفسِهِ . وهو الذي يُحدِّدُ هويَّةَ الديوانِ الشِّعريِّ ، أو هويةَ القصائدِ . إنه بمثابةِ الرَّأسِ للجَسَدِ .

     ” يومَ رَاقَصنِي المَطَرُ “

       عُنوَانٌ قِوامُهُ ثلاثُ كلماتٍ تُشيرُ الأولى الى زمنٍ مضى ، والثانية فعلٌ

ماضٍ في صيغةِ ” فاعلَ ” للمطاوعة ،

وقد تعدَّى مباشرةً بضميرِ ” الياءِ ” للمتكلِّم ( مفعول بهِ ) ، العائد للشاعرةِ الغائبةِ / الحاضرةِ . أما الكلمةُ الثالثة فهي ” المَطَر ” عنصرُ الإخصابِ الذي يمنحُ الإنسانَ والموجوداتِ كافةً ، ديمومةً وبقاءً ، ما يجعلُ الأرضَ حدائقَ زينةٍ . و ” المَطَرُ ” كونهُ مذكرًا لفظًا ، يرمزُ الى الرجلِ / شريكِ المرأةِ ، الأرضِ والأمومةِ . ولا ننسى ان فضاءَ العنوانِ مشحونٌ بالرقصِ .

     أما بالعودةِ إلى الغلافِ فهو ، في صفحتهِ الأولى ، يُمثِّلُ لوحة ” Poem at Twilight ” التي تعود للفنانةِ التشكيلية الرومانية ” دورينا كوستراس ” . هذي اللوحةُ ذاتُ بُعدٍ سِيميَائيٍّ ، تقدِّمٍ لنا سيدةً وقورًا حملت باقاتٍ من الوردِ ، وأحنتِ الرأسَ تواضعًا واحترامًا ، ما يٍملي على المُشاهدِ / القارئِ حالةَ كِبَرٍ شريف . ولا يَخفَى أنَّ الفنَّان علي الحاج حسن الذي

صمَّم الغِلافَ ، وبرِضَى الشَّاعرة ، جعل الألوانَ الزَّاهيةَ تتقدَّمُ السَيِّدَةَ ، على أنَّ اللَّون الأسودَ احتلَّ حَيِّزَ ما وراءها ، ما يعني أنَّ المرحلةَ/المأساةَ قد تجاوزتها السَيِّدةُ إلى غير رجعةٍ .  وها هي بالوردِ تبادرُ الآخَرَ حُبًّا عَطِرًا لا يقلُّ شذاهُ عن شذا الوردِ . أما اللافتُ فتلك الإشاراتُ/الخطوطُ المُنحَنيةُ التي في اتجاهها العامودي ، فصلت بين الألوانِ ، وشكَّلت على أطرافِها دَوائِرَ مفتوحةً ، ما يعني أنَّ الشَّاعرةَ ، في مرحلتها الآنية ، خرجت من

حالِ الشَّرنقةِ ، الى حال الإنفتاحِ على الآخَرِ ، تقول :

               ” مُذ أنتَ

                  بِتُّ أنا

                  عِشتُ أنا

                  أحبَبتُ أنا . “

                 (الديوان ، ص 156)

والذي يلفتُ الإنتباهَ ، أكثرَ فأكثرَ ، هو العنوان ” حِينَ رَاقَصَنِي المَطَرُ ” الذي احتلَّ مساحةَ ما بين الخطوط العاموديَّة ، وانحدرَ في اتجاه من فوق الى أسفل ، ما يعني انَّ المطرَ في حالِ هبوطٍ وانهمار . هذا ، وقد استوى إسمُ الشاعرة مُنحنيًا في نصف دائرةٍ توَّجتها كلمةُ ” شِعر ” ، إشارةً واضحةً الى مَنحى الديوان .

     أما ظهرُ الغلافِ فقد علَتهُ صورةُ الشاعرة مُضيئةً ومنيرةً ، وعنوانًا

لقصيدة / زهرة ياسمين خدعتها ” الرِّيحُ “

فأوقعتها عُنوةً ، وأُغرِمَ ” المَطرُ ” .

     تقولُ :

  ” وباتت مسافرةً / الغيمُ مُرتعُها /

    والأرضُ / جنينُ أحلامِها ” .

    ثُمَّ احتلّت عَتبةُ الإهداءِ مساحةَ شُكرٍ

لوالدَيها ، يضجُّ بالحنينِ الى أمِّها والى والدها .

  ” حنينٌ قاتلٌ يغدرُ بي / يَذبَحُنِي /

    يحملُني إليكم / الى مشارفِ بيتنا /

    أركضُ نحوكم / أناجيكم / وأستفيقُ “

                    (الديوان ، ص 18/19 )

     أما عتبةٍ الشُّكرِ فهي غير موجودة شكلًا ، لكنها مُثبتَةٌ  مضمونًا ، من حيثُ الإشارَةُ الصريحةُ الى مَن دقَّق في الديوان ، ومن صمَّمَ الغلافَ . أما في ما يعود الى العتبات الأخرى التي منها : القصديَّة ، العفويَّة ، الديكوريَّة والتنبيهيَّة ، فسيأتي الكلامُ عليها ، حين اتناولُ المضمون ، شكلًا وتفصيلًا .

    يبقى ان أشيرَ الى أنّ الديوان شمل قسمين : الأول تيمتُهُ الحُبُّ ، والثاني وطنياتٌ تشتعلُ إذ تعود الساعرةُ بالإكبار الى أطفالِ ” غزة ” (ص 183 ) ، والى موتِ ” مفتاح / الجزائر ” ( ص 199 ).

ولم تنسَ تلك الصَّرخاتِ المُدويَّة :

    ” وَاترُكنا يا عيدُ / أركنا / نُلملمٍ الكِبَرْ/

       من فلسطين / من سورية / من

       مِصرَ / من تونسَ / من ليبيا / من

       لبنان / من حيثُ العُربُ عَبَرْ “

                          ( الديون ص 198 )

     ثُمَّ تشير الشاعرة الى نبذةٍ عن حياتها ،

ذيَّلتها بموقعها الخاص ، مع بريدها الإلكتروني .

     قدَّم للديوان الدكتور طارق الشِّدياق ، رئيس لجنة جبران خليل جبران الوطنية

الذي قاربَ القصائدَ بوجدانيَّةٍ مميزة تضيءُ ، وتهدي القارئَ ، وتكشفُ له سِرَّ أبداع الشَّاعرة راشيل .

    نقرأ قصائدَها ( في الحبِّ 64 قصيدة

وثماني قصائد في الوطنيات ) ، يتشابكُ الحُلمُ بالواقعِ ، والمخيلة والمادة . نحاولُ القبضَ على الخيال بقبلةٍ تَفَتَّحُ قُبَلًا تموجُ

على شواطئِ الوجهِ ، وعلى بِركةِ ماءٍ / كلامٍ معسولٍ  ، هي هذا الفمُ / مفتاحُ بابِ الكونِ .

