الهدرة الحادية والعشرون للبحر موّال… آخر… بقلم الكاتبة سونيا عبد اللطيف من تونس.

أشعر بالقلق والضّجر.. لاشيء يسلّيني أو يلهيني.. لا أحد يواسيني أو يستطيع التّخفيف من أنيني .. وحده البحر.. هو يُشفيني.. وحده لا سواه يُعيد إليّ نشاطي ومن جديد يُحييني.. . في البحر أُلقي بكلّ طاقتي السّلبيّة وأعود مشحونة بطاقة إيجابيّة… ولذلك أقصده..
حين أعتب ضفاف البحر أشعر بالنّشوة تغمرني.. بسحر يجذبني.. بيد تمتدّ إليّ فينشرح صدري ويخفّ وزري، أنتشي وأنا أتمشًى على الشّاطئ أو أمشي فيه… أداعب الماء فتُداعبني أنامِلُه من كلّ الجهات وعلى جميع المستويات. وحين أ شعر بالانشراح أكثر أنشر جناحيّ… أطير وأسبح فيلطُمني الموجُ وألطمُه إذ أرتمي بشدّة في وسطه أو أسند للأمواج الهادرة ظهري وأنسى أنّني في الماء وأنا أناجي الماء…
أمّا نشوتي الكبرى فهي حين أجد البحر خاليا أو شبه خال من النّاس لأستمتعَ أكثر وآخذَ حريّتي في اللّهو والسباحة وأرفع صوتي بالدّندنة والغناء وأسكر وأثمل كأنّني شربت البحر خمرة ..
هذا اليوم؛ ليس كسالف الأيّام؛ لأنّه بداية الخريف وبداية الموسم الدّراسي وآخر الصّيف الذي ينفض آخر أيّامات الحرّ له.. وبالتّالي البحر متاح لأمثالي الذين يبحثون عن الوحدة والانفراد وينشدون الرّاحة والحريّة..
ليس في البحر حيث أنا أسبح سوى خمسة أشخاص… نعم لقد قمت بعدّهم.. رجل برفقة سيّدتيْن جاؤوا قبلنا.. أقصد أنا وابني الذي بقي فوق الرّمال يتواصل مع أصدقائه بالهاتف الجوّال.. وهاهي سيّدة وابنتها على ما يبدو قد وصلتا توّا… سبقتِ الأمُّ وارتمتْ في الماء.. وظلّت الفتاة تحت مظلّة تنزع ملابسها.. ثم وضعت حول صدرها فوطة شفّافة لعلْها تستر بها شيئا من جسدها العاري الذي لم يستره المايو.. عاديّ.. كل شيء الى حدّ الآن عاديّ..
في الطْرف الآخر من الشّاطئ بعيدا عنّي نسبيا أربعة نساء يسبحن ويتحدّثن.. وتوجد امرأة أخرى بمفردها تلعب وسط الماء.. ترتمي وترتخي… تشقشق وتبقبق.. تتقلّب وتنبطح تماما كما الأطفال الصّغار وهنالك غير بعيد عن الجميع رجل يسبح في جِدٍّ وهِمّة ذهابا وإيابا يختبر قدرته في العوم…
التفتُّ صوب ابني أحثُّه على الغطس والسّباحة.. فلفتَ نظري شيء ما يقف قبالتي في مهبط الممشى.. هو مدخل ضيّق بين مقهى «موناكو» ومقهى «جمولتي» بشاطئ مدينة قليبية… عبارة عن مسرب يؤدّي إلى البحر بمثابة المنحدر وُضعت فيه صخرات للارتكاز عليها بمثابة الدّرج.. وعلى الجانبيْن أشجارُ سرول قصيرة وصغيرة بحيث أغصانها تتدلّى وتُخفي جزءا من جسم هذا الغريب القادم من هنالك.. وها أنّي وكأنّي أرى سروال دجين واقفا بطريقة جانبيّة.. وأرى يديْن تحطّان وتشدّان على موضع السّحّاب من جهة فتحة السّروال ولا أرى جذع الشّخص.. ثم أرى الرّأس وشيئا من الكتفيْن. القميصُ الذي عليه وحسب ما يظهر منه أزرق وأبيض مربّعات.. الرّأسُ فوقه قبّعة.. العنق مستدار إلى اليسار في جهة مدخل الممشى.. ركّزت معه.. حسِبته يُريد التخفّي للتّبوّل.. خصوصا أنّ التّبوّل في الشْارع لدى الرّجال موضة.. قلت في نفسي: « ويحه، ألمّ يجدّ مكانا آخر أنسب له من هذا..» خاصْة أنّ المكانَ عرضةٌ لنزول أشخاص في أيّ لحظة يرومون البحر.. غير أن الشّاب لمّ يتزحزح.. وقفتُه طالتْ وظلّ بتلك الطّريقة فقط يداه تتحرّكان في مدّ وجزر من جهة السّحّاب.. كانت رأسه تميل تارة إلى اليسار تراقب المكان والمشاة وأخرى إلى اليمين حيث البحر ونحن.. خمّنت أنّ نظره موجّهٌ إلى الفتاة التي تنزل البحر في خيلاء وفي خطوات وطيدة وهي تتمايس في قدّها الممشوق… لم أكفّ عن مراقبته… طبعا كنتُ أسبحُ وأسترقُ له النّظر أريدُ أنْ أنتهيَ بفكرة صحيحة.. ماذا يفعلُ بالضّبط هناك …؟ شيء غريب شدّني.. !!
