المحبّة أساس الوجود وجوهر الحياة… بقلم الكاتبة ليسا جادنر من اليمن.

هل من الممكن أن نمنع أطفالنا منذ حداثة سنهم، بل قل منذ نعومة أظفارهم على عدم البكاء أو الصّراخ ؟! يبدو من الوهلة الأولى أنّنا غير قادرين على ذلك المنع لسبب بسيط وهو أن الصُّراخ أو البُكاء عند الرّضّع والأطفال هما أولى وسائل التعبير والتواصل مع الآخر وهما وسيلتان طبيعيتان متجذّرتان عند الإنسان وكذا الحيوان. فالطفل في هذه المرحلة الأولى من حياته يسلك طبقا لما تمليه عليه السليقة والغريزة، لذلك لا نجد حرجا حين يقضّ مضجعنا في عمق الليل بصراخه ولا حتى حين يتبول علينا بدون ضابط أخلاقي لأنه ما زال يسلك وفق إملاءات حاجاته الطبيعية واحتياجاته الغريزية ولعل هذا السلوك التلقائي “الحرّ” قد يجعلنا نحن الكبار نَغْبط أو حتى نحسد هؤلاء الأطفال على تلقائيّتهم تلك وحريّتهم الطبيعيّة التي تجعل من المحيط كلّه لا يقوم إلاّ بتلبية حاجاته…  

لكن أين هي حياتنا وشكلها وأسلوبها من حياة هؤلاء الأطفال ؟! صحيح أن البكاء والصّراخ يلازمان الإنسان في كل مراحل حياته لكن شتان بين بكاء الطفل وبكاء الكهل وبين صراخ الرضيع وصراخ الإنسان!

ففي حين تتوقف هذه الحركة التعبيرية من صراخ وبكاء عند الأطفال في مستوى الحاجات الطبيعيّة الدنيا كالحاجة إلى الأكل والشُّرب والحاجة إلى النوم … نجد هذه الحالات عند الكبار تترجم وضعيات ذات منحى نفسي واجتماعي مرتبط شديدة الارتباط بما يعيشه الإنسان في يومه من تشكُّلات وصِدَامات وصَدَمات ومفاجآت بحيث يتحول البكاء إلى شكل من أشكال  التعبير العميق عن الفقد والظلم والقهر ويجسّد أيضا وضعيّات الخوف من كلّ ما يهدّد حياة الإنسان واستقراره كما يترجم أيضا معاناته وآلامه التي بقدر ما يحاول الفرار منها بقدر ما تتجذّر فيه ولا يجد لها مفرّا أو سلوى ومتنفسا إلاّ بالبكاء والصراخ…

وبقدر ما تكون حياة الطفل في أولى سنواتها هادئة ومستكينة ومشْبَعَة لأنها تقوم على ثنائيّة التعبير عن الحاجة بوسائل الطفل الطبيعيّة البسيطة واستجابة المحيط العائلي لهذه الحاجة مباشرة، بقدر ما تتعقّد هذه الثنائيّة في مرحلة متقدّمة من عمر الإنسان…! لأن الإنسان مضطر في هذه المرحلة المتقدّمة إلى الانتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة الاجتماعية أو المدنيّة التي لا تقوم على الوئام بقدر ما تقوم على الصّراع …الصّراع بين المتضادات والمتناقضات، بين ما نريد أن نقوم به وما نحبّ ونشتهي القيام به وبين ما يريده لنا المجتمع وما يفرضه علينا من ضروب الحرمان والمنع والتحريم وغيرها من الضوابط الاجتماعية والأخلاقيّة والدينيّة…إلخ وفي هذا المناخ بالذات تتشكّل علاقة الأنا بالآخر في أوج خصائصها وتناقضها في مستوى رؤية كل واحد منا للآخر فقد أهديك حبا فتقابلني بحقد وقد أضحِّي من أجلك فتستغل تضحيتي كعلامة ضعف … وقد تحبّني في الظّاهر وتُخفي نوايا المصلحة وتُبْطن دوافع الاستغلال… وقد يتلذّذ الآخر بانهيارك ودمارك في حين تجد شبيهه من الناس يساهم في إسعادك ويسهر على تلبية حاجاتك دون مقابل… فللنّاس مآرب قد لا نعلمها ولا تبدو لنا بوضوح لذلك تُعَلِّمنا الحياة أن الناس ألوان وأشكال ودرجات تواصل وأحاسيس مختلفة إن لم نقل متناقضة، هذا فيما يخص علاقة الفرد بالآخر وهي علاقة بيَّن لنا الواقع مدى تداخلها وتعقّدها ومدى جمالها وقبحها في آن واحد… فما بالك بعلاقات المجتمعات والبلدان في عصر سادت فيه الأداتية والمنفعيّة والمصلحيّة بحيث أصبح تقريبا المقياس الأوحد لاستمرار العلاقات بينها يقوم على ما النفع منها وما المكسب؟   

فما موطن الصراخ والبكاء في خضم هذه العلاقات المعقّدة بين الأفراد وبين المجتمعات والدول؟

قد يكون للبكاء والصراخ دورا إيجابيّا في التّنفيس عن كبت أو في التّعبير عن غضب وتفجير البركان الذي لم يعد له منفذ سوى الصراخ لتفريغ شحنات جد سلبية وتعويضها بما هو إيجابي لكن رغم ذلك علينا ألاّ نستعجل الصراخ ولا نجعل منه الحلَّ الأوحد. فمن غرابة الحياة أنها تقوم على منطق معكوس إذ نلاحظ أنّنا نسعى بكلّ ما أوتينا من قوّة ونسعى لاهثين لتلبية رغباتنا وقد نسير عكس التيار فنظلم ونحقد وننافس منافسة وسخة ولا نصل في الأخير إلاّ إلى سراب وخيبة مسعى.