     ” خمائلُ توَّشحتِ الهدوءَ بقبلةٍ /

        رُخاميَّةِ الصَّدى / ترانيمُها قمرٌ ،

        شُعاعٌ / بعضُ غناءْ / …. / جئتُكَ

        بها صمتَ سماءْ / فإذا الماضي

        عَرشٌ / وإذا التاجُ أنتَ / وإذا

        الحُبُّ على ثغرِ وجداني / لهفةُ

        كأسٍ / خَمرُ إباءْ ”           

                  ( الديوان ، ص 27 )

      نرى الى كلماتها تَنسَكِبُ دَفقَ نَبعٍ ،

تتعالى شَجرًا ، تلتفُّ الأغصانُ أسوارًا تَحمِي الجَسَدَ البَهيَّ . يغدو الشِّعرُ فِكرًا ،

والفكرُ يَصفُو شِعرًا ، ونسألُ : كيف لهذي اللُّغةِ العربيَّةِ تتفَجَّرُ طاقاتٍ  حتى لنكادَ

نَغرَقُ في طينِ معانيها وطينةِ الآخَرِ ؟

     الطينُ مادةُ الخَلقِ الأولى ، لكن لا بُدَّ

للطينِ من ذاتٍ فاعلةٍ ، ومبدعة . لا بُدَّ

من شاعرٍ يعجنُ خبزًا في أفرانِ العافيةِ ،

يكتب كلامًا في الحُبِّ ، وحُبًّا في تجاعيدِ الكلامِ ، كما النبعُ يُحيينا ، يعذبنا ،

ويشقينا ، ونعبرُ هذا العذابَ ، وإن على جُلجُثَةٍ صُلبنا ، وخلًّا سُقينا :

     ” لا تَكتفِ بالشَّوكِ / أين خَلُّكَ ؟ /

       أكمِلْ طقوسَ الصَّلبِ / فالجُلجثةُ

       انتِظارٌ / والسَّماءُ اكفِهرارٌ / وجندُكَ

       الهازئُ / يتقاسمُ ثوبي / يجتثُّ

       بالحَربةِ / بقيَّةَ حُبِّي . “

                           (د . ص ، 69/70 )

        ليس فضاءُ راشيل الشِّعريِّ مِرآةً

بمفهومها العاكسِ . إنه مواكبُ صُورٍ تُضافُ الى صُورِ الواقعِ ، وخيالٌ خيَّالٌ

يطوفُ فوقَ حديقةِ الحُبِّ ، يمسحُ بالندى

وجوهَ الزَّهرِ ، يُشعِلُ النارَ في الكيانِ ، فتغدو الذاتُ ضُمَّةُ طُهرٍ وطهارةٍ ، على أنَّ

النار ليست كنار الواقعِ ، ولا عواصفها هوجاءُ . نارُها واقعٌ آخَرُ . وكذا ماؤُها عَذبٌ ، سيَّالٌ ، وهواؤُها يُحرِّكُ أمواجَ بحرِ

الحُبِّ ، كأنَّ عواصفَ حُبِّها يُحرِّكها الإله

بوزيدون Poseidon ، يطلع من تربةِ لبنان ، واللغةُ ، بها ومعها ، تصيرُ نفسَها

بِقَدْرِ ما تخترقُ ، تتخطَّى وتتجاوزُ .

        إنَّ الشَّاعرة راشيل الشِّدياق شاعرةٌ خَلقًا وخُلُقًا ، تحَوُّلًا وتواصولًا داخلَ ذاتها .

تفوحُ أزاهرُ معانيها كما العطرُ ، وتصدحُ كما نغمٌ طالعٌ من القصبةِ الأولى التي انحنَت الى الماءِ لشربةٍ خوفًا من بُحَّةٍ .

ولا زلنا نسألُ عن سِرِّ العطرِ وأفيونِ النَّغمِ .

نظنُّ نصلُ ، لكن ، لا سِرُّها يُكشفُ ، ولا عطرها يَحبسُهُ إناءٌ . إنها كما الحُبُّ يقظةٌ تقذفنا خارجَ النُّعاسِ ، وحضورٌ بهِيٌّ يمحو الغياب . وأنه متى التقى عاشقان أزالا هذا ال ” ما بينهما ” ، فانتفتِ المسافةُ بِضَمِّ عناقٍ ، وامَّحى الزمنُ ، وزالت حدودُ المكانِ .

           هكذا ينتشرُ الحُبُّ في المخيِّلةِ ،

وعلى الورقِ يطفو حروفًا / أصواتًا / رموزًا / إيقاعاتٍ ، وتغفو الكلماتُ على معانيها ، وتستفيقُ حين أوَّلِ احتكاكٍ بفتنةِ العينِ / النَّظرِ ، أو البَصَرِ / البَصيرَةِ .

           هذا ، ونعرفُ أنَّ مَظهرَ الشعرِ قبلَ جوهرهِ ، يعينُ الوهجُ ، نؤخذُ به شكلًا ، ما يلبثُ أن يغيبَ حتى نسافرَ على مراكب

المعاني ، شُغلنا الشَّاغلُ هذا المعنى المائيُّ

بوصفه سيلًا زئبقيًّا يستحيلُ بالخيالِ صورًا كأنَّها الواقعُ أو حُلمٌ ينفلتُ من ثقلِ هذا الواقعِ ، ومن قبضتهِ ، أملًا وعزاءً .

ونسأل أيضًا ، كيف لهذا الواقعِ العينيِّ يصيرُ أثيريًّا حين الغوصِ في الجوهرِ ؟

أنَّى لماءِ المعاني يسيلُ في حركيَّةِ الموجِ ، وسيولةِ الزبدِ ؟ كيف لهذي اللغةِ الشدياقيَّة

يصطفُّ كلامُها مُمَوسقًا ، فلا انقباضٌ ، ولا تعثُّرٌ ، ولا تردُّدٌ ؟

           حرَّةٌ مثلُها لغتُها ، تأبى القيودَ والسلاسلَ . وكلما أنعمنا النظر فيها ، وبالعقلِ حاولنا عقلها ، أفلتت منا على

غُنجٍ ودَلٍّ ، تُوقِظنا من سُباتٍ عميق :

     ” سأشدو بكُ يا حُبُّ مع صمتِ

       القوافي / ولكَ أستعيرُ الكلامَ من

       دمعِ السواقي / حرِّةٌ صارخةٌ في

       دنياكَ أنا / سَلْ عن موطني تعرفْ

       مَن أنا .”

