زاوية الحنصالي بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.

يحكى، والحكاية صارت الآن من الماضي، أن قرية ريفية هادئة وسط أدغال بوعرك، حباها الله بكل الخير، يعيش أهلها على فلاحة الأرض الخصبة بمياهها الجارية ويقطفون ثمار أشجارها العريقة، يستغلون حيواناتها ويربون أولادهم وبناتهم على التقليد والحفاظ على التراث ضمانا لاستمرار الحياة وتحقيقا للأمن والاستقرار. ولا تزال القرية على عاداتها الطبيعية حتى صار بائع متجول يدعى “الحلوتشي” يتردد عليها فوق أتان محملة بأنواع من السلع والمشتريات من كحل وسواك مفتول معقود في شرائط من الدوم وعلكة وعود الأرك المستورد من مكة والحجاز ومرهمات ومشط مصنوع من ضهر السلحفاة ومرايا متنوعة الأحجام ذات الإطارات البلاستيكية الصفراء والخضراء، وغير ذلك من الحلي وأدوات الزينة، يقايضها بالصوف والحرير والأواني النحاسية والمعدنية الأخرى… كانت البداية ذات يوم من أيام الصيف الرمضاء، بينما أهل القرية خارج بيوتهم الطينية المتواضعة في الحقول والمزارع يقومون رجالا ونساء بأشغال الحصاد وجمع الغلات… تسلل الحروتشي من المدخل الشمالي للقرية؛ تكاد الأتان لا ترى من تحته لصغرها ولكبر الشواري وطول رجليه المتدليين المحاذيين للأرض، يمتطي طورا ويترجل طورا، يمشي أمام وخلف الأتان، يلتقط شيئا يتفحصه ثم يضعه في مكان من الشواري ويواصل المسير. من هناك، على ربوة حيث ينتصب بيت بقبة خضراء، جوار شجرة ضخمة سامقة وارفة الظلال، بيت اتخذه أهل القرية منذ زمن معلوم مزارا يتبركون به ويتوسلون وقت الحاجة، وكانت “المقدمة حلومة”، إمرأة مثخنة تقوم بشؤون المحافظة عليه دأبا على سيرة أسلافها المنحدرين من طوطم الضريح حسب روايتها… من تلك الربوة كانت المقدمة لا تبرح برجها؛ تراقب مداخل القرية كلها وتستقبل الزوار عادة كل جمعة.ما أن تناهت إلى أذنيها نقرات حوافر الأتان الصغيرة حتى كانت واقفة بباب المزار تستقبل الحروتشي الذي طلب منها مباشرة ماء قبل أن يترجل ويحتمي بظل تلك الشجرة العريقة من أشعة الشمس اللافحة.أزاح القبعة السوداء فتدلى شعره الأشقر وبشرته البيضاء الناعمة الكاسية وجهه ذي الملامح الجميلة؛ عينان زرقاوان وجنتان حمراوان وشفتان… إلا ذلك الأنف المقوس إلى الأرنبة. عادت المقدمة حلومة بالماء والخبز واللبن ثم ناولته إياه فأشار لها بإلقاء نظرها على بضاعته الجديدة. وبين تقليبها في أشياءه وتحاورهما، كان هو يسأل عن أدق التفاصيل الخاصة بحاجيات وميولات وعادات أهل القرية، بينما هي؛ كانت تفتش بشغف في الشواري؛ تجرب أساور على معصميها وتشتم الياسمين المعلب وتعلك… أحس البائع المتجول بالارتياح واستشعر أمنا وخيرا فأهدى محافظة الضريح كحلا نادرا ومشطا مصنوعا من قرن فيل الحبشة ومرآة صغيرة في حجم كف اليد، ووعدها بأكثر… كما قايضها عددا من الأشياء مقابل صوف وجلد وأدوات مصنوعة محليا… والأهم في كل شيء، أنه اتفق مع حلومة على أن تكون هي وكيلته في البيع والشراء، فضرب لها موعدا ثم انصرف منتشيا سبقه التجاري الواعد. هكذا؛ صار الحروتشي دؤوبا يتردد على القرية، يحط الرحل بالمزار ويرسخ أسس العلاقة مع حلومة التي يتزود منها بما يدونه في كناش صغير يحمله في جيب عميق من معطفه المترهل، ويراكم أرباحا لم يكن يتوقعها. مع توالي الأيام كانت نساء القرية يزددن عددا وإدمانا في إقبالهن على المزار، حيث “لالة المقدمة” تغريهن بما جد في عالم التزين النسائي و تبيعهن ما لذ وطاب عند بعولهن. وفي الليل قبل النهار كان الحب يملأ البيوت؛ فصار رجال القرية ـ على غير عادتهم وفي نكوص تام ـ يقضون معظم أوقاتهم في أحضان حرائمهم… يمرغ الواحد منهم وجهه بين النهدين مشتما عبق عطر طابو وصابون هينو برافيا، يتدفق بالحرارة الليبيدية ثم يرتخي مثل قطعة من الكتان… وتقوم الواحدة منهن مختلسة بعض الوقت تتفحص وجهها في المرآة الصغيرة وترتب شعرها ثم تتعطر وتعود من جديد إلى المضجع حيث يسترخي بعلها، حاملة معها أصناف الفاكهة تفاحا وكمثري وعنبا مجففا.. تلوك علكتها متحرشة به و يشتعل رغبة وشبقا بتبخترها وشذاها وغنجها…أما خارج البيوت، فكان الصغار يلعبون دور الكبار؛ يحاولون إنهاء ما بدأه آباءهم ولم يكملوه، بعضهم يملأ الدلاء والقوارير ويحملها بلا انقطاع إلى دور السكن، والحب يبرد ويسخن في المضاجع… ومع تراخي الزمن، تراجع أداء الفلاحين وأصابهم الوهن فما عادوا يحرثون الأرض بقدر ما يحرثون نساءهم، تبدلت القرية كأنما قلبها ساحر، قل الزرع وجف الضرع ونزلت بالأهل الفاقة. تغيرت عادات الناس فحل الصخب والضجيج في حياتهم محل الهدوء والسكينة… ولما عز على الكبار أن تتقهقر وتتعرى بهذا الشكل العجيب الغريب قريتهم المعهودة بجمالها وخيرها وأمنها، قرروا الذهاب إلى المزار للنظر في المصاب الجلل. هناك في حضرة المقدمة حلومة تداولوا المشكل فطمأنتهم ووعدتهم بالفرج المحتوم الذي كان. فلقد صار للحروتشي بغلة وعربية تجرها بدل الأتان الصغيرة التي تكاد لا ترى المسكينة… توسعت سوقه وشكلت محافظة الضريح المقدمة لالة حلومة طاقما من الوصيفات يتوسطن لها في إيصال الأمانات إلى أهلها رجالا ونساء، أدمن الفلاحون على التبغ والكحول والكوكا… وباع الكثير منهم أرضه للحروتشي ليتمكنوا من تغطية مصاريف الحبة الزرقاء وبطاريات راديو فيليبس(😎 الذي صدح بأغنية المرحوم حسين السلاوي : “ما تسمع غير أوكي أوكي كمان باي باي”.

One Reply to “زاوية الحنصالي بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.”

  1. كتبت فابدعت واتقنت. سرد يتعرش في مسالك الإبداع ويزهر. دمت مبدعا راقيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*