لم يتزحزح.. لكنّ حركة يدِه تضاعفتْ سرعتُها.. ذهابا.. إيّابا من جهة الأمام وتحتَ الحزام.. وأخيرا كأنّه يوفّق في العملية.. هاهو يتناولُ بيده اليمنى شيئا.. ثمْ هاهي يده تفتّش عن شيء ودون أن يخفّض نظره إلى الأسفل لأنّ عينيْه منشغلتان بمراقبة المكان من ناحية كما ذكرتُ ومتابعة الفتاة التي نزلت الى البحر من ناحية أخرى ..
ها هو يسحب الشّيء الذي يبحث عنه شيئا فشيئا.. إنه يتمطّط معه ويتمدّد .. يطاوعه.. فيستقيم ويرتخي.. يمتدّ ويطول فيظهر طرفه كرأس كُبرى.. اشتدّ تشنّجه.. لا أحد انتبه إليه..ولا التفت جهته.. ظلّ الشاب على ذلك الوضع لحظات.. دقائق ويده اليمنى لا تكفّ عن الدّفع والجذب.. المدّ والجزر في سباق مع الزّمن وعنقه كالمخمور ازداد اضطرابه كأنما أصيب صاحبه بنوبة صرع لكثرة الالتفات والنّظر في اتّجاه البحر مرّة وفي اتّجاه الممرّ أخرى.. وأخيرا هدأتْ أوصاله وبطُؤتْ حركة يده حتّى توقّفتْ تماما بينما صدره اهتزّ إلى الأعلى يتنفّس الصّعداء..
نفض الشاب يده وسوّى من سرواله ومن قميصه ثمّ واصل وِقفته متأمّلا ما حوله دون أن يتزحزح…
وبينما هو على تلك الحالة إذ أقبلتْ ثلاثُ فتيات مررن من أمامه بحيث فسح لهنّ المجال للنّزول وبقيتّ رأسه تتبعهنّ في شرود…
تخلّصت الفتيات بسرعة من لباسهنّ الخفيف وبقين يلتقطن صورا فوغراغيّة «سلفي» لهنّ ولبعضهنّ في وضعيّات مُثيرة متنوّعة .. كانت الأولى تلبس مايو أصفر اللّون… الثّانية مايوها أبيض فيه شيء من الألوان .. الثّالثة ترتدي « بيكيني» مزركش… ثلاثتهنّ مكتنزات ممتلئات أفخاذهنّ وأردافهنّ معبّآت جميلات صدورهنّ مهزوزات مرتفعات منتفخات.. حقا؛ إنّهنّ مشتهيات مغريات..
كأنّني بالشّاب المأخوذ، قد اشتغلتْ فيه الغريزة الحيوانيّة واشتعلتْ منْ جديد، وكأنّني به نادم لتسرّعه في القدحة الأولى.. ومع ذلك وضع يده من جديد على سرواله يتحسّس ما يخفيه.. مرّر قليلا.. لكنّ أحد المصطافين القادمين قاطعه… ظلّ يلتفتُ ناحية الممشى.. دون أمل.. ولا أمل.. الحركة بدأتْ تنشط وبدأت الحيويّة تدبّ ذهابا وإيابا.. فتناول هاتفه ورفعه إلى مستوى أذنه…
كنت مأخوذة من كلّ ما يجري وفي غمرة نشوتي مع البحر وجماله ومياهه التي تحملني وتهدهدني .. وقد أسكرتني مداعبات اللّجج المتماوجة في صعود ونزول ولم أُفق من دهشتي إلاّ على رنين ضحكة ابني وهو ينادي ينبّهني من الارتطام بالصّخور…

قليبية أكتوبر 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*