لذلك يبدو التّروّي والاتزان النفسي والتوازن الاجتماعي الذي يكسبه الإنسان من معترك الحياة هو المَنْفذ الإيجابي لتخطّي سَوْءَات النفس إذ في الأخير وبنظرة معتدلة نشعر أن لا شيء يستحق وكلّ منا يأخذ ما حُدّد له قبليّا وتكون الإضافة إراديّة طالما أنّنا نتحلّى بخصال الحبّ والمحبّة والفهم والتّفاهم والسّهر على تخفيف أوجاع وآلام الآخر التي هي في آخر المطاف آلامنا وأوجاعنا.. وقد ينتهي بنا هذا التحليل إلى تأكيد مبدأ أول وأساسي وهو “بالحب نصنع المعجزات” فعلينا إذن في علاقاتنا الاجتماعية أن نقْدر على تغيير الكراهيّة بالمحبّة وعلى المستوى الدولي أن نعوض مقولة الحرب بمقولة السلم ونتبنى قيمة الحب بدل الحرب والسّهر على تكريسها واقعا وممارسة. فالحروب عسيرة وصعبة وخسائرها مُشِينَة ويكثر فيها البكاء والصّراخ… هناك مجتمعات تصرخ وتبكي يوميا واليمن أحد هذه البلدان التي ما تزال تكابد انعكاسات الكره والعنصريّة والهمجيّة الحربيّة والطّمع والأنانيّة والسّطو بجميع أشكاله البشعة.

إنّ الحياة ستستمرّ بك أو بغيرك وإن حياة الشّعوب مرت بفترات حرب وسلم لكنها بقيت صامدة وحقّقت ما حقّقت من التقدّم والتطور حين راجعت أخطاءها وتجاوزت كل ما من شأنه أ، يدمّرها ويدمّر كيانها فالمراجعة الذاتيّة للأفراد والشّعوب هو المسلك الوحيد لاستبدال حالة الحرب بحالة السلم..! فالإنسان منذ بداية ظهوره على وجه الأرض وهو يسعى إلى تجسيد الحق الكوني وهو الحق في الحياة لذلك رغم ما في الحياة من ألغاز ولعل أكبر لغز فيها هو هذا الإنسان المحب للحياة والمؤثّث لها هو نفسه المحب للآخر وليس الكره والحقد وبالتالي الحرب في معناها الواسع ليست سوى ظاهرة عرضيّة تستجيب لسَوْءات الإنسان الخفيّة.

إذن إن الحبّ هو قدرنا وحين يؤثّث إنسانيّا يصبح أصل كل إبداع والمقاوم لكل الصعاب والمتجاوز لكل العراقيل مهما كانت خطورتها…. وهو الدّافع الجوهري لتمعين الحياة وإعطائها ما تستحقّ من المعاني والصّور الجميلة… أنظر إلى إبداعات الإنسان عبر تاريخه وفي مختلف أشكالها وأنواعها وأجناسها كلها تجسيدا لمقولة الحب وحالاته بكل أطواره من الطور “الليبيدي الجنسي” إلى الطور الصوفي أو الأفلاطوني …لا شيء يُنجز حقّا إلا ب ومن خلال وعبر حالات الحب إن بوعي منّا أو بغير وعي. وقد يتنكر بعضهم لهذه الأطروحة فنجيبهم بالمعنى الذي أجاب به فرويد المحلل النفسي معصاريه الذين شنوا ضده حملة عشواء حين عبر أن غريزة الحب “الليبيدو”هي أصل كل سلوك وإبداع أجابهم بقوله “إنكم تمارسونه في السر وتتنكرون له في الجهر” ! ولنعلم أن “البكاء على الأطلال” عند الشعراء والأدباء هو في الأخير تعبير عن حرمان من الحب وإن وجد صراخ أو أنين إنما هو نتيجة الوجد والشوق والحرمان من غريزة الحب للمحبوب. ولعل معظم ما كُتب في الشّعر كان إعلاء لقيمة الحب ورغبة في الإشباع … فلنتعلّم من الحياة أي من الكتاب الكبير أن تحطيم مشاعرنا هو ضرب في الصميم لقيمة الحب والمحبّة، وأننا نحب لأننا نكره الموت ونرغب في الحياة …

لذا إن أردنا المضيّ قُدُما داخل معترك الحياة والصمود أمام الصعوبات فعلينا ألا نتعامل معها بمقولة المأساة بل بقيمة الحبّ فنحبّ الجميع وأولهم ذواتنا …واعلم ألاّ حياة حقيقيّة بدون محبّة وبدون ود وبدون عطف ومن غير مناجاة الرّوح للرّوح ومناجاة الجسد للجسد ونتواصل هكذا على نحو متصاعد ومتعالي حتى نبلغ مناجاة الروح الإلهية المشعة على كل مُحبٍّ والمجسّة لكل حبٍّ…إن الله جميل ويحب الجمال فهو أصل الجمال وغايته وهو الحبّ في ذاته ولذاته.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*