                                  (د. ص 24 )

         تُراني حين قرأتُ ” يومَ رَاقَصَنِي المَطَرُ ” ، راقصتُ ماءً فزادني عطشًا وانتشاءً ؟

        تُراني كلَّما ظهَّرتُ صورةً من صُوَرِ هذا الديوان ، في غرفتي السَّوداءِ ، تناسلَت صُوَرٌ ، ولم يبقَ لي غيرُ تيهٍ في بحرِ كلماتها والأشياء ؟

        أرى الى ماءِ قصائِدِها ، بوصفه رمزًا كيانيًّا ، في ساحةِ عناقٍ بين ما يجري ويمضي ، كأنَّهُ الأليفُ / الغريبُ أوِ الغائبُ / الحاضِرُ . كأنَّ هذا الماءَ هذا الوجودَ البدئيَّ ، إيقاعُ معانٍ وصورٍ ، يأخذُ دلالاتِهِ حين يقترنُ بمرايا العناصرِ ، ماءً نادرًا ، ترابًا وهواء . كأنَّ هذي الصُّورَ تموت ، وتحيا دلالاتٍ متواصلةً في ذاكرةٍ حيَّةٍ . كأنَّ لغتَها الشعريَّةَ هذي الهيدرا Hydra ، تلك الأسطورةُ الإغريقيَّةُ التي بسبعةِ رؤوسٍ ، ما زالت تُمارسُ سلطتَها الأسطوريَّةَ ، وما ان يُقطعَ رأسٌ منها حتى ينبتَ آخَرُ من جديدٍ . أسألُنِي : أنَّى لي قدرةُ هيرقلَ Heraclius قطعُ الرؤوسِ

جميعًا بضربةٍ واحدة ؟

     هذي الشاعرة راشيل تُنعشُ خيالَ قارئِها ، حتى لكأنَّ ربيعًا دائِمًا يَفترِشُ الوَرَقَ . تُحفِّزُ قِواهُ العقليَّةَ  والتَّخييليَّةَ ، فيَظُّنُّ ذاتَهُ يَسيرُ في مَوَاكبِ أزهارِ المعاني ، وهي التي تَحفُرُ أيضًا بمخيَّلتِها عُمقَ الأرضِ ، وسَعَةَ الفضاءِ ، وتكشِفُ ، بقوَّةِ الحُبِّ ، ما هو بَدئِيٌّ وسَرمدِيٌّ ،

وهي التي لها أن تتنزَّهَ في طبيعةِ الشمال

” رشعين ” ، من أعمال قضاء زغرتا ، تلمسُ بعطفٍ شُجَيراتِ الوردِ ، بتلاتِها ، فتَصيرُ البراعمُ وردًا وشذًا .

     راشيل شاعرةٌ جَمعُ داخِلِها ، وخارجِها،

مَشحونةٌ بالإيناسِ . تميِّزُ بين خيالٍ وآخَرَ ،

فتَبتَدِعُ وَفقَ منظورِ  غاستون باشلار

                                    G.Bachellard

الذي يقول :

     ” … خيالٌ يُولِّدُ العِلَّةَ الصٍّوريَّةَ ،

       وخيالٌ يُولِّدُ العِلَّةَ الماديَّةَ ، أو

       بِاختصارٍ شديدٍ ” الخيالُ الصُّوريُّ “

       ” والخيالُ الماديُّ . “

         إنَّ لخيالِ الشاعرة قدرةً على إفراغِ الماديَّةِ التي ، بدورها ، تَضمُّها الى أفراغٍ

نفسيٍّ ، داخليٍّ ، فتغدو الصُّورُ آنئِذٍ ، صورًا

خصوصيَّةً ، لها مدلولاتُها واستقلالُها. إنها ، لعَمري ، قدرةُ الخَلقِ المُتحوِّلِ والمُستَمِرِّ ،

المُتنوِّعِ والمُختلفِ . لذا ، فإن شعرَها يُزهِرُ

آنًا ، صورًا ذاتَ مَسحةٍ جريئةٍ ، غاضبةٍ ، وعاتبةٍ ، وآنًا ، صُورًا تبعثُ الغبطةَ ، والفرحَ

الى حَدِّ النَّشوةِ العارمة .

     ” لَكَ قلبٌ من حَجَرْ / يدَّعي الحُبَّ

       عِبَرْ / لن تُغضِبَنِي / لن أترجَّاكَ /

       إرحَلْ / أميرةٌ أنا / شَرقيَّةٌ أنا /

       وَهذا العنفوانُ السَّاطعُ أنا . “

                        (الديوان ، ص 23 )

     من هنا نفهمُ الملاحظة العميقة لِ جان بوسكيه Jean Bousquet :

       ” ما تُكلِّفٍهُ صورةُ الإنسانيَّةِ من

         العملِ يٍعادلُ ما تٍكلِّفُهُ خاصيَّةُ

         للنَّبتةِ . “

              إنَّ اللَّافِتَ في ديوانِها أنَّ لفظَ

” المطر” ومشتقاته ، يُشكِّلُ محورَ شعرها .

هذا لأنَّ عُنصرَ ” الماءِ ” أكثرُ أُنوثةً من عنصرٍ آخَرَ كالنارِ ، والهواءِ والتراب .

بالماءِ تزدادُ المناظرُ زينةً ، والإنسان يستأنسُ بعمقِ الماءِ ، لأنَّ فيهِ ثباتًا ، وصورًا تتعاظمُ . لذا ، يتأكَّدُ لنا ما ذهب إليه هيراقليطس Heraclitus ، بأن هذي

الحركةَ المائيَّةَ ، المحسوسةَ تزيدنا بأقدرِ قَدْرٍ من التعاطفِ والألمِ ، ف ” لا نستحِمُّ

في نَهرٍ مرَّتين ” .

     إن الماءَ حقًّا ، هو العُنصرُ الإنتقاليُّ .

إنه هذا التَّحَوُّلُ الكائِنيُّ “Ontologique”

والجوهريُّ ما بين النار والتراب .

           أقول :

                لانهائيٌّ عذابُ الماءِ

                قُلْ لشِعرِكَ أن يقولَ :

                ما أجملَ أن نرحلَ عبرَ الماءِ

      غُنِيٌّ خيالُ الشاعرة ، فهي تُبدعُ حياةً

جديدةً ما فوق الحياةِ العاديُّةِ ، وتبتدعُ روحًا جديدةً . وما الشِّعرُ سوى ناتجِ مَلَكَةِ

الإندهاشِ . لذا ، فإن الشعرَ الحقيقيَّ مُرتبِطٌ بالإيقاظِ ، ونحن محكومون بالإنصاتِ ” L’écoute ” .

     اللَّافتُ أن مَن يُفكِّكُ كلماتِها ، يجد أن شعرَها حميميٌّ ، والأحاسيسَ شَهوِيَّةٌ مٍصفَّاةٌ ، بمعنى أنها تبقى بمنأى من الإثارةِ

الإيروسيَّةِ الفجَّة . أحاسيسُها إذا ، عفويَّةٌ ،

وقويَّةٌ ، مُعبِّرةٌ وَمُوحيَةٌ . إنها ، في شعرها ، تنمُّ عن أخلاقيَّةٍ ساميةٍ ، تعتبرُ الفنَّ والحبَّ تحديدًا ، ليس ذا وقاحةٍ ، بل

هو مُجرَّدُ إثاراتٍ تُشيعُ الجمالَ ، والكتابةُ ، برأيها ، وجهٌ كارسميٌّ ، ووهجٌ شَعشاعٌ .

ولا يخفى أنها تُشيعُ فينا أيضًا ، رغبةَ الإمتلاءِ بعاطفةٍ رقراقةٍ ، ترقصُ على وجهِ الماءِ ، حتَّى لكأنَّ الشعرَ إغراءٌ ، وإغراقٌ من شدَّةِ الإغواءِ .

