حمو* ولد لالة نونجة* في حضرة أهل سوسة*بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.

‎ إذا طرأ على البال أن تزور أزغنغان، أو تشد إليها الرحال، لا تتردد، في الطريق حفلة من المغامرات الشيقة و المعارف العريقة و علامات التاريخ بارزة على جبالها المحيطة وأبوابها المشرعة على العالم . ‎ليس في الطريق إلى أزغنغان ما يحجم و ما يخشى، ولتكن في نفسك مرة، رغبة السمر مع أهل لالة نونجا، والصعود إلى أزروهمار من حيث تبدو المدينة منسابة تتسربل ألوانها المعدنية تحبو نحو مارتشيكاالأبيض المتوسط. ليس فيها ما تأباه إذا تعالى فكرك على الحثالة و الرعاع والأوباش…ولا ما تخشاه من كائنات الضغينة و طغيان المردة و قطاع الطرقات…كل أهلها طيبون لولا لعنة القدر وإجحاف التاريخ ! باب الدخول والخروج إلى الغابة، الذي أقفل منذ الروگي بوحمارة وعمي يحيى إلى أجل غير مسمى قد عوض ببابي البحر و الجبل، مصدرا الهواء والإلهام. أسواقها المحلية واسعة تعج فيها بضاعات دولية متنوعة، من بردعة وفردة حلفاء إلى قطع الغيار و ورق الكوك والكتب وأصناف العطور… تأتيها من كل حدب وصوب. ‎و إذا وجدتها فقيرة من وجه ما (!)، فهي لن تستجديك حتى يكون لثلة مثقفيها و عمالها وفلاحيها مرتع بين النجوم أو بجانب الشمس، هم أصلا يتطيرون من العين ينفرون من الأضواء الكاشفة، يميلون جهة الظل حيث يستشعرون الراحة و الطمأنينة في كنف حبيبتهم الأزلية نونجا، غير أنهم دائما على أهبة منحك لذة الروح بأريحيتهم وتسامحهم وبقصصهم وأغانيهم و سلسبيل عرقهم. ‎منذ أن دشن خطواته الأولى وعلمته أمه النطق ب: “أنا”، تربى على الشهامة والأمانة والحرص على تخوم القبيلة. سافر وزار مدنا كبيرة وصغيرة، و جرب وسائل مواصلات كثيرة وكان يحس في كل تنقلاته بشيء يشده إليه، شيء مشوب بالحيطة و الحذر شيء قد ترسخ في الذاكرة بسبب كثرة التجارب … هذه على سبيل المثال والدليل قصة زيارته لأهل بيت سوسة في مدينة الظلام و جلب الماء من بعيد. ‎لما نزل بباب الأحد و التفت حوله أحس توا بغرابة متسللة في ذاته لأن الاختلاف و الفرق صار يقفز إلى عينيه من كل مكان !، فالأشجار ليست أشجاره و العمران و الطريق والأزقة ليست كذلك… و الواقع أنه وجد نفسه كالغريب في الديار (!). تأمل ثانية حواليه فلم ير غير بيوتات متفرقة ينبعث منها بصيص خافت من النور تحوم حوله ظلال هياكل بشرية باهتة، وهناك، حول البيوتات تلك، و على الأرصفة و في الهوامش وطول ناطحات الأرض كان يبتلع الظلام كل شيء. ذرع حمو دروب حسان في اتجاه بيت سوسة و في المسير كانت تتناهى إلى أذنيه جلبة و لغط يتعالى من النوافذ و شقوق البنيان محدثا ضجيجا ترتعد له فرائص الأرانب و الفئران.
‎لا تكون الفوضى إلا في الظلام، هكذا فكر حمو، وخيل إليه أن الأصوات المصطخبة لمارد ملأ الجو يهدد كيان الآدميين بتقويضه عن آخره… هلع في محاولة الاقتراب من مصدر الضجيج، خائف أن يبتلعه فيصير مصيره إلى أي احتمال، قد تدوسه الأقدام لعدم تمكنه من المعاملة مع هذا العالم الغريب القريب (!)، و من يدري، فقد تجود عليه السماء بما يلفت الانتباه و الاهتمام فيأنس به الأطلسي بمن فيه. لكن نونجا ما فتئت ترسم لحمو حدود السماحة وخطوط المسافة، فيما كان هو يلح على اقتحام بيت سوسة من حيث تصدر أصوات و ألحان و أوزان وألوان شتى اختزل بعضها البعض فتمخض عنها صوت واحد يجمع بين دوي الرعد و عاصفة الصحراء والمد الهائج من المحيط إلى الجحيم.. صوت فاق مستويات السماع.. فلم يسمع.
