دراسة نقدية لرواية ((خفافيش كورونا ))للروائي إبراهيم رســـــــــــــــول بقلم الكاتب حميد الحريزي.

((أن أقسى وأقذر البشر هم  اولئك الذين يتحكمون بمصير الأنسان ، بلالأقذر منهم اولئك الذين يجعلون الانسان تحت سيطرت جشعهم )) ر59

رواية خفافيش كورونا من المضاف والمضاف أليه هي الرواية الرابعة للروائي الشاب ابراهيم رسول بعد رواية ((الحب الطموح ، طبول الظلام ، العودة الصادمة )) ولاشك انها أضافة ربما تكون ظالمة تلاحق هذا الحيوان الذي لم ينجو من اتهامات البشر له على الرغم من أنه أختار حياة الأنزواء في كهوف العزلة بعيدا عن الأنسان ولا يخرج الا ليلا ولم يسبب أي أذى لا للانسان ولا لغيره ، فهو الآن متهم كونه مضيف وناقل لفايروس كورونا الذي أهلك ومازال الملايين من البشر وشل حياة العالم .
بطل الرواية ((سيف)) ، هذاالسيف الذي يحاول أن يقطع رأس كل العقبات والمعوقات التي تعترض طريقه للوصول الى الثرروة والشهرة معتبرا أن مفاهيم مثل الوطن والشرف والأمانة والنزاهة أنما هي مفاهيم تافهة يجب التخلي عنها (( اتغنى ببعض الكلمات التافهة مثل ، الوطن ، الشرف ، الأمانة ، النزاهة )) ص18 .
في زمن لايقيم الانسان على مايحسنه من عمل وما يحمله من وطنية وأخلاق وقيم نبيلة(( قيمة المرء ما يملكه وليس مايحسنه ، هذا القول هو ما ينطبق على الحياة اليوم )) ص96. ومقولة (( أن تكون نزيها في محيط لم يمارس ولا يعرف للنزاهة حرفا ، لهو عبث ينقلب عليك وأنت لفي غنى عن هذا )) رص48.
فهو ابن عائلة فقيرة لوالد بسيط وأم معلمة مدرسة ، الوالد يقتل برصاص مسلحين من على ظهر دراجة نارية ثأرا لقتل والد سيف لأحدهم قبل سنوات وفر هاربا متخفيا في بغداد على أمل الافلات من الثأر ولكن كان له الموت بالمرصاد ، رجل كان سيف يصفه بالمتعجرف ، والدته تذهب للعيش في كنف أخوتها ورعايتهم بعد مقتل زوجها ، ولكنها تتعرض للأهانة والاذلال من قبل زوجة أحدهم ، التي حاولت مراودة سيف عن نفسه ضاربة كل المحرمات عرض الحائط وعندما صدها ((سيف)) مثلت دور الشريفة العفيفة متهمة سيف انتهاك عرضها وشرفها ، مما أغضب الخال عليه غضبا شديداً وضربه ضربا مبرحا ، فقررت الأم مغادرة بيت الأهل لتعيش حياتها المستقلة مكتفية بمرتبها الشهري لأعالة أولادها بعد قرارتركها بغداد والعودة الى مدينة النجف قريبا من بيت أختها أم ((شمس)).
أكمل دراسته ليتخرج بعنوان محلل فني تحليلات مرضية ، بعد انتظار مضني للتعيين ، حصل على وظيفة في وزارة الصحة ، حيث خاض هو وزملائه نضالاً مطلبيا بتعيينهم من خلال التظاهر وتعرضهم للرش بالماء الحار ، ولكن أخيراً أصبح احد منتسبي مختبر في احد المؤسسات الصحية ، ولتعرف على حبيبته وزميلة عمله الشابة الجميلة ((خديجة )) ، يتفقان على الزواج وتأسيس بيت على الرغم من غيرة خديجة من هيفاء الباحثة التي أغرت سيف بالقبل والمداعبات الجنسية لتحصل على ماتريد لأكمال بحثها ورسالتها في الماجستير ، هذه الهيفاء التي ستستمر في استخدام مغرياتها الجسدية لتحصل على ماتريد متوجة ذلك بالزواج من مرتضى الشخصية الهامة والثرية في شركة بيع الادوية كما سنرى لاحقا …
أم سيف تتزوج بانسان يحبها ، بعد تمنع سيف وافق اخيرا لتعيش والدته حياتها .
يسأم سيف العمل الوظيفي الروتيني الممل وكذلك القليل المردود لشاب طموح مثل سيف ، فينتقل للعمل في شركة سياحية آملا ان يحصل على المال والجاه ملتقيا صديقه وليد في بيروت …. يفارق زوجته وبعد أن يرزقا بطفل ينفصلا ، فخديجة متمسكة بطموحها في نيل شهادة الماجستير والدكتوراه وهي راضية تماما للعمل في المؤسسات الصحية .