     ” هكذا كنتُ / رقصةَ نبيٍّ من عشقها

       غَنَّتْ / أزهرتْ في الأسطرِ مَبسِمَ

       خاطرَهْ / هكذا بتُّ / في قيلولةِ

       عِشقٍ ألبَسُكُ عطرًا / إخضرارَ عُشبٍ

       في تَشَقُّقِ خاصِرَهْ . “

                  (  الديوان ، ص 109 )

      يقولُ الحُبُّ :

                  خُذْ مجدَكَ أيُّها اللَّيلُ

                  فقد زرعتُ لكَ شمسَ النَّهار

                  كي تنهار !

            إذا كان عنصرُ الماءِ في شعرها أساسًا ، فأن الحُبَّ يبقى ذلك العنصرَ المُكوِّنَ الأساسيَّ والجوهريَّ . هو الحُبُّ إذا ، محورُ هذا الديوانِ . والحبُّ تجربةٌ ومشكلةٌ . إنه تجربةٌ كيانيَّةٌ ، وجوديَّة .

هذا ، وأن لحظةَ حُبٍّ واحدةٍ تختزلُ كيانَ

العاشقِ بكلِّيتِهِ . واذا تغذى الحبُّ قديمًا ، بالصدِّ ، فهو اليومَ ، في عصر الصورةِ ، يُمارَسُ على إيقاعٍِ سريعٍ ، ما يعني انَّ العواطفَ أصبحت مُتقلِّبةً ، والرغباتِ مُلتبسةً . لكن الشاعرةَ حافظت على ثباتٍ أخلاقيٍّ في حُبٍّ يُؤَوِّلُ الوُجُودَ . لذا رأت

انَّ خطابَ المرأةِ لا تكتبهُ إلا المرأةُ . فالمرأةُ برأيها ، ليست بُستانَ الرجلِ . إنها

الشَّريكةُ . هي ذاتُها كما هو ذاتُهُ ، ولكلٍّ منهما لغتُهُ الخاصة به . وإذا كان الإنسانُ كائِنًا لغويًّا ، فهو كائِنٌ عاشِقٌ . ومَن يعشَقْ

يُبحِرْ في مجازاتِ اللُّغةِ . من هنا كان الإفتتانُ بالكلماتِ ذاكَ الوجهَ الآخَرَ للإفتتانِ بالجمالِ . وكان الحبُّ ليُحدِّدَ حقيقةَ هذا الوجودِ الإنسانيِّ . و ” الحُبُّ علاقةٌ بالحقيقةِ ” بحسبِ  ميشال فوكو

Michel Foucault .

         هذا الحبُّ يُنتجُ المعرفةَ . والمعرفةُ لغةٌ بها نخلقُ العالَمَ . أما اللغةُ فليست سوى هذه المرأةِ العاصيةِ . واللغةُ جوهريَّةٌ لأنها حوارٌ . والحوارُ رأسُ هذا الوجودِ ، لأن الإنسانَ كائِنً مُمَزَّقٌ بين الأزمنةِ ، ماضيًا ، حاضرًا ومستقبلًا . والحوارُ كلامٌ ، والشِّعرُ تأسيسُ بواسطةِ الكلامِ . وما الإقامةُ في هذا الأرضِ / الوجودِ إلا إقامةٌ في الحبِّ . ولا إقامةَ في الحبِّ دون شاعرٍ عاشقٍ يحيا شعريًّا . والحبُّ كالمَطرِ الذي متى انتفى انعدم الوجودُ . ومتى انتفى الحبُّ مات الإنسانُ . المطرُ والحُبُّ صِنوانُ . على هذا الأساسِ كان ديوان الشاعرة ” يومَ راقصني المطرُ ” . وكانت هذي القصائدُ مخلوقاتٍ شعريَّةً ، تلامِسُ أرضَ وفضاءَ النصِّ بأناشيدَ فرحٍ هتافاتٍ داخليَّةٍ مصروخةٍ ، وصُورٍ تخرجُ من كنوزها الذاتيَّةِ ، ومخلوقاتٍ وَلِّدَتِ الدَّهشةَ ، نُعجَبُ بمنطوقِها ، رعشةً ورغبةً كتابيَّة .

    لذا ، أسارعُ الى القولِ إن الشاعرةَ راشيل حالةٌ طارئةٌ في جيلها المَرأويِّ ، كتابةً وإبداعًا . إنها متعدِّدةُ الأصواتِ والألوانِ ، فضلًا عن أنها مُتمرِّدةٌ بحُبٍّ وعطفٍ ، عاتبةٌ ، متحرِّرةٌ ، لكنها عاشقةٌ من رأسها حتى أخمصِ قدميها ، وإنسانةٌ مُفرطةٌ في إنسانيَّتِها ، تحوطُ وتحتضنُ قارئيها ، وتغلفُهم بحنانِ المرأةِ الدَّافئ ، وبأخلاقيَّةٍ عالية . تجمعُ في ذاتها وجعَ العاشقِ ، وعاشقَ الوجعِ ، وتُتقنُ الإصغاءَ إلى نغمةٍ عذبة ، أجاءت بالصَّوتِ إم بالهمسِ . تحملُ النارَ والثَّلجَ بكفٍّ واحدةٍ ، تنتقلُ من مشهدٍ إلى آخَرَ بعينٍ تعي علاماتِ الأشياءِ ، وتستجلي رومنسيةً جماليَّةً . وهي الى ذلك تستقبلُ حلاوةَ الوجودِ بوَسامةِ التَّناسبِ والتَّوازنِ . تلتقطُ

حركاتِ الطَّبيعةِ ، وأنفاسَ العشبِ الساريةَ في كوامنِ الموجُوداتِ .

     مرهفةٌ هذه الشاعرةُ ، شفَّافةٌ وقادرةٌ على الدُّخولِ والغَوصِ في لغةِ الكائناتِ السَّواكتِ ، بما لها من مجاهدةٍ عبرَ الخَطرَاتِ والتَّأمُّلِ . أدركت ان الإبداعَ مُصمِّمُ أنساقٍ ، وصائغُ أوعيةٍ يتواشجُ فيها التاريخُ بذاكرةِ الطفولةِ . في شعرها كتابةُ الذاتِ ، وكتابةُ الذاكرةِ معًا ، على أن ممارسةَ الذاتِ هي بمثابةِ تمرينٍ لكتابةِ الذاكرةِ . على أن كتابةَ الذاتِ هذه ، تنطلقُ من ذكرياتها المتماوجةِ ، ما يؤكِّدُ أن كتابتَها الشعريَّةَ تُشكِّلُ نمطًا جوهريًْا لهذي العلاقةِ ، فضلًا عن أن قصائدَها موسومةٌ بالغرابةِ ، بالإثارةِ والإنزياحيَّة ، ما جعل نصوصَها الشعرية تتميَّزٍ بالسرعةِ Célérité ، والألغازِ Énigmaticité ، والطَّابَعِ الحَدَثي المُدهش Prodigieux ،

والإلماعِ Allusion ، كونها جميعًا ، مصطلحات ٍ تتلبَّسٍ بالإشارة والإيحاءِ .

