قراءة في رواية الرجوع الصادم للروائي إبراهيم رسول بقلم الأديب حميد الحريزي.

( إياك أن تحلم كثيرا فربما لن تجد من يصفعك لينبهك الى واقعك المأساوي الذي هربت منه ولا تقوى على التناغم معه ) ص/8.

المواطن العراقي من نيران الديكتاتورية الى مافيات الدم قراطية.

العنوان :-
عنوان الرواية (الرجوع الصادم)، مفتاح مهم من مفاتيح أقفال أبواب الرواية، وهي: ستة أبواب ( العودة للحضن، تحول، السير مع الألم، سأم، الطعن في الخاصرة، سيل اللعاب ).
فعودة (وسام) من أيران، بعد هروبه من الجيش الذي سيق اليه وهو طالب، للتو اكمل الدراسة الاعدادية، سيق للجيش دون استحقاق ليكون ضمن محرقة حرب الديكتاتور، بدل أن يكمل دراسته الجامعية كبقية الطلبة.
بدل أن يجد السلام والعدالة والرفاه من قبل القوى المعارضة التي كانت تدعي محاربة نظام صدام، واذا بها قوى فاسدة جاهلة، تحولت الى مافيات لنهب ثروات العراق، بعد أن نصبها المحتل الامريكي على كرسي الحكم تحت وصايته في العراق، كانت هذه الصدمة الاولى، اما الصدمة الاخرى فهو زواج شقيقه من زوجته (سعاد)، ظنا من اهله بأنه كان من شهداء الحرب ولا امل في عودته ثانية.
والصدمة الاخرى: رجوع زوجته الثانية (سحر) الى أهلها لإعلان التوبة، وطلب المغفرة، ولكن كان مصيرها القتل نحرا تحت ذريعة غسل العار …
تجريف القيم الإيجابية للفرد العراقي، وهذا ما لمسه من خلال وشاية (مجيد) بصديقه (حسن) ابن الناصرية؛ لأنه شتم صدام ونظامه أمامهم.
تنكر ولده له، انخراط صديقه المقرب وليد ضمن عصابات النهب والسلب المافيوي، تحول الجهلة والدجالين الى مراجع دينية، تتحكم بمصير الناس وثروات البلاد وحياة العباد، اكتشافه ان سحر كانت ضمن عصابة المافيات، وهي مرسلة اليه من قبلهم.
الروائي، ومن خلال سرده بضمير الأنا، كمن يسرد تجربة شخصية، وسيرة ذاتية لحياته خلال حكم الديكتاتوري وحكم الدم قراطية. وهي توثيق لمعاناة المواطن العراقي من قبل سلطات الحكم الفاسد، وسلطة المجتمع الظالمة، وثقافته الاقطاعية العشائرية السائدة.
تبدأ قصة وسام حينما اقتاده أزلام البعث الى الجيش الشعبي، على الرغم من كونه غير مشمول -كما ذكرنا في أعلاه- لأنه طالب. كان المجرم البعثي (عزيز) هو من حرض على اقتياده للحرب، هذا العزيز الذي تعرض للإذلال والقتل على يد ثوار انتفاضة أذار عام 1991جراء افعاله الاجرامية بحق الناس.
قرر(وسام) وأحد اصدقائه أن يهربا من الجيش صوب أيران بقيادة (جاسم)، الذي كان على ارتباط بالسلطات الإيرانية، وقد كان لهم ذلك، حيث رحب بهم الإيرانيون باعتبارهم مجاهدين ضد النظام البعثي الكافر الحاكم، وليقاتلوا الى جانب الثورة الإسلامية. وقد وصلوا الى مدينة قم بسلام.
كان (وسام ) يشعر بالاعتداد بالنفس، فلم يسلك سلوك رفاقه من العراقيين بمديح الثورة الإسلامية ورموزها، على الرغم من كونه شتم نظام البعث ورموزه، هو يمقت النفاق و (اللواكه) ومديح الأنظمة الحاكمة. وقد أستمر بالعيش في أيران حتى سقوط النظام الصدامي في 2003 على يد المحتل الأمريكي.
ليشهد مآسي الحروب، ومنها زواج نساء (الشهداء) والمغيبين من قبل أشقائهم وأقاربهم المقربين، على الرغم من كونهم أحياء، لدوافع منفعة مالية، وبدعوى الحفاظ على زوجة وأطفال الشهيد. كان يشتمهم جميعا، ويخرج هائما على وجهه، لا يعلم الى أين سيذهب بعد هذه الصدمة الصاعقة.
يلتقي بصديق قديم له (وليد) كان في هولندا وتزوج من هولندية، وقرر أن يرافقه لزيارة الشيخ (جاسم)، الذي – على الرغم من جهله – صار مرجعاً كبيراً، وأصبح ينتمي للنسب العلوي مرتديا عمامة سوداء، وصار من المتنفذين في الحكومة العراقية تحيط به الحمايات والحراسات والابهة، والناس تتزاحم لمقابلته ليحل لهم اشكالياتهم ومشاكلهم …
