جلسة استثنائية … بقلم الكاتب كمال بستاني من تونس.

ذاك المقهى الذي جمعنا يوما، وكتب على لافتته حروف العشق من عطر الوطن، أصبحَ حزيناً بائسا فارغاً… وها هو النادل يتفرس في وجوهِ المارة على قارعة الطريق… ينتظر… يتأمل… يحلم… لكن لا أحد يلتفت اليه… و لا أنتَ ولا أنا عدنا من معاركِ التاريخ الفاشلة لزخرفة روح الوطن…

في جلستنا حيث لا حدود لأي شيء، يتلون المرء من فيلسوف يعانق الميتافيزيقا ويعاقر نظريات الوجود والتطور الى كاتب يتقن فن الرواية من الرومنسية الى السياسية.

في جلستنا، يحق لك السؤال عن أي شيء، ويأتيك جواب صريح عن كل شيء أو كما وصفها صديقٌ صدوق لي حين قال “إنها غرفة اعترافات خارج جدران كنيسة قسيسها منتصف الليل“.

ذات تاريخ… وعلى غير عادتها كانت الجلسة مختلفة لا طعم لها ولا رائحة كأنّ الروح غادرتها فأضحت جسدا لا حرارة تميزه عن الجثث، أي نعم، لقد غاب قومها وحل محلهم قومُ آخرون، كنت أنا وصديقي من قدماء القوم والبقية ضيوف، ربما لهذا شعرت بالغربة أو لأن الحديث لم يكن في سياقه المألوف..

حدث موقف خارج عن المعتاد موقف أقرب منه الى البذاءة من الرداءة… بوقاحة المتطفلين، بغباء السذج، عن قصد أو غير قصد، عن جهل أو ربما من باب حب الاطلاع لا غير.. سأل أحدهم:

–كم من بنات حواء مرت عليك في السنة المنقضية وتركت في نفسك شيئا منها؟

نظرت اليه نظرة المستكشف، ولأني أكره تجاهل بني البشر أجبته لتفادي ما هو أتفه وفي خاطري كنت أستحضر كل الوجوه، والصور، والمواقف:

_لا أعلم بالضبط…

وعند الحاحه الممل حاولت التخلص من رداءته فقلت:

–ربما الكثيرات…

كأن الكلام سقط عليه كصاروخ… توقف آخرٌ عن شرب القهوة وهو يسألني باستنكار وفي حالة استغرابٍ تام:

-هل يتعدد الحب؟

في حين كان يلقي علي أسئلته كخطبة عصماء كنت اُحدث نفسي قائلاً: “هل علي أن أجيب عن كل هذه الأسئلة؟ وهل من حقه أن يسألني … ولماذا علي أن أجيبه؟ وكيف…؟! هل هناك أكثر رداءة من هذا؟؟”

لكن اصراره وسرعة أسئلته لم تتح لي مجالاً واسعاً للتفكير وبدون اقتناع بجدوى ما أقوم به أجبته:

_ مثل الحب يا بني مثل المطر مع الأرض… يطيل الغياب ويأتي فجأة بدون مقدمات… ثم ينسى كما يُنسى كل عابر… ولكن هل من الأدب أن تسألني عن علاقاتي الشخصية؟

_ وكيف لي أن أعلم مفهوم الأدب فأنا لم أدخل مدارس مثلك؟

_ الأدب يا صديقي هو ان تطرق باب الثلاجة قبل ان تفتحها؟ وقلة الادب أن تسألني لماذا أشرب الشاي؟

وبسذاجة عمياء سألني نفس السؤال: ولماذا تشرب الشاي؟ فأجبت: لأني لا أستطيع أكله…

قهقه الجميع بكل بذاءة ولم يشذوا عن الوضع العام…

هكذا كانت هذه السنوات…  سنوات الرداءة بامتياز.. لم تمثل نشازا على مستوى تاريخنا… هذه السنوات ملعونة في الزبور، والتوراة، والانجيل، والقرآن!! فيها أحسسنا بعمق مأساة الوطن… حلمنا مرارا وخفنا أن نحلم في عديد المناسبات… عام يمر وعام يطل والبلاد الحبلى بالانتهازيين والوصوليين لم تضع حملها بعد… اللهم لا تشاؤم…

نصف مسرة وأنصاف كثيرة من الخيبة! أعوام مثقلة بالشجن اختلط فيها الحزن بالفرح، الأمل بالألم، الطموح بالإحباط، وخاصة الرداءة بالنفاق الاجتماعي والسياسي… فلا ندري ربما القادم أجمل…

كمال بستاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*