     حريصةٌ راشيل أن يكونَ الحُبُّ المُكوِّنَ الأساسَ في خدمةِ الإنسان واللغةِ ، والعكسُ صحيحٌ . أما الشِّعرُ فقد شاءتهُ في خدمةِ هذا القلقِ الوجوديِّ ، وفي خدمةِ أن نكونَ ، لأن الكينونةَ همُّ الإنسانِ الأوحد .

     لا يخفى أن هذه الشاعرةَ شَفوفٌ بالصورِ ، والأصواتِ المتعدِّدةِ . تتَّسِمُ كتابتُها ، وبالإعتمادِ على الرُّموزِ  والإستعاراتِ ، خدمةٌ لمفهومِ المشهديَّةِ .

تكتبُ كما لو ترجو إنقاذًا لحبٍّ قاسٍ وجميل . لذا ، أدركت أن الكتابةَ فعلُ عِشقٍ دائِمٍ . وإذا كان الحُبُّ جميلًا ، فإن الأجملَ منهُ ، هو الكلامُ عليهِ . من هنا ، نراها تحتفي بالتفاصيلِ والأمكنةِ . وهي عاشقةٌ الى حَدِّ التوحّدِ بالحُبِّ . في شعرها غنائيَّةٌ ، لكنَّ غنائِيَّتَها ليست غنائيةَ الذاتِ

الضيِّقة . وذلك كذلك ، كي يُتاحَ لها أن ترقُصَ بلا قيودٍ ، أو حدودٍ . هذي الغنائيَّةُ

مكَّنتها من أن تُؤالفَ بين الذاتِ والكونِ

  ” أُريدٍ أن أُغنِّي / أن أطيرَ / أن أرقُصَ/

     حافيةَ / عاريةً / شفَّافةً / دافئةً

     بجُمرِ خَجَلٍ / تَصرخُ / في مَوَاسمِ

     صَمتٍ / تبسِمُ لقٍبلُةِ مطرٍ . “

     غنائيَّتُها مكثَّفةٌ ، تعادل بين الواقعِ والإيقاعِ الغنائِيِّ ، الحالمِ والمبدعِ ، حيث

التَّرنِيماتُ ذاتيَّةٌ ، مُسكرةٌ ، وذاتُ تكثيفٍ دلاليٍّ  . غنيَّةٌ وثريَّةٌ بالحركةِ ، بالقَلَقِ ، بالصراعِ والتوتُّرِ ، لكنها متمرِّدةٌ على الشكلِ واللغةِ . وقد رأت الى القصيدةِ الحديثة أنها المثالُ الابرزُ في تفجير الشكلِ ، وجَوهرِ اللغةِ . لذا ، تحرُّرت منَ الإيقاعِ الخليليِّ ، ولم تتخلَّ عن إيقاعاتٍ جاءت عفوَ الخاطرِ ، كونها ترى الى الإنسانِ كائِنًا إيقاعيًّا ، لأنه يندمجُ في المنظومةِ الإيقاعيَّةِ الكونيَّة .

     إنّ ” الإيقاعَ _ يقول أدونيس _ نبعٌ ،

والوزنَ مَجرى معيَّن من مجاري هذا النبعِ ” . ما يعني أن الإيقاعَ أوسعُ منَ العروضِ ومشتَمِلٌ عليهِ :

       ” راقِصنِي يا مَطرْ / فالدَّمعُ طفلٌ /

         والفرحُ أملٌ / وعِشقِيَ بتولٌ /

         تَرَهَّبَت للندى / وعلى هديِكَ /

         ائتزرَتِ السَّفَرْ / بحثًا عن وطنْ /

         راقِصنِي يا مطَرْ “

                                  ( ص ، 100 )

       وعليهِ ، إنَّ الوزنَ طريقٌ الى الإيقاعِ ، وليس العكس . كلُّ وزنٍ إيقاعٌ ، وليس كلُّ إيقاعٍ وزنًا . على هذا الأساسِ ، يُجسِّدُ ديوانُها حضورًا مميَّزًا للذاتِ والإيقاعِ معًا .  إنه عبارةٌ عن عالَمٍ مونولوجيٍّ بحتٍ ، يسمحُ لهيمنةِ الصَّوتِ الواحدِ ، حيث الكلامُ في الحُبِّ هو حُبُّ الكلامِ أيضًا ، علمًا أن الصَّوتَ الواحدَ لا يُلغي إطلاقًا ، حضورَ الآخَرِ / المٍخاطَبِ .

    أسكرَتها الحياةُ ولمَّا تزَلْ طِفلةً لم تكبُرْ .

وقد غفا على السٍّكرِ عُمرُها ، في حقلِ شمسٍ ، وضاعت ألفُ حكايةٍ ، ولم تُفارقْ حُضنَ أبيها :

     ” أنا يا أبي لم أكبُرْ / في باليَ بعدُ /

       طِفلةٌ على أرجوحةٍ / فستانُها أحمَرُ

       / وجدائلُ غادةٍ / لها في أسفارِها /

       ألفُ حكايةٍ / ضاعت / في حقلِ

       شمسٍ / … /  أنا يا أبي / لم أكبُرْ /

       ما زِلتَ في البالِ / وفي حضنِكَ

       طفلةْ . “

                            ( ص ، 46 _ 48 )

       لا تخفي هذه الشاعرةُ أشواقَها ، هي تبوحُ بها بجرأةٍ غيرِ معهودةٍ ، وهي المرأةُ

الشرقيَّةُ العاشقةُ التي يصعبُ عليها ان تُفرِّطَ بكلامِها ، حفاظًا على صمتٍ يُعزِّزُ

ويصونُ كرامتَها :

     ” أشتاقُكَ / فإذا صبحِيَ عالقٌ / على

       هُدبِ بدرٍ / والبدرُ من سلامٍ / عن

        لَيليَ غائِبٌ ” .

                              ( ص ، 60 )

     تتعاظمُ في نفسها هذه الجرأةُ ، فتواجهُ ذاتها بقسوةِ العاشقةِ ، ولينِ قُدسيَّة. الحُبِّ الذي يتسامى ، ولا تتأخر

من رجوةِ المرأةِ ان تكون عاصفةً ، شمسًا ودفئًا :

     ”  تجرَّإي / فالحُبُّ قُدسٌ / واللحنُ

        هَمسٌ / والنايُ بلا شفةٍ / طفلٌ/

        في وادٍ أسودَ يروحْ / … / تجرَّإي /

        فلا أروعَ منَ امرأةٍ / بجنونِ

        الفراشةِ تعشَقْ ” .

