من ذاكرة الذات إلى ذاكرة الكتابة….. (قراءة في نص توجس للكاتب الليبي فتحي نصيب) بقلم الكاتبة فتحية دبش من تونس.

يقال كثيرا -ودائما- أن الكاتب يكتب لينسى وذلك من خلال تحويل عملية الشعور أو الإدراك أو التفكير إلى عملية انسكاب على الورق أو على الاجهزة بحيث تصبح الكتابة ذاكرة يغلقها الكاتب ويفتحها القارئ فتحا متعددا…
وتستمر هكذا بين فعل الفتح والاغلاق دون أن يكون الكاتب الحامل الوحيد لعملية الشعور والإدراك والتفكير، بل تتحول كنوع من الداء والدواء منه إلى قارئه دون شرط الزمان والمكان. وهكذا تتحول الكتابة من محاولة النسيان إلى عنف التذكر إذ ينزع الكاتب من ذاكرته ليضع في النص ذاكرة متحولة متنقلة تنفصل وتتصل دون أن تستقر بشكل نهائي ومستمر.
وفي نص توجس الذي ومنذ العنوان يشي بطبيعته السيكولوجية -بنظري- لا تبدو الكتابة مجرد حالة نزع وإنما هي أيضا حالة لبوس شيد لها الكاتب عبر برنامجه السردي الذي نجح إلى حد بعيد في النفوذ إلى مناطق أخرى من الفنون بغرض بناء صورة تجريدية لحالة التوجس التي لا يختص بها البطل السارد وحسب وإنما تمتد أيضا إلى شخوص النص الأخرى وهي الرجل ذو النظارة السوداء في مستوى أول والقارئ في مستوى ثان.
في محاولة لتتبع البرنامج السردي للنص توجس يمكن رصد التحولات التي يجريها الكاتب على شخصية البطل والشخصية المقابلة لها في النص وكذلك عمليات التوسيع والتضييق للأطر الزمانية والمكانية ندرك وجود مقومات القصة القصيرة القائمة على وضع البداية ووضع الوسط ثم وضع النهاية ولكنها أوضاع تتعدد وتتكرر وكأنما للنص أكثر من وضع بداية وأكثر من وضع وسط وأكثر من وضع نهاية مما يجعلها تنفتتح على أجناس فنية أخرى.
ينبني وضع البداية نفسه على خلخلة الهدوء، إذ نلاحظ جملة من الأفعال التي تشي بالتحولات:
يقول: “كنت سائرا في أمان الله سارحا في ملكوته،” في هذا المقطع نتبين أن الكاتب اعتنى بالزمن النحوي الذي قدمه في جملة إسمية والحدث فيها هو حالة من الطمأنينة النفسية ليس تجعله يسير فقط وإنما أيضا يسرح، بمعنى موت الرقيب الذاتي والموضوعي إلى درجة التماهي مع اللحظة الزمنية واللحظة المكانية التي عبر عنها الكاتب بملكوت الله كناية عن الاتساع وانعدام الجدران والحواجز والحدود وهو الحالة الوجدانية التي تنبني على علاقة انسجام بين الإنسان والزمان والمكان بحيث تسمح بالخروج عن الأطر والسرحان في ما لا حدود له زمنا ومكانا.
حالة الهدوء هذه أو وضع البداية يمكن اعتبارها مقطعا سرديا متكاملا كثيف اللغة والمعنى. هذا الهدوء الذي سوف يتخلخل بقوله:
“إلى أن اصطدم بكتفي رجل أصلع يرتدي نظارة سوداء،” في هذه الجملة نلاحظ التحول والخروج من حالة الهدوء إلى وضع التوتر وقد اختار له فعل (اصطدم) بكل ما تعنيه من معنى التحول والعنف والمباغتة.
على مستوى الشخوص أيضا نغادر شخصية السارد البطل وتتحول العدسة اللاقطة إلى الشخصية التي تدخل مسرح الحدث فيصفه بقوله أصلع/ يرتدي نظارة سوداء. وبذلك يخرجنا الكاتب من الشخصية الوجدانية التي كانت داخل الجسد وخارجه في حالة تماه مع المكان والزمان إلى الشخصية الفيزيولوجية التي تحاول أن تختبئ وراء النظارة السوداء ولكنها تبقى عارية مرئية تنسجم مع ما في الذات الإنسانية المسكونة بالذنب دون ذنب وبالخوف من الآخر في صورته النمطية. صورة نمطية لهذه الشخوص التي لا يرغب أحد في اللقاء بها لما تثيره من ريبة لصيقة ببعض المهام أو المهن التي سنكتشفها حين التوغل في النص.
لكن حالة التوتر هذه توازي حالة الهدوء. فالوضع الطبيعي أن يثير الاصطدام بشخص هذه صفاته حالة من القلق سيعبر عنها الكاتب بالابتسام. في قوله:
“ابتسم لي فابتسمت له” ويصبح الابتسام هنا في ظاهره حالة هدوء ولكنه في الباطن حالة توتر تشي بما يعتمل في الذات من أسئلة مشتركة على اعتبار أن الابتسام لغة تعبر عن اللحظة المتوترة الناتجة عن هذا الاصطدام. حالة من الانفعال الناتج عن التفاعل بين الشخصيتين وهو تفاعل ينكتب في منطقة الاهتزاز النفسي أو العصاب.