‎ هذا الظلام، ليته ينقشع، ليته ينحل هذا الموقف الرهيب و تنار الدروب و الشوارع، و يخيم الهدوء. فإن حمو جاء إلى هنا كي يعرف الجمهور بقصة نونجا الخالدة، كيف استطاعت أن تنقذ السلالة و في المحنة كيف كانت تحن إلى الموطن الأصلي و تغني للأهل من فوق صخرة بوغربية:
‎”أُعْرا أعْرا يا ثـَزْروتْ ن بوغْريبا
‎أَذْزارَغْ ثَدّارْثْ ن يَماّ ذْ بابا
‎ثايّا ثَذْوَرْ ذْ رْحورّا
‎رْحورّا ثَذْوَرْ ذْ ثايّا”. ‎ود حمو لو يطاوع الجبال.. يدحيها أو يفتتها و يشكل من تضاريسها تربة خصيبة يبيضها سماد روحه و يغرس فيها ما تيسر من ورد الخزامى يتبادله عشاق نونجا تيمنا و فألا بموفور الخير والحب والبنات و البنين. أنى كان المسير
‎ سيظل رهين الشتات، كيف يعتب إلي بيت سوسة و أهله سكارى قد شربوا الحروف حتى الثمالة (…) هل الدخول من باب المديح و التشدق بالضاد، أم من ممر الدفاع عن نفس الخطاب و احتراف جنون الكلام؟… ثمة في رأس حمو احتمالان كبيران لتفسير علاقته بأهل بيت سوسة: إما أن هؤلاء قد ألفوا القوقعة و صار الضجيج جزءا من حياتهم فهم لا يسمعون ولا يرون أحدا خارج الدائرة! وإما أنهم يتمترسون وراء جدار سميك يفصلهم عن المتوسط و قد صدّ عنهم صوت حمو فاستعصى اختراقه!. و لعل الاحتمال الثاني هو الراجح !!! لذلك كله؛ استعاد حمو ولد لالة نونجا لاشعوره الإثني ورمزه الطوطمي فقرر المرور إلى الفعل.
‎شن على باب بيت سوسة، دخل، لفت العيون و توقف الحاضرون عن فعل ما كانوا يفعلون و سكتوا برهة قبل أن يتوجه نحوه شاب في متوسط العمر وسيم ذو لحية مشذبة بعناية له خدان ممتلئان دما و عينان مشتعلتان بالرغبة في المعرفة و انهيار الأنظمة إلا نظامه ! وقد لقبه أصحابه ب: “بركليس* مجتمع الفكر”.
− أهلا، أهلا بالأديب حمو ، تفضل صديقنا . و قبل أن يبدأ في تقديم الضيف لندمائه، استدرك شيئا أساسيا في علاقته بحمو.
− أعذرني يا صاحبي إذ لم أبعث إليك بالجواب على رسالتك، أنت تعرف كثرة الأشغال .
− (…).
‎و بدأ الحاضرون يتعرفون على حمو بينما كانوا يسترجعون أصداء كلامهم و لغوهم، فيما سأل أحدهم صديقه:
− شكون حمو، شكون نونجا؟
‎نونجا، إسمها الحقيقي لالة نونجا، كل الأهالي استلهموا سيرتها فقدسوها، ذاع صيتها في كل الأرجاء و الأقاصي. أنجبت نسلا عرمرما كلما ضاع منها ولد عوضه ولد، غرست الزيتون و فرخت الحمام، توالت عليها الأجيال و الأحوال وأثقلت كاهلها صروف الدهر وعوائده، و حمو؛ الابن البار يرقبها من بعيد و قريب كديمة صيف ممانعة تجحف بها الرياح ذات الشرق و ذات الغرب و تلقي بها وسط ركام الشك والحيرة…ليست سهلة المنال و لا صعبة على كل حال. وكذلك كانت عبر مراحل عمرها تسري في الوجدان، تعيش في الأعماق.. لكنها لم تلبث قليلا حتى أضفت فوق سرائر حمو وكل أقران حمو تجليها، لتعلن وجودها و صحة ثباتها. و هكذا رغم المصائد والمكائد، ورغم الذي مورس عليها من اللامبالاة والتهميش.. اتخذت من شعار إرادة الحياة مبدأها و قررت الانتماء إلى أرض وأنام متساكنين متعاصمين قاسمهم المشترك نونجا و احترام إرادتها في حق الانتماء إلى مبدإ اتضح أنه الصواب عينه، مبدأ اجتازت لأجله زمنا قاسيا أيقظها من سباتها العميق و ألبسها رداء التحدي لتخلق إنسانا حرا لا يخضع لغيرها ثم تنصهر في كنف الإنسانية.