                              ( ص ، 61 _ 62 )

     مأخوذةٌ راشيل بقوةِ الحُبِّ / الفداءِ /

الغفرانِ ، وليس غيرُ العناصرِ ، من ماءٍ ، نارٍ ، ترابٍ وهواءٍ ، ولا تُخفي ترنُّحًا في صوفيَّةٍ واعدةٍ ، تنبشُ ذاكرتَها ، فتكرُّ سُبحةُ الموقدِ ، النارِ ، والنهرِ ، وحقولِ الزنبقِ  ، والقيثارِ ، وفي هجعةِ النجمِ نَقرُ الدفِّ .. ولكن ما العملُ ؟

      غيابٌ قاتلٌ يغلِفُ الحياةَ :

     ” في فمِ الموقدِ / أنا منكَ نارْ / في

       ترنُّحِ النهرِ / أنا منكَ بلادٌ / في

       حُقُولِها / صَهيلُ الزَّنبقِ وعدٌ

       وانتِصارْ / على أوتارِ قيثارتي نَغَمٌ/

       هجعةُ نجمٍ / نقرُها على دفِّ الحياةِ

       أثيرْ / … / قد أعمى الغيابُ مَبسِمَ /

       ترابي / فلا عدتُ دونَكَ حَورًا / ولا

       سنديانًا أحيَاهُ رَبيعْ “

                               ( ص ، 71 _ 72 )

          اللافتُ في الأمرِ أن جميعَ قصائدها

تميزت بِحَليٍ جماليٍّ ، لكنّ القصيدةَ الأجملَ هي قصيدةُ ” حين تبكي الشموسُ ” ( ص ، 80 _ 83 ) ، التي تُجسِّدُ الحُبَّ حين عِشقًا يصيرُ ، والتي فيها حشدٌ رموزيٌّ يوحي باتحادٍ غيرِ مسبوقٍ بين عاشقينِ انتظرا عناقًا طويلًا ، وفكَّكا معًا ، لغزَ هذا الإنتظارِ ، فحلَّ حلولًا شَهَويًّا في فضاءِ طقوسِ الجنسِ المُقدَّسِ ، حيث فتنةٌ مقدسةٌ ، فانحلَّت ثنائيَّةُ الحُبِّ :

” فَرقٌ ” و ” جمعٌ ” ، وبات ” الجمعُ ” قصديَّةً كانت مرجأةً ، ما جعل الساقيةَ تعود الى النبعِ ، فاجتمع شملُ الماءِ . لكنّ هذه الحياةَ لا تحيا إلَّا في المفارقاتِ والمتناقضاتِ ، فلولا ” الفَرقُ ” لما كان ثمّةَ ، وجدٌ وشوقٌ . ولولا ” الجمعُ ” لما كان ثمَّة عِشقٌ .

     إن العشقَ انفتاحٌ وجَلوةٌ ، وهو ، فضلًا عن ذلك ، انقشاعُ السُّحُبِ عن وجهِ السَّماءِ والهمُّ عن القلبِ . وجَلوةُ العِشقِ عروسٌ عند الزَّفافِ . هذا ، وكون الشاعرة عاشقةً ومتصوفةً ، على طريقتها الخاصةِ ، فقد أدركت أن الذي يفنى يبقى ، وأن فناءَها عينُ بقائِها ، وأن اللغةَ المألوفةَ أعجزُ من أن تفي بالقصدِ . لذا ، لجأت الى الإستعاراتِ ، وأبحرت في مجازاتِ اللغةِ ، فضًّا لأسرارِ الكلماتِ ، تستنطقها ، تستحضرُ إمكاناتِها ، وتفتتنُ بها . ولعلّ الإفتتانَ بالكلامِ هو الوجهُ الآخَرُ للإفتتانِ بالجمالِ . وقد رأت أنْ لا وجودَ لها بغيرِ اللغةِ ، والكلماتِ الموحيةِ ، والمرمزةِ ، لكي تقبضَ على أمتعِ اللحظاتِ . لذا ، توحدت الشاعرةُ بعِشقِ الحاضرِ  ، أو الحنينِ الى الماضي ، أو الشوقِ الى المستقبلِ .

     تُجسِّدُ هذي القصيدةُ نصًّا صوفيًّا ، ينضحُ إيروسيَّةً وشهوانيةً متخفاة ، ما يشير الى أن جسدَي العاشقينِ المنفيينِ اجتمعا في ليلةٍ حمراءَ ، وتسلَّلا عبر الحروفِ والكلماتِ ، لأن الخطابَ مجالٌ لإنتاجِ اللذاتِ .

          أطيبُ من الحُبِّ

          حُبٍّ الخطابِ !

     خبيرة هذي الشاعرةُ بِمِلءِ الحروفِ والكلماتِ بشهوةِ النقاءِ . وهي التي تعرف ، حقَْ المعرفةِ ، أنها والمعشوق في بستانٍ واحدٍ ، وأنهما معًا ، يسترجعانِ ذلك الفردوسَ الضائعَ ، كونهما زهرةَ الوجودِ ، وشذاهُ وأنوارَهُ ، ولولاهما لما كان خلقٌ .. وتعرف أيضًا ، أن المرأةَ جُرحٌ رمزيٌّ . والرمزُ يشير دائمًا ، الى غيابٍ ، ويٍحيلُ الى شيءٍ ، وغايةُ الشوقِ كشفُ الحُجُبِ ، ومنتهى الوصالِ دوبانٌ وتلاشٍ .

     حشدت في هذه القصيدة حشدًا لا يٍستهانُ به ، من الرموزِ ، حتى أن حروفَ المعاني والروابطَ كافةً ، غدت رموزًا ، على ما فيها من فوارقَ ومتناقضاتٍ ، آلفت وتناغمت ، ثمَّ توحدت في لحظةٍ صفا فيها الجسدُ . وللجسدِ في هذه القصيدةِ تحديدًا ، رمزيةٌ قدسيَّةٌ  ، كونه موصولًا بجسدِ الأرضِ والفضاءِ .

     ليست كتابتُها فعلًا آنيًّا  . هي في البالِ من زَمنٍ / زمنِ الطفولةِ العابقِ بقبلةٍ ليست كالتي سلَّمَتِ السيِّدَ في بستانِ الزيتون ، ثم انتشت بغمرةٍ ، غمرَ االرداءِ ، تنحتُ وَجدَها .