أما الجملة “ومضى كل منا إلى حاله.” فنلاحظ من خلالها أن الكاتب يصنع لحظة انحسار حيث يقع تجميع الذات في الشخصية ويقع استرداد الزمان والمكان عبر الكلمة” حاله”. وهكذا نعود إلى حالة الهدوء في النتيجة او قفلة الاستهلال حيث تعمل كل هذه الجمل الفعلية على استعادة الذات والمكان والزمان والشخوص من وضعية المطمئن إلى وضعها القلق والذي هو تحقيق للتوازن الحقيقي للشخوص التي اوهمتنا في البداية بحالة من الهدوء لم تكن إلا قناعا.
هذا البرنامج السردي سيتواتر في كل النص وبنفس البناء:
مقطع أول مكانه المقهى بكل ما يعنيه في حياة المجتمعات من معاني اللقاء والحميمية والممارسة الثقافية. والخبر فيه يتعلق بلحظة هدوء تنبني على فعل الاختيار بما هو فعل وعي. ولكن الكاتب يضع هذا الفعل الواعي في منطقة التعود والعادة واللاوعي، وبذلك يخبرنا شيئا جديدا عن سيكولوجية الشخصية. شخصية مسكونة بالخوف إلى درجة أنها حتى في المقهى تركن إلى ركن قصي وظهرها إلى الجدار وهو ما يحيلنا على مفهوم الاحتواء في علم نفس الطفل. ذلك أنه من عادات الشعوب الاستجابة لحالة التوجس/ صدمة الانفصال عند الولادة التي يعيشها الطفل منذ انفصاله عن جسد أمه إذ يقع لفه واحتواؤه بتقليص الفضاء من حوله. وهي أيضا شخصية قلقة وقد عبر الكاتب عن ذلك بتصويره الشخصية وهي تقفز على الصفحات في الجريدة. هذا القفز على الصفحات يبدو وكأنه تعبير عن حالة هروب من الاهتمامات) الأدب، السياسة، الفكر، الحياة، الموت…) التي تجلب المتاعب في بعض المجتمعات. فالبطل السارد ليس يهرب فقط من الرجل الأصلع وإنما يهرب ايضا من كل غواية تحيي فكره النقدي ويتشبث بالجدار فيمنحه ظهره بحثا عن الحماية والأمان. حالة الهدوء هذه يخلخلها طارئ يتمثل في دخول الرجل الأصلع. هذا الطارئ يعلن عن توتر ناتج لا عن حدث اللقاء كفعل وإنما عن حدث اللقاء كحالة نفسية تستدعي التمثلات التي تختزنها الذات عن الآخر.
مقطع ثان يتمثل في قرار السارد تغيير مقهاه والذهاب إلى مقهى آخر إلى حين يخلخل قدوم الرجل الأصلع. وأما المقطع الثالث فيرصد فعل تكرار التلاقي بين الرجلين.. وأخيرا المقطع الرابع والأخير حيث يتعلق الخبر بالنهاية أو القفلة حيث يتكرر حدث التلاقي وتتغير النتيجة. فإذا كانت المقاطع السردية الأولى تفضي إلى نفس النتيجة وهي محاولة الفرار من اللقاء بهذا الأصلع صاحب النظارة السوداء فإن النتيجة في المقطع الرابع مغايرة فالسارد لم يهرب ولا الرجل الأصلع هرب وإنما حلت المواجهة محل الهروب حيث قام الأصلع وهو في حالة توتر قصوى عن احتجاجه على الآخر الذي يتمثله رقيبا عليه. فكأن الحالة التي كان يعيشها السارد هي نفسها الحالة التي يعيشها الأصلع، وفي ذلك تحقيق لمبدإ الانعكاسأو المرآة في علم النفس.
يحتج الأصلع على الآخر/ المراقب بقوله: “مواطن بسيط يحب الرئيس والحكومة ولديه اولاد…” وهنا يتضح أن المعاناة هي معاناة مواطن مصنوع على مقاس السلطة. مواطن لا يحب الوطن إلا من خلال حبه للرئيس وللحكومة، مواطن لا يكتفي بحب الرئيس والحكومة بل يساهم بشكل فعلي في صناعة وتفريخ مواطنين مدجنين تماما كما يرغب الحاكم وبالتالي ينفي عنه كل تهمة وكل حجة تبيح مراقبته.
غير أن هذه المواجهة كنتيجة مغايرة عنها في المقاطع التي قبلها ليست بالضبط حدث النتيجة وإن كنا بصريا نقرؤها على أنها مقطع الانفراج والنهاية. ولكنها تمثل مقطعا سرديا آخر يكرر حالة الهدوء والتوتر.
وهكذا فإن الجملة [وذهب مسرعا] أعتبرها المقطع السردي الأخير حيث العودة إلى الهروب من جديد.