ينجح بمساعدتهم في افتتاح مول تجاري كشريك لهم في منطقة شعبية، وبذلك تحول من حالة الفقر الى بحبوحة من العيش واتسعت أعماله وتجارته، كان لا يستلم شاحنات المواد المرسلة للمول الا بعد انْ تمر بهم على الرغم من توقيعه على استلامها من قبله، فقد علم انَّها كانت تنقل ضمن البضاعة مواد ممنوعة ومنها المخدرات، ليكون هو المسؤول عن استيرادها واستلامها اذا كشف امرها ، رغم انهم يعلمون ان لا احد يتعرض لهم، والقانون رهن رغباتهم ولكن للاحتياط ..
بعد مرور فترة، يكتشف وسام انَّ هؤلاء عبارة عن مافيات اجرامية تتنافس على كرسي الحكم؛ ليكون وسيلة لنهب ثروات الشعب، فيتقاسموها بينهم وبين أسيادهم من دول الإقليم والخارج، وهو ليس أكثر من أداة يحركونها حيث يشاؤون، حتى من كان يظنه أنزه الاحزاب الدينية، الا وهو حزب العقيدة، تبين أن لا علاقة لهم بالدين ولا الوطنية ولا الانسانية، وانما جعلوا من هذه التوصيفات أقنعة لغش الناس البسطاء، وتخديرهم بالشعائر والشعارات والتباكي الكاذب على الائمة المعصومين عليهم السلام.
الشطر الثاني من حياته الخاصة كانت مع الشابة الفاتنة (سحر)، التي تعرف عليها في السوق الشعبي، عندما كان يبيع المواد الغذائية هناك، جائعة مشردة خائفة حزينة.. حيث كانت ضحية لعشيق في قريتها، اغراها وافتض بكارتها، وحملت منه سفاحا، ولم يفِ بعهده بالتقدم لخطبتها، بل تنكر لها تماما، مما اضطرها للهرب خوفا من الفضيحة وخوفا من انتقام والدها الشيخ العشائري صاحب الهيبة والنفوذ في منطقته، تهرب الى بغداد لتقع بيد احد السواق، فيرعاها وينفق عليها مقابل التمتع بجمالها ويشبع رغبته الجنسية منها، ثم يرميها في الشارع بعد أن سئم منها.
ينتصر لها وسام انتصار الفرسان النبلاء، ليرعاها ويسكنها في شقته الخاصة، ويؤمن لها احتياجاتها، ولم يقترب من جسدها طيلة اشهر من العيش المشترك، حتى اقنعها بالزواج منها بعقد قانوني في المحكمة، لتعيش في كنفه وهو مذهلا بجمالها وطيبتها وورعها واطاعتها وحبها له، استولدها طفلا من صلبه…
بناء على الحاحها بالذهاب لأهلها لطلب المغفرة والعفو وهي بصحبة زوج على سنة الله ورسوله، لكن كل توسلاتها وتوسلات زوجها وصراخ طفلها لم تشفع لها وقتلت نحرا من قبل ابيها واشقائها، في حين ضرب وسام ضربا مبرحا حد فقدان الوعي، وفاءا لها ذهب الى اهلها، واجبرهم تحت تهديد السلاح بان يدلوه على قبرها، فنقل رفاتها الى مقبرة وادي السلام ليدفن معها شوقه واحلامه.
ولكن الصدمة التي تلقاها حينما علم انها كانت مرسلة من قبل المافيات لتساكنه وتعاشره بطلب منهم، وهنا يثار سؤال من قبل المتلقي: ما هو الدور الذي كلفت به سحر مع وسام؟ وماهي الخدمات التي كانت تقدمها للمافيات؟ ولم تكن تخرج من شقة وسام، ولم تطلب منه، او تفرض عليه اي أمر يصب في مصلحة العصابات!! اسئلة لم يجب عليها الراوي في الرواية.
بعد أن اطلع وسام على نفاق وتبعية ومافيوية القوى والاشخاص الذين كان يتعامل معهم، ويتظاهرون بمظهر التدين كمراجع دينية، اعتلوا مناصب مهمة في الدولة باعتبارهم من معارضي النظام السابق ومن جلبهم المحتل الامريكي على دبابته، قرر ان يترك العراق ليعيش في مكان آمن، فاختار بيروت، لتكون محل اقامته وسكنه بعيدا عن العصابات المتنافسة في عراق جريح، مسلوب الأمن منهوب الثروات.
(لدي تجارب فاشلة مع اولئك الذين ينتهجون النزعة الاسلامية في منهجهم ولكني ألفيتهم شر خلق الله… الذين عرفتهم لأكثر من عقدين من الزمن وكنت اتصدق عليهم ببعض الفتات أصبحوا ولاة الأمر وبيدهم ولهم الصدارة في كل شيء) ص/184-185.
هذه الخاتمة تؤشر أن لا خلاص للنزيه والانسان المستقل والوطني الشريف الا بالهرب من البلاد ليعيش الغربة والتشرد، حيث تمسك المليشيات والمافيات بالسلطة بقبضة حديدية، ولا يمكن أن تتخلى عن السلطة التي تدرعليهم ذهباً. وما تعيشه فئة واسعة من الشعب تحت سيطرة الخطاب الديماغوجي لأدعياء الدين،
(الناس تحب الأصنام ومن لم يجد صنما يعبده ويمجده، هذه النزعة الصنمية تصاحب الطبقة الجاهلة التي لا تعرف من دنياها الا أن تتخذ زعيما يقودها كالأنعام، وربما أظل سبيلا) ص/70.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*