‎ لا يزال حمو مسافرا، و الحافلة التي تقله عائدا من مدينة الظلام وجلب الماء من بعيد تتحرك بكل من فيها و تشق طريقها بإصرار.. و حمو منذ تهجي الأبجدية الأولى للتاريخ، لا يزال يرى إلى الطريق معوجا أمامه. و تحرق الحافلة السائل الناري، تتسرب كالأفعى في المنعرجات الخطيرة، فيما يتمايل جسمه فيحاول جاهدا التمكن منه في خضم التضاريس الوعرة و الهواء الملوث بفعل الإيديولوجيات(…). كي لا تصعد رائحة النتن من الرؤوس لابد لحمو من اختراق جدار الصمت، لابد من خلخلة الجاهز والمعروف من المعطيات، لابد من غربلة الأفكار المسبقة ولابد من تجاوز أوراش الفكر الضال و وضع الحصار على تموين المقاولات الثقافية الزائفة و المشوهة و الناقصة.. في أفق صناعة ثقافة وطنية ديموقراطية أمازيغية عربية إنسانية تقدمية. فإن حمو، طالما حلم بوطن السدود و سحر الخدود، و رفع من أجل ذلك قبضته عاليا.. و هاهو الآن يكابر و يكابد في دفع القروض واستفحال الأزمة و الجوع والخوف على لسان أمة. من حسن الحظ أن حمو أحد ذريات لالة نونجا الذين علمتهم و أرضعتهم كل محنها السابقة، محن أرضها و ناسها، فأكسبتهم قوة و مناعة ضد الأعداء في القضاء على ما قبل آخر أجيالها و عشاقها المتيمين. وحمو من أجل أن تستعيد نونجا نشاطها المعهود و تعود إلى زيتونها و حمامها و تحتفل بصباحها وسهرتها.. زرع دمه و روحه و أحب السفر فطوق أمه بكل ما يملك، ضدا على استساغة ما تبقى من جذور و فروع. لازال الطريق طويلا والمخاطر في الرأس كثيرة. لو مررت إلى أزغنغان، رافقتك السلامة وليكن لك فيها أطيب المقام.

‎ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-حمو اسم علم مذكر أمازيغي قديم ومع تراخي الزمن صار يحمل معاني النية والغباء والبلادة.
2- نونجا اسم علم أمازيغي أسطوري كان يطلق على المولودات الإناث وصار إلى الانقراض.
3- سوسة زنقة في عاصمة المملكة المغربية حيث مقار اتحاد كتاب المغرب بجوار صومعة حسان ليس بعيدا عن باب الأحد التراثي
4- أزغنغان مركز حضري أسسه المستعمر الاسباني لوفرة الثروات الطبيعية المعدنية بشكل خاص وهي أيضا عنوان الكفاح من أجل الحرية والجهاد الذي قاده الشريف محمد أمزيان.
5- مار تشيكا بالإسبانية تعني البحيرة الصغيرة واسمها الأهلي والأصلي هو سبخة بوهرگ.
6- أزرو همار جبل مشهور يطل على بلدة أزغنغان والناظور والنواحي وهو جزء من تضاريس جبلية تدعى گوروگو وامتداد لسلسلة جبال الريف الشرقية.
7- إسري إسري بي يا صخرة بوغريبة
حتى أرى أمي وأبي
قد صار العبد سيدا
والحر انقلب إلى سبي !
8- الخزامى نبات وفير في مدينة الحسيمة ومنه جاء اسمها.
9- بركليس حاكم يوناني قديم عرف بعدله وديموقراطيته وحبه للنخبة المفكرة.

ملحوظة:
هذا النص كتبته وسط التسعينيات وقت كان محمد الأشعري وسدنته يدبرون شؤون اتحاد كتاب المغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*