    ” قد قلتُ لكَ فتحتُ دُرجي / آهٍ من

       حُبِّكَ / حين يفضحُ جُرحي /

       ويُزكي حَرَجِي . “

                               ( ص ، 90 )

     قصيدتُها إجمالًا ، قصيدةٌ مبلَّلةٌ بالندى ،

مائيَّةُ السَّبكِ ، حلَّت جوابًا عما يُؤنِّثُ ظمأَ اللغةِ . قصيدتُها طفولةٍ القصيدةِ ، وقصيدةُ الطفولة . هذي القصيدةُ الطفلةُ

توشحت ببراءةٍ شيطانيةٍ ، وشيطانيةٍ بريئة . وليس غيرُ الحُبِّ يؤسس للشعرِ الصافي / المصفَّى . وللإنسانيةِ الحقَّة ،

وللفردوسِ المُستعاد . هذا ، وليس الحُبٍّ

تلك التفاحةَ / الرمزَ التي زعموا انها الخطيئةُ التي أخرجت آدمَ وحوَّاءَ من الجنةِ . آمنت راشيل بما قال بورخيس

”  إن طعم التفاحةِ ليس في التفاحةِ نفسِها ، ولا في فمِ مَن يأكلُها ، وانما في التواصلِ بين الإثنين . “

   مأخوذة راشيل بِسحرِ اللفظةِ ، والإيقاعِ والصورةِ ، وسحرِ الشكل الذي أعطته بُعدًا

هندسيًّا ، لجهةِ رصفِ الألفاظِ الذي قدَّم

للصفحةِ أبعادًا جماليةً وسِيمِتريًّا Symètrique ، ما يسمحُ بالقولِ إنها كما تتزيَّا يرتدي نصُّها حُلَّتَها . نصُّها صُنوُها ، حيٌّ نابضٌ بوهجِ الحياةِ ، مليءٌ بالماءِ . وهذي العمارةُ الشعريَّةُ مصحوبةٌ بالتوهٍّجِ والإنفعالِ ، بالصَّفاءِ والحفرِ ، بالتوتر والقلقِ والأصالة . هذا الشعرُ مُتوقِّدٌ ، ممهورٌ بحساسيةٍ ووجدانيَّةٍ صافيةٍ ، والأفقُ مفتوحٌ . وهي ، إن شاءت تستريحُ ، فإنَّ ” الغيمَ مرتعُها/ والأرضُ جنينُ أحلامِها ” . إنها تمارسُ صياغةً مميزةً في استخدام اللغةِ ، ينطوي كلامُها على أُفُقٍ دلاليٍّ يكشفُ عن رصانةٍ شعريَّةٍ ، ويشهدُ على حيويَّةِ اللغةِ .

     إن شعرَها يحكي ، عن طريقِ اللغةِ ، السُّلوكَ الإنسانيَّ والحركاتِ والأفعالِ  والأماكن . والى كونها تجاوزت القصيدة الخليلية ، فقد دخلت هيكلَ القصيدةِ الحديثةِ ، تُراهنُ على جوهرِ الشعرِ ، باعتبارهِ رؤيةً جديدةً للواقع . هذا ، وقد تماسكَ بناؤها الفنيّ ، فنحت نحوَ إيقاعٍ مفاجئٍ . حرصت على الإهتمامِ بجملتها الشعريةِ التي تتحاور مع هندسةِ الفراغاتِ ، والتي هي ذاتُ تشبٍّعٍ نغميٍّ متواصلٍ ، لأن النغمَ في القصيدة كالنَّفَسِ للإنسانِ الذي إن توقَّف كانت نهايتُهُ .

     آلفت راشيل  بين الذاتِ والكونِ ، تشهدُ على الإنتماءِ للأرضِ ، وتساهمُ في تكوينِ وجودِها في العالم . لذا ، نراها تعملُ على تفجيره ، بهدفِ إعادةِ خَلقهِ باللغةِ . ولا يكون العالمُ إلا حيث تكون اللغة . واللغةُ جوهريَّةٌ لأنها حِوارٌ . ونحنُ حوارٌ أيضًا ، وهذا الحوارُ ووحدتُهُ هما سندُ وجودنا . وعليه ، فإننا نشرحُ الطبيعةَ ، نتماهى معها ، نعشقُها لكي نفهمَ الروحَ ، ونعشقُ الآخَرَ / المختلِفَ ، نبني العلاقةَ ، والفهمُ والتفاهمُ هدفنا .

     تشتاق راشيل هذا الآخَرَ ، وقد اشتدّ شوقُها ، تغمضُ عينيها ، واليدُ في خلجانِ العروقِ . وإذا بالجسدِ جدولًا يصلي ، وهي تطوفُ في بساتينِهِ :

     ” أشتاقُكَ / عواصفُ من تكهُّنٍ تسرقُ

        ألواني / أُغمضُ عينيَّ / أمدُّ يدي /

        تتحسَّسُ خلجانَ العروقِ / أطوفُ

        في بساتينكَ جدولًا يُصلِّي . “

                                  ( ص ، 171 )

          ما أطيبَ هذي المائدةَ الشهيَّةَ

          حوَّاءُ اليها أطيبُ فواكهِ الدُّنيا !

       تَتَميّز نُصُوصُها بالربطِ الأداتي ، او بتبعيَّةِ الأدواتِ . لكنَّ هذه النُّصوصَ تنحى نحوَ ما يُسَمَّى ، ما بعد الحداثة ، ” بالإرداف Parataxis ” الذي هو عبارة عن

إتباعِ الجملةِ بالجملة ، والكلمةِ بالكلمةِ دون أداةِ ربطٍ تصل ما بينهما ، أو تفسِّرُ العلاقةَ بينهما . هذا الإردافُ هو عكسُ الربط الأداتي ، أو الربط بالأدواتِ Hypotaxis . ربما قد لجأتِ الشاعرةُ الى هذي الطريقةِ كي تزيدَ شعرَها سُيُولةً ، وتدفُّقًا مائِيًّا . فعنصرُ الماءِ على سطحِ الأرضِ وتحتها ، يعرفُ وحدَهُ ، كيف يشقُّ طريقَهُ دون دليلٍ ، أو إشارةٍ بإذن دخول .

وحدَهُ هذا الماءُ قادرٌ أن يتفجَّرَ ، وينبجسَ

ينابيعَ حياةٍ ونَماء .

        أليس الماءُ هو الجوابُ الغريزيُّ

        والعُضوِيُّ عنِ العَطشِ ؟

        مَن يشرَبْ من ماءِ شعرِها

        لن يعطشَ ..

        إن الماءَ ، بطبيعتِهِ ورمزيَّتِهِ ، هو المكانُ الحَيَوِيُّ في ذاكرةِ الحياةِ . وعليه ، فإنَّ العلاقةَ الجدلية ، بين الماءِ والعطشِ ،

هي علاقةٌ مُتَمَوِّجَةٌ ولولبيَّة . لذا ، يزخرُ شعرُها بالمطر ومشتقاتهِ . والقصيدةُ عندها ، ليست سوى تلك الغيمةِ فوق 

” رشعين ”  ، بَحرًا يسبحُ ، وهي في حضنِ هذه الغيمةِ مسافرةٌ ، متحوِّلةٌ وَفقَ أقاليم

الليلِ والنهارِ ، ووفقَ البحرِ ، مدٌّ وجزرًا .

     شعرُها حصيلةُ كاميرا الحواس ، والعينِ تحديدًا . إنه روايةٌ بصريَّةٌ بامتياز ،

وحاجةٌ نفسيَّةٌ ، روحيَّةٌ ، لا مجالَ لتفاديها . ترسُمُ صورَها ، وتؤلِّفُ معانيها في ذاكرةِ الطفولةِ المهمومةِ ، القلقةِ ، والباحثةِ عن الأجوبة .

