الهدرة الثّامنة عشرة مكرّر.. الميترو 4 : باكو موشوار …بقلم الكاتبة سونيا عبد اللطيف من تونس.

– باكو موشوارْ، باكو موشوارْ، بِمْيا بِمْيا… ماعادِشْ بِمِيتين وَلاّ بِمْيا وخمسين… باكو موشوارْ، موشواااارْ…

– مانيشْ شاري، اِبْعدْني…

– …(غمغمة.. ) ها الصّباحْ…

– قتْلِكْ مانيشْ شاري، اِشْبيك ما تِفْهِمْشْ؟

– ماكِشْ شاري، ماكِشْ شاري

– نقلّك تِرَبّى سِمَعْتْ؟ واحْترمْ نفسِكْ…

– إيهْ سَمِعْتِكْ… قتْلِكْ ماتِشْريشْ…

– ملاّ نذْلْ هذا… قُتْلو مانيشْ شاري سمّعني كلمه كبيره قدْ راسو في وِذْني… ما يحشِمْشْ…

– تي هُوَ الباكو موشوارْ راسْ مالو مِيا وسبعينْ ومن عند الحمّاص يتباعْ بِميتينْ وخمْسينْ وهُوَ يبيعْ فيهْ بِمِيا…

-آش معناه هذا الكلامْ؟ معْناتو هُوَ سارقْ ويستغفِلْ فينا، عامِلْ فيها مِسْكينْ وضريرْ..

كنتُ أُنْصِتُ إلى هذه المُناوشات وأنظرُ في صمْت، كانتْ السّاعةُ العاشرةُ صباحا، كنتُ واقفة في زاوية في الميترو رقم أربعه ومُمْسكة بعمود الحديد وكانتْ وِجْهتنا من الباساج إلى برشلونة..

“باكو موشوار” هذا الصّوتُ وصاحبُ الصّوت ألِفتُه وألِفه كلّ روّاد محطة الميتر وركّاب الميتروهات جميعها فهو ينتقل من قاطرة إلى قاطرة ومن محطّة إلى محطّة… رجل في الأربعينيّات، يضع على عينيه نظّارات سوداء، يمسك بعكّازة في يده اليمنى وبعلبة كرتونية باليسرى بها مناديل ورقيّة، كان يتلمّس الخطوات، يتعثّر هنا وهناك، يتهادى في مشيته، يهتدي الاتّجاهات بعصاه ويفسح بها الطّريق أمامه… هو كفيف… هكذا رأيناه وما جادلنا أمره ولا شككنا فيه…

كان البعض يشتري منه ويسلّمه المبلغ الذي يطلبه متظاهرا أنّه يتعاطف معه ويقتني منه شفقة ومواساة له ويراها آخرون فرصة ليشتري بكو المشوار بثمن أبخس مما يباع في السّوق… آخرون يشترون الموشوار ويعطونه مقابلا أكثر مما يطلبه…

” باكو موشوارْ، باكو موشوارْ بِمْيا ماعادِشْ بميتين ولا بميتين وخمسين…”

هكذا كان الكفيف صباح هذا اليوم ينادي وكان قبل هذا اليوم قد وقعت عمليّة ارهابيّة قد أقدمتْ فيها فتاة من مدينة المهديّة بعملية تفجير في شارع الحبيب بورقيبة ففجّرت نفسها أو فجّروها… هكذا كان الشّأن العام في البلاد وهكذا كان الجميع يتحدّثون…

هذه الاستفزازات التي سمعناها بين الرّجل الضّرير وراكب الميترو الذي هو في مثل سنّه لم نفهم سببها لكنّني لاحظت أنّ الرّجل الكفيف بعد تجاوزه الرّجل الذي يهاجمه بالكلام ظلّ صامتا لفترة وكأنّي به يرهف سمعه إلى كلّ كلمة تقال وإلى تذمّرات الرّجل ومن سانده، بعدها عاد إلى النّداء بنبرة مغايرة فيه غلظة وشدّة وتهجّم بعد أن كان فيها رقّة واستعطاف وتوسّل…

نحن لم نسمع ماذا قال هذا الكفيف للرّجل ولم نسمعْ أيضا منه تكذيبا أو محاولة تبرئة لنفسه لمّا صاح به الرّجل ويطلب منه أن يتأدّب ويحترم نفسه لكن بعد أن كان ينادي: “باكو موشوارْ…” صار يصيح: ” باااااكو موشواااااارْ… ” وهذا ما جعلني أشكّ في أمره إذا كان فعلا ضريرا أم هو يمثّل دور الضّرير؟

هذه الحادثة ذكّرتني بحادثة أخرى لمتسوّلة كنتُ أراها يوميّا في الصّباح وبعد الظّهر أمام حديقة الباساج تفترش الرّصيف شتاء وصيفا، قرّا وحرّا، كانت تُميلُ عُنقها إلى اليسار وتميل يدها اليمنى وتمدّها على الأرض وهي ملتوية فلا ندرك موضع مرفقها من أيّ جهة ولا زندها من ساعدها… فشكل يدها يبدو مختلفا عن الشّكل الذي خلقنا به الله سبحانه وتعالى… وأحيانا تغيّر المتسوّلة مكانها فنراها منبطحة أمام جامع الفتح بشارع الحرية خاصّة يوم الجمعة…

كانت هذه المرأة تثير فيك الشّفقة نظرا للحالة التي هي عليها فهي نحيلة جدّا، عظامها بارزة تكاد تخترق جلدها، عيناها غائرتان وكانتْ تضع أمامها علبة من البلاستيك يلقي فيها المارّة القطع النّقدية وكانتْ تدير رأسها ناحية العلبة كلّما ألقى أحد بقطعة نقديّة كأنّما تتفحّص قيمتها… ذلك شأن أغلب المتسوّلين حين يجود عليهم المارّة بمبلغ، يصمتون لحظة ويتوقّفون عن النّداء وينظرون إلى القطعة التي تلقى لهم…

كانتْ هذه المرأة على الرّصيف كما قلتُ وكنتُ أمشي على بعد أميال منها وفي رمش العين لمحتُ المتسوّلة تقف وتخطف متاعها: حذاء بال كان عند قدميها، علبة البلاستيك التي كانتْ أمامها، صِدار متّسخ كانت تلقيه على قدميها وحافظة نقود صغيرة معلّقة في عنقها، شاهدتها تطلق للرّيح رجليها، في البداية لمْ أفهمْ ماذا يحدث إلاّ حينما التفتتْ المرأة وراءها، التفتُّ مثلها فشاهدتُ رجلين بزيّ رجال شرطة البلديّة خلفها ويحملان الهاتف اللاسلكي في يديهما…

الغريب الذي لفت انتباهي وقتها ليس ركضها كالحصان إنّما يدها اليمنى التي كانتْ ملتوية كغصن يابس لقد تبدّل شكلها… وعادت إلى أصلها فهي سليمة ومستوية وليس بها أيّ اعوجاج…

ترى كمْ بقيتْ هذه المحتالة من الزّمن تتدرّب على هذه الحركة؟

غريب أمر المتسوّلين والشّحاذين …

هل نصدّق أنّهم مساكين…

أم نصرّح بأنّنا نحن المساكين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*