هذا البرنامج السردي يقوم إذا على تقنية التكرار الجزئي [نفس الحدث، نفس النتيجة نفس الشخصية المهتزة ونفس الحالة النفسية المتوجسة وفي المقابل ليس نفس المكان ولا نفس الزمان] ذلك أن حالة التوجس هذه في نهاية الأمر لا تتعلق بالشخصية كشخصية مادية وإنما بالشخصية في بعدها المعنوي المتعلق بما يمكن أن يسمى المواطن في بعض أصقاع الدنيا حيث هي شخصية عصابية متوترة متوجسة قلقة وخائفة وبالتالي منغلقة على نفسها تتكرر بتكرر الوجوه. فالسارد البطل هو كل مواطن والرجل الأصلع ذو النظارات السوداء هو كل مواطن أيضا وهو في حالة فرار مستمرة وحالة بحث عن التخفي والتواري والهروب والبحث عن الأمان مستمرة، وهذا التوجس ليس فقط توجس الشخصية وإنما هو توجس السلطة ايضا التي لا تنام مخافة أن يوجد في مكان ما أو زمان ما مواطن يثور على التدجين وهو توجس يحوله الكاتب من ذاكرة الشخصية إلى ذاكرة النص.
ختاما نلاحظ تنافذ الأنواع الفنية في القصة القصيرة توجس التي كانت وفية لنوعها دون أن تسجن نفسها فيه فقد استعارت من فن السينما المشهدية ومن الشعر الايقاع ومن القصة القصيرة جدا السقوط على الحدث في الاستهلال مما يجعل النص توجس نصا تجريبيا بامتياز‏.
فتحية دبش، تونس- فرنسا
استاذة اكاديمية حازت روايتها (ميلانين) على جائزة كتارا 2020

نشر بمنتدى (إضاءات سردية)، 21 أبريل 2021
https://www.facebook.com/…/permalink/200112451704105
”توجس“… (قصة قصيرة بقلم/ فتحي نصيب)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنت سائرا في أمان الله سارحا في ملكوته إلى أن اصطدم بكتفي رجل أصلع يرتدي نظارة سوداء. ابتسم لي فابتسمت له ومضى كل منا إلى حاله.
دخلت المقهى، اخترت ركنا قصيا،منحت ظهري إلى الجدار وهي عادة متأصلة في آخر نفق في أعماق اللاوعي، طلبت قهوة وشرعت بتصفح جريدة بادئا من صفحتها الأخيرة، قافزا على صفحات المطبخ ووصفات الطعام وصفحة الحكم وتهذيب الأخلاق التي لا ينتفع بها أحد مرورا بالرياضة والأبراج والوفيات والتهاني.. وصولا إلى الصفحة الأولى المكرسة بالكامل بأخبار تبدأ بـ (التقى – تلقى – استقبل) والتي تجمع على أن رؤساء وملوك العالم كلهم لا شغل لهم سوى مخاطبته وطلب مشورته والاستعانة بحكمته لحل مشاكل بلدانهم الداخلية والخارجية.
لفت انتباهي مقال مترجم عن أساليب المخابرات العالمية في الحرب الباردة، حينها دخل الأصلع الذي يرتدي النظارة السوداء،اختار طاولة بالقرب مني فشعرت بتوجس ولكنني واصلت القراءة عن أسرار (السي اّي ايه) و(الكي جي بي) وتساءلت في دخيلة نفسي :هل هذه صدفة أن يجلس بجانبي الأصلع ذو النظارة السوداء بعد حادث ألطريق؟.
قررت صباح اليوم التالي أن أغير المقهى، فاخترت واحدا آخر يقع في زاوية الشارع الموازي للمقهى السابق، جلست كالمعتاد موليا ظهري إلى الجدار وأخرجت الصحيفة،عندها دخل الأصلع بنظارته السوداء وجلس إلى طاولة بعيدة موليا ظهره لي، بدا الشك يتحول إلى يقين، ففي علم الإحصاء إن الصدفة تتحول إلى قانون إن تكررت، تساءلت: ترى كيف يتمكن من مراقبتي وأنا خلفه؟.
رفعت الصحيفة لأغطي وجهي، انتهزت فرصة انشغاله بالحديث مع النادل فخرجت مسرعا بعد أن تركت ثمن القهوة التي لم أشربها.
تكررت المصادفات:مرة في شارع جانبي،وأخرى في سوق الخضار،وثالثة رأيته أمامي في طابور أمام مخبز فانسحبت بهدوء، صرت أتلفت ورائي، وأتعمد الوقوف دقائق أمام واجهات المحلات التي تعكس صور المارة خلف ظهري.
قررت بعدها ملازمة بيتي لعدة أيام…
في عصر يوم الجمعة اخترت مقهى يبعد عدة كيلومترات عن منزلي، قصدت ركنا قصيا وما إن هممت بالجلوس حتى فاجأني الأصلع بنظارته السوداء يترك طاولته ويأتي نحوي طالبا مني بتذرع أن أتركه وشأنه شارحا بتوسل انه مواطن بسيط يحب الرئيس و الحكومة ولديه أولاد.. متسائلا: لماذا تراقبونني ؟ وذهب مسرعا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*