      وأرى الى الصورة عندها ، من ماديتها

إلى فيضٍ مُشرِقٍ ، مُتحرِّكٍ ووثَّابٍ ، لأن طبيعةَ الحياةِ لا تقبلُ الكبتَ والجُمودَ ، فضلًا عن أن الصورةَ هذهِ تَتَّخذُ في شعرها شكلًا مُتحرِّكًا Dynamique ، ودائمَ الحركةِ ، ما يُساعدُ على تَولُّدِ النبضِ والإندفاعِ اللذين يتميزان بتأثيرٍ مٍتتابعٍ ، كالحجرِ الذي يُلامِسُ صفحةَ الغديرِ ، فيُوقِظُ في الماءِ زَرَدًا مُترَجرِجًا ،مُتَّصِلِ الحلقاتِ . وكلما بلغتِ الحركةُ أُختها ، تكسَّرتا معًا ، وتمازجتا .

     تميلُ الشاعرةُ راشيل إلى الأظلالِ والألوانِ ، لأنَّ  لها أيضًا حركتها في النفسِ . فالأبيضُ إشارة الى الطُّهرِ ، والأزرقُ الى الرَّحبةِ والسَّعةِ والبكارةِ ، والأخضرُ لِمَا فيه من جِدٍّ ولين ، ومن طلاوةٍ ، وعذوبةِ مَلمَسٍ .

     كسَّرتِ الشَّاعرةُ بالصَّوتِ زَمَنَ الصَّمتِ ،

واندمجت في عالمِ الكتابةِ . فجَّرَتِ المطمور في الذاكرةِ بإبداعٍ مميزٍ ، يحتضِنُ

سياقاتٍ فنِّيةٍ جديدة .

     رأيتُنِي أصغي الى تفاصيلِ نصِّها ، فإذا بي أرى إليها مؤثِّرَةً ، متمكِّنةً مِنَ استنطاقِ

المكبوتِ ، وتحريكِ السَّاكنِ ، و اللعب على الفضاءِ اللغويِّ المُستَمَدِّ من جسدها المرأوي . وأرى  إليها تُعيدُ الى هذا الجَسَدِ نضارتهُ الأولى . لم يعُد جسدُ المرأةِ حديقةً ، أو بستانًا يأوي إليه الرجلُ . بات جسدُها حديقةَ شِعرٍ ، وبستانَ كلمات :

     ” أتزيَّنُ بعطرِ البراري / لفَّ جسدي

       وَرِعًا / شفَقَ بسمةٍ بلَّلها خمرُ الندى /

       على مَسامِيَ انهمارٌ يكتنزُ صبابةً /

       وما بين النهدينِ انبلاجُ ثورةٍ

       نشوى / رَحِمٌ ينبضُ بالعِشقِ جنينًا /

       يأخذُ منَ الآهاتِ الحياةَ عُنوةً /

       دعني أغرِفُ من الشفتينِ رقَّةَ

       الملائكة /  تُولِعٍ في داخلي جمرَ

      الشياطين . “

                         ( ص ، 127 _ 129 )

            بالجسدِ تكتبُ قبل ان تنقلَهُ ألى الورقِ ، فتعكسُ  سيميائيةُ الجسدِ بَراعةَ

رسمها ، ودقةَ اختيارها في تشكيلِ شعرها

بما يحملٍهُ من قلقِ السؤال ، وهاجسِ الواقعِ والتاريخ .

         كتابتُها مواكبُ منَ الأفعالِ ، وفيضٌ منَ الإنفعالِ ، وسِربٌ من العواطفِ والمشاعر . وقد أهَّلها تكوينُها البيولوجي المفعم بالأمومةِ والحبِّ والرغبةِ والعِشقِ ،

ففعَّلَت تكوينها الفكري والأدبيّ ، وحسَّها

الفنيّ ، فتمايزت ببُعدٍ إنسانيٍّ ملحوظٍ .

       دخلتِ الشاعرةُ في معادلة :

       أنا أكتبُ إذًا انا موجودة ..

       على أنَّ إثباتَ هذا الوجودِ ، بفعلِ الكتابةِ ، لا يعني أبدًا ، إلغاءَ الأخَرِ / المختلف . وقد أكدت أن حضورَهُ عِلَّةُ

حضورها . لذا ، نراها تتحوَّلُ في شعرها

إلى عِشقٍ يصلُ إلى حدِّ التَّمَاهِي والحلول :

     ” مُذ أنتَ / أحبَبتُا كلَّ ما فِي / كلَّ

       جِزءٍ / كلَّ تفصيلٍ / كلَّ خَليَّةٍ /

       وأضحى الشتاءُ في كنفِ الخريفِ

       ربيعًا / والكونُ بُقعةْ / مُجَرَّدُ نقطةْ /

       وانتَ الوردةُ / منها يقطفني الفرحُ /

       بتلةً بتلةْ / مُذ أنتَ / بتُّ انا / عِشتُ

       إنا / أحببتُ أنا . “

                             ( ص ، 155_ 156 )

           وعليهِ ، فإن إقبال المرأةِ على الكتابةِ بجسدين : بيولوجي ولغويّ  ، هو

ما يساعدها على ان تكونَ فاعلةً ، ومغيِّرةً

لجسدِ العالمِ ، وجسدِ اللغةِ . إن كتابةَ

راشيل مُغامرَةٌ في الروحِ والجسدِ والنصِّ . لذا ، كان من الطبيعيِّ ان تسعى

إلى الإلتحامِ بالآخرِ ، بهدفِ محاولةِ تغييره ، وتحويلهِ في اتجاهِ عبورٍ آمنٍ

حيث العِشقُ ديوان شعر :

     ” قَبَّلنِي / قال أريني / كيف يكونُ

       العِشقُ ديوانًا / تاهت عينايَ بصمتٍ

       في العُنُقِ / وعلى وَقعِ سَفَرٍ /

       إنتفض النبضُ في العِرقِ / فإذا

       هو / دونَ يدري / أوَّلُ بيتٍ من

       نَصِّي . “

                        (ص ، 97 _ 98 )

        يقولُ الجسدُ للغةِ _

        أنا أنفعلُ

        أنا أعبِّرُ ، أُومِئُ وأُملي عليكِ

         أنتِ اكتبِي …

      أيَّتها الشاعرة راشيل

      تُراني كتبتُ عنكِ

      أم أنتِ كتَبتِني فَكَتَّبتِني ؟

      سماحَكِ إن امتزجَ كلامي بكلامِكِ ،

      وسرى فِيَّ حَنينُكِ ،

      حتَّى لكأنَّكِ أقربُ منِّي إليَّ

     علَّمتِني أنَّ هذا الحُبَّ المائِيَّ

      هو الطريقُ إلى القلبِ ،

      إلى قلبِ الحياةِ / اللغةِ .

      كلامُكِ / شعرُكِ

      خُبزٌ لنا في مجاعةِ هذا العالَمِ

      وفعلُ رجاءٍ هو في عَصرٍ مُنكَسِرٍ

      ومُمَزَّق …

      ميشال سعادة

أدونيس / 15/4/ 2015

ملاحظة _

كُتِبَ هذا البحثُ زمنَ تَوقِيعِها

ديوانها ” يومَ راقَصَنِي المَطَرُ “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*