سيف يوجه نقدا لاذعا للصيادلة والاطباء وعمل بعضهم على جني المال أولا ولم يراعوا الجانب الأنساني ، سواء في عياداتهم الخاصة أو في المستشفيات .(( الأطباء يأكلون أرواح الفقراء)) ص136
من خلال عمل (سيف)) في الشركة التي يعمل فيها مرتضى ووليد يتعرف على مافيات تجارة الأدوية ، وحصولهم على الأرباح الفاحشة والمذهلة من خللا أبرام عقود تجهيز المؤسسات الصحية بالأدوية والمعدات مقابل رشى مغرية لأشخاص متنفذين في الوزارة التي لها نسبة كبيرة من موازنة الدولة العراقية ، حتى أن هذه الشركات تمكنت من اختراق الانتخابات من خلال تمويل الأشخاص والكتل بالمال ليكونوا اعضاء في البرلمان وبالتالي ضمان مصالحهم وضمان حصولهم على كل العقود ، وكسر شوكة منافسيهم من الشركات الأخرى ، انَّه صراع عنيف وغير شريف بين مافيات التجارة على حساب صحة الأنسان،
فالأدوية والسلاح من أهم مصادر الربح للشركات التي تتحكم في الأقتصاد العالمي مقدمة مصالحها وأرباحها على كل شيء فالربح ثم الربح ثم الربح وليذهب الأنسان وأحلامه وطموحاته الى الجحيم (( الادوية تجارة رابحة في كل زمان ، والاسلحة تجارة رابحة على الدوام ، هذا ماجعل العالم عليه أن يبدع في الأتجار بهما )) ص60 . وكذلك تهيئة كل الظروف لأنتعاش هذه التجارة ، واذا كانت تجارة الأسلحة ربما تتطلب بعض الخسائر المادية والبشرية للمتاجرين فتجارة الأدوية هي الاضمن وبذلك فلابد من اختراع وباء يعم كل الكرة الأرضية لتكون تجارة اللقاحات والأدوية ومواد الوقاية في أعلى مستويات الأزدهار والأبتكار وحصد أرواح وأموال الاشخاص وحتى الدول نتيجة فزعها من هذا الوباء الخطير فكانت ((كورونا )).
(( السلاح والعلاج والمخدرات ، هذه الثلا ثة هي عصب الأقتصاد الذي تتاجر به الدول العظمى والمافيات )) ص69.
وبما أن الطبقة السياسية الحاكمة في العراق هي طبقة فاسدة وجاهلة وتابعة لأسيادها ومن نصبها على كرسي الحكم ، فكان العراق أفضل وأسهل صيد لهذه المافيات والشركات ، والكل يعلم مدى فضائح الفساد المزكم للأنوف والصفقات بمئات الأضعاف التي تعاقدت عليها الحكومة من الأسلحة والمعدات العسكرية الفاسدة والمستهلكة وغير الصالحة للأستخدام ،ليس جهاز كشف المتفجرات الانموذجاً واحداً من نماذجها في المجال الأمني والعسكري ، ولا ((نعل)) عديلة لوزارة الصحة الا نموذجا بسيطا لأستيراد الأدوية والمستلزمات الصحية ، والشاي بنشارة الحديد والتمن المتعفن الا نموذجا بسيطا لما حصل في وزارة التجارة ، وليس استيراد مولدات كهربائية لاتصلح للعمل في العراق من لبنان الانموذجا بسيطا لوزارة الكهرباء والقائمة تطول حيث الرشاوى بالمليارات في كافة مجالات الحياة .
تدمير وتخريب كل المؤسسات الأنتاجية في العراق وأستيراد كل شيء من الخارج بدءا بالنعال ولاينتهي بالطائرات ، ناهيك عن البصل والتمر والطماطة والملابس وووو حيث تحول العراق الى بلد المولات والفنادق للترويج للمنتجات الأجنبية في ظل حكم طبقة سياسية لاتصلح لأدارة شؤون عشر طلاب في مدرسة كما يقول بطل الرواية (( ماذ أأمل من رجال لا يعرفون أدارة صف مدرسي مكون من عشرة طلاب فكيف بأدارة بلد بحجم العراق ومشاكله )) ص159.
ولكن السؤال هل هم لايعرفون ام هم مكلفون ومظفون من قبل اسيادهم ومن قبل أصحاب ومالكي الشركات لتدمير الأقتصاد العراقي وتخريب كل شيء في البلاد وهذامايحصل بالفعل .؟؟
اما القانون في هذا البلد فلايطبق الا على الفقرء حيث (( ان الذين وضعوا القوانين وهم أقد جعلوه مفصلا ومتسعا ليجدوا مخرجا وتأويلا لكل أزمة تواجههم ، القانون لايتمكن أن يصل الى عتبة أبواب الأقوياء والأغنياء بالتحديد أما الفقراء فأنَّه يجب أن يتدخل في كل شؤون حياتهم )) ص82.
(( حتى الرب يريدونه مفصلا على مايريدون ويشتهون )) ص129 .
يتحدث سيف حول تظاهرات تشرين او اكتوبر الشبابية التي انطلقت عارمة وفي كل محافظات العراق مطالبة بأسقاط النظام ، نظام المحاصصة العرقية والطائفية بعد ان لم يتم الاستجابة لمطاليبه المشروعة في محاسبة الفاسدين والمجرمين وسرقة المال العام ، وتوفير فرض العمل للشباب الذي يعيش بطالة مزمنة ، وقد اجبرت التظاهرات الحاشدة الى استقالة الحكومة ، املا ان ينصب رئيس وزراء ووزارة تستجيب لمطالب المتظاهرين وتحاسب قتلتهم ، وتطلق سراح المختطفين والمغيبين والسجناء ، ولكن للأسف لم تتحقق أيَّة من هذه الوعود .
حيث سجلت الأصابة الأولى بكورونا في شباط 2020 ، ثم توالت وتزايدت الأصابات وأنتشرت في جميع المحافظات العراقية ، وقد كانت فرصة بيد السلطة لأنهاء التظاهرات ، مما ادى الى ذوبانها سواء بذريعة التباعد الأجتماعي، أو بالقوة والقمع أو بالوعود الكاذبة والمزيفة ، فرفعت الخيم وتم قلعها بالشفلات في التحرير والنجف وبابل والديوانية والعمارة والبصرة ولم تبقى عصية على السلطات الا الناصرية ناصرية الفداء والتضحية والصمود ، وهناك أسباب عديدة لأنتهاء التظاهرات لامجال لذكرها وليست هي موضوع الرواية …
يصاب سيف بكورونا يعاني كثيرا من المرض ((11-7-2020 بدأت أشعر بأني لا أستطيع التنفس بصورة طبيعية))ص146 ذكر تاريخ الاصابة باليوم والشهر والسنة يشير أن الروائي يشرح تجربته الشخصية مع الأصابة بكورونا ، يسرد مشاهداته في المستشفى وطريقة تعامل الكوادر الطبية والصحية مع المرضى ، والحالات الانسانية فائقة التصور في مساندة العوائل لأبنائها والمصابين منهم وتقديم الرعاية والسهر ليلا ونهارا بجانب المريض رغم المخاطر مما يدل على تماسك العائلة العراقية تحت أصعب الظروةف وأشد المخاطر …
خديجة زوجة (سيف) السابقة تتطوع لمعالجة ومدارات ورعاية المرضى بمبادرة أنسانية كبيرة كمثال لوجود النماذج المضحية المتفانية في الوسط الطبي والصحي على الرغم من وجود نماذج سيئة لايهمها سوى جمع المال ، يتعرفها سيف نتيجة لأهتمامها الخاص في رعايته ، لكنها ترفض عودتهم لبعض ثانية فقد رسمت طريقها طريق التحصيل العلمي العالي الماجستير والدكتوراه .
يؤشر سيف ظاهرة غاية في االخطورة حيث رصد أن الادوية المهمة والتي تحقق الشفاء للمرضى لاتتوفر في المستشفيات الحكومية ولاتوجد الا في المشافي والصيدليات الأهلية الخاصة ، وفق أتفاق قذر بين أصحاب الشركات والمتنفذين في الوزارة .في حين أغلب الأدوية التي تعطى للمرضى في المستشفيات لا علاقة لها بالمرض لامن قرلاريب ولا من بعيد وقد ]يؤدي قسما منها الى موت المريض أو أصابته بعوق دائم !!!
كل اجراءا الحكومة والسلطات الصحية اثبتت فشلها في السيطرة على المرض حتى بلغ عدد المصابين بالمرض حوالي مليون أو أكثر ناهيك عمن لم يراجع المؤسسات الصحية لتثبيت حالته ، حيث فقد المواطن العراقي في أغلب دوائر الدولة التي نخرها الفساد والاهمال وفي مقدمتها الدوائر الصحية والتعليمية ..
يشفى سيف ويقرر ترك العمل الخاص ليعمل في المستشفيات العامة خدمة للصالح العام …
في حين يستمر مرتضى وهيفاء باللهاث وراء المال والثروة بمختلف الوسائل ومنها جسد هيفاء الذي وظفته لتحقيق رغباتها وتحقيق ماتريد ، نعم انه عالم المال عالم الفساد والعهر والتردي الاخلاقي والانساني .. ففي هذا الزمن ( الناس عبيد أو سادة لاوسطية بين الأثنين ))رص132.؟؟؟
فما أصعب حياة الناس الأحرار الذين يرفضون العبودية ولايريدون أ يتسيدوا على الناس بالقوة والزيف وشراء الذمم ، عبر وسائل رخيصة كتوزيع البطانيات وما شابه على الناس الفقراء لكسب وشراء اصواتهم، هذه الرشاوى المبتذلة التي من النادر تجد انساناً واعياً يرفضها ويترفع عليها في زمن الجوع والبطالة.
هناك هنة في الحبكة السردية في الرواية ، فبعد أن طلق (سيف) زوجته وزميلته خديجة لم يتزوج حسب متابعتنا لمجريات السرد والتحولات في حياته (( أنا الذي لا أناسب أي امرأة ولا تناسبني أي امراة، لا أريد أن أجعل لي شريكا وأنا الذي رفضت أن تشاركني نفسي!)) ص135
ولكنه بعد أن يصاب بكورونا في 2020 يقول (( زوجتي أخذت قطعة من القماش وتغمسيها في الثلج وتضعها على جبهتي وقدماي )) ص 146 طبعا لغرض تخفيض درجة حرارته المرتفعة بسبب الكورونا !!؟.
في هذه الرواية يغادر الروائي أسلوب السرد التسلسلي الخيطي في المكان والزمان ، يعتمد أسلوب التنقل من صورة الى أخرى ومن حجث الى آخر ، ومن شخصية الى آخرى ، ليكون حر الحركة في المكان والزمان وعلى المتلقي الأمساك بخيط السرد والربط بين الأحداث …
نلاحظ أن الروائي يشهد تطوراً ملموسا من حيث ثراء المفردة وأسلوب السرد ، الروائي يسرد الاحداث مرة بضمير الأنا المتكلم وأخرى بضمير الغائب ليعطي للراوي العليم فرصة لينفذ الى داخل الشخصية ويستعرض حوارها الداخلي لأغناء الشخصية، نقول هذا ولانغفل طغيان التقريرية على السرد و وأفتقاره للشعرية وللصورة وتوصيف المكان ، وفقر تأثيث الشخصية لتكون واضحة المعالم أمام ناظري المتلقي وتوضيح مايميزها عن سواها من الشخصيات الثانوية في الرواية ، حتى بطل الرواية أو الشخصية الرئيسية فهي باهتة الملامح امام المتلقي .
كما انَّ الروائي لم يعط المكان حقه من حيث التوصيف والتعريف ليكون عامل اقناع أكبر للقاريء بواقعية الحدث .
كان أقرب الى الواقعية من حيث سلوك الشباب تجاه الجنس واغراءاته في حياة الأنسان ولم ينحو منحى التطهير والمثالية المصطنعة للشخصية كون الجنس وأشباعه أمر هام جدا بالنسبةللانسان(( أن تصبر نفسك عن الجوع لهو شيء عظيم أما أن تصبرها عن النأي عن الجنس لهو شيء أعظم و أعظم )) ص93.
كما أنه كان واقعيا في توصيف سلوكيات وتحولات ((سيف)) المختلفة مرة يركض وراء الشهرة والمال بسبب الحرمان وثانية يعود الى ذاته منتصرا للقيم الأنسانية النبيلة ،فالمال ليس كل شيء في حياة الأنسان ان فقد انسانيته وقيمه .
الرواية تؤشر نفسا نقديا لاذعاً للطبقة السياسية الحاكمة وغرقها في الفساد والجهل وارتباطها المصيري بالشركات الأستغلالية ومافياتها لنهب الثروة الوطنية ، هذا النفس المتصاعد والملموس في العديد من الروايات النجفية أنما يدل على تشكل وعي جديد مناهض للوضع القائم بين الادباء والمثقفين حفزته انتفاضة الشباب التشريني الذي ضرب أروع الأمثلة في التحدي والتضحية لمواجهة الفساد والمفسدين والمطالبة بالحرية والعمل ونبذ التبعية للاجنبي وانهاء حكم المحاصصة العرقية والطائفية .
كان للادباء وعموم المثقفين والكتاب حضوراً دائماً ومؤثراً في ساحات التظاهر / مما يجعل توصيف الأنتفاضة بالأنتفاضة الشعبية الشاملة شارك فيها الانسان البسيط والاديب والمثقف والسياسي الشريف والمستقل والشاب والكهل والمرأة والطفل بشكل غير مسبوق بمثل هذه القوة وهذا الشمول ويذكرنا بتظاهرات أهالي النجف في الأربعينيات والخمسينيات ضد الأحلاف الاستعمارية وتبعية الحكام لقوى الأحتلال